fbpx

شكراً أكرم صاغية… ووداعاً

قبل نحو سنة كان الاتصال الأخير بيني وبين أكرم. حصل ذلك حين أقدم شاب شيشاني على قتل مدرس تاريخ فرنسي في إحدى ضواحي باريس، وهو ما أثار نقاشاً واسعاً حول الهوية العلمانية لفرنسا.

آمن بنا أكرم صاغية قبل غيره، وكان ذلك ضرورياً لنشعر بأن ثمة بارقة أمل في مشروعنا الذي باشرناه فور مغادرتنا مواقعنا في الصحف ووسائل الإعلام، التي كنا نعمل فيها بوصفها مشاريع لغيرنا من غير أهل المهنة. وأن يؤمن بك شخص مثل أكرم، فهذه دعوة لكي تؤمن أنت بما أنت بصدده. الصديق الذي لا نلتقي به إلا نادراً، والذي يعمل في الـ”كورييه انترناسيونال” والذي يختار من الصحافة العربية ما يُفترض أنه ضروري للقارئ الفرنسي. وهو حين راح يفعل ذلك وضعنا أمام مسؤولية أننا حيال قارئ آخر وحساسية أخرى. هذا الرجل الغريب والبعيد، والذي غالباً ما يحضر عبر اتصال هاتفي مختصر، إنما مكثف، يواصل فيه معرفة مشتركة أو يضيف تفصيلاً أو يغرقنا بدهشته الصادرة عن حب ورغبة في أن يكون شريكاً عابراً وغير ثقيل.

رحل أكرم ولم نودعه، ذاك أن السنة الفائتة لم تتح لنا وله فرصة زيارة نشاركه بها همومنا الصغيرة، إلا أن الـ”كورييه انترناسيونال” تولت في سنة الغياب هذه مضاعفة نشر موادنا في صفحاتها وعلى موقعها. وهذا كان امتداداً لكرم صديقنا ولقراره بضرورة دفع مشاريعنا الصغيرة إلى الأمام. هذا ما شعرنا به يا أكرم، ورحيلك لم يتح لنا مقابلة هذا الكرم وهذا الإيمان بشيء يوازيه. فأن نخاطبك بمزيد من القصص الصحافية التي تثير دهشتك أو تساؤلاتك، لا يكفي لكي نشعر أننا قمنا بما يجب أن نقوم به حيالك.

وأكرم لطالما أقام على الضفة الشرقية لفرنسيته. في الـ”كورييه انترناسيونال” كان محرر القصة المتوسطية والمشرقية، وأضاف إليها رغبته في نقلها إلى قارئ فرنسي متطلب أكثر. راح يدفعنا إلى ترشيق قصتنا، والذهاب بها إلى زوايا لم نعهدها، وهو بذلك أتاح للقارئ العربي أيضاً قصة صحافية بشروط تحريرية متقدمة، وخاضعة لتطلب غير معهود عربياً في العلاقة بين الصحافي والقارئ. فعل ذلك أكرم من دون أي ضجيج ومن دون ثقل المحرر. اتصال هاتفي كان يكفي لأن يكون محرر الـ”كورييه انترناسيونال” جزءاً من اعتباراتنا التحريرية، وجزءاً من اجتماع التحرير.

رحل أكرم ولم نودعه، ذاك أن السنة الفائتة لم تتح لنا وله فرصة زيارة نشاركه بها همومنا الصغيرة.

مبكراً راح أكرم يضعنا أمام تحدي القصة الصحافية الجديدة. كتب لسنوات طويلة زاويته الأسبوعية “سمعاً وبصراً” في جريدة “الحياة” التي اختار لها اسماً غير اسمه هو مارك صايغ. كان هذا قبل أن تطرح الصحافة العربية على نفسها ضرورة تخصيص مساحات للمرئي والمسموع في تناولاتها اليومية. وانشغاله بترشيق القصة الصحافية لم يضعف من رغبته في توظيفها في هم سياسي وأخلاقي، كنا نستشفه من صوته الذي لطالما أوحى لي بأنني حيال مناضل بقي من تجربته القديمة في النضال شيء ما، وكنت دائماً ما أؤجل رغبتي في اكتشافه، على رغم معرفتي ببعض أخباره عن الجزائر التي قصدها مناضلاً، وعن عمله في “أمنستي انترناشيونال” مراقباً ومسجلاً انتهاكات حقوق الإنسان. وهو ما جعلني دائماً أفكّر من هو هذا الرجل، وما الذي ذهب به إلى الجزائر وإلى أمنستي وإلى الـ”كورييه انترناسيونال”؟

قبل نحو سنة كان الاتصال الأخير بيني وبين أكرم. حصل ذلك حين أقدم شاب شيشاني على قتل مدرس تاريخ فرنسي في إحدى ضواحي باريس، وهو ما أثار نقاشاً واسعاً حول الهوية العلمانية لفرنسا. في حينها تحرك الصحافي المناضل في أكرم الذي شعر بضرورة أن تكون الصحافة العربية جزءاً من النقاش، من موقع مختلف عن الموقع الذي اختاره لها الممول القطري أو الإيراني. أقنع أكرم الناشطة النسوية الفرنسية كارولين فوريست بأن تكتب مقالاً مشتركاً في أسبوعية الأكسبرس الفرنسية وموقع “درج”. كان همه أن تشعر ناشطة نسوية فرنسية، قد لا يتفق معها، بأن الصحافة العربية تتسع لصوتها أيضاً.    

شكراً أكرم… ووداعاً   

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
بادية فحص – صحافية وكاتبة لبنانية
ربما من قبيل القسوة، القول إن الحدثين الدمويين الأخيرين لم يفاجئا أحدا، لا داخل أفغانستان ولا خارجها، وأولهم الشيعة الهزارة، ذلك أنهم لم يعرفوا مصيرا سوى القتل، منذ نشأة أفغانستان بحدودها الجغرافية الحالية.
Play Video

7:06

Play Video

2:08

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني