fbpx

غياب الخيارات: حين يكبّل النظام أيدي الفقراء ويحدد مصائرهم

حرمان الافراد من الاختيار مرةً قد ينتج عنه حرمانهم من الاختيار في كلّ مرّةٍ تتيح لهم الحياة فرصةً لكنّهم لا يغتنمونها لأنّ النّظام يكبّل أيديهم بظروفٍ خارجة عن سيطرتهم، ويدفع بهم إلى مصائر لا يختارونها.

كيف يعيش اللبناني يومياته في ظل الانهيار الكبير؟

يركض مع الوقت وضدّه حتّى آخر الشّهر. يحصي الايّام بعدّ تنازليّ حتى يوم دفع الايجار وقبض الرّاتب وتسديد المستحقّات. ليرة فوق ليرة ولا يبقى قرشٌ أبيض لليوم الأسود. 

ما الجدوى من الإدّخار إذا كانت جميع ايّامه سوداء؟ 

صراعه ضدّ رأس المال ومقوّماته يولّد صراعاً ضدّ الفقر ونتائجه. 

هناك ارتباطٌ وثيقٌ بين المآسي التي يعيشها اللبنانيون وبين النّظام. ارتباطٌ وثيقٌ بين المآسي اليومية وبين التّاريخ الّذي تطوّر مبلوراً اقتصاد فرض واقعاً لم يختره اللبنانيون لكنّهم يدفعون ثمنه كلّ يومٍ من جيوبهم وأفكارهم ووقتهم. 

وكأنّ من العدل والأخلاق أن يدفع الإنسان ثمن ما لا يختاره. 

بالمناسبة، هل الإنسان مخيّر أم مسيّر؟ وكيف يتّخذ التّخيير والتّسيير أشكالا مختلفةً في المجتمعات المقسّمة طبقيّا فيتأثّران ويؤثّران بفرص الأفراد وقدرتهم الشرائيّة؟ 

 فصل حريّة الاختيار عن حقوق الانسان عبر ربطها بقدرةٍ شرائيّةٍ يؤدّي الى لوم الفقراء، أي الضّحيّة، على “تقصيرهم” او على اتّخاذهم “خيارات خاطئة” خلال حياتهم مما أدّى الى مكوثهم في القعر، غافلين انّ “اختياراتهم الخاطئة” قد تكون نتيجة عدم قدرتهم على اتّخاذ ما قد يوضع تحت تسمية “القرارات الصّحيحة” لظروفٍ لم يختاروها أيضا.

لو أتيحت الفرصة للاجئٍ اجنبي في لبنان أو لهاربٍ سوري من الحسكة او لاحد سكّان قطاع غزّة أو لمطلق إنسان من الشّتات في هذا العالم (وهم كثرٌ لأن العالم ليس مصمماً على قياسهم ولا يعمل لمصلحتهم إذ يحول دون تغييرهم لواقعهم الاجتماعيّ)، لاختار الشخص المعنيّ تحقيق احلامه الورديّة وهي أحلام الطّبقات المهمّشة، وأحلامها هي تغيير العالم لأنّه، كما يقول غسان كنفاني، يستحقّ العدالة بحقارةٍ كلّ يوم. لو أتيحت له الفرصة، لسافر واحدنا إلى أقاصي الكرة الأرضية بلا جواز سفرٍ ومن دون المجازفة بحياته على متن قاربٍ مكتظّ. كان ليكتب قصصه بأقلامٍ صنعها بساعديه وبحبرٍ اختار لونه على ورقٍ يحدّد، هو بنفسه، السّنتيمترات بين اسطره كي لا يحدّد غيره مساحة حريّته. أي حريّة؟ الحريّة الّتي صنعها. الحريّة الّتي تشبهه. الحريّة المنبثقة عنه، فلا خيار بلا حريّة ولا تخيير.

أقلامه وحبره وأوراقه وحدها تنفع ليكتب بأبجديّته. فالأبجديّة الّتي أملت عليه حروفها التي استوردت له تشكّل لغةً تشكّلت بثقافات أخرى لا يمكن ان تسقط سقوطا حرّا سليما على ثقافته اذ تُفقد لديه مقوماتها وأساليب التعبير عنها والادوات التي تُستخدم لانتاجها. فهذه اللّغة تتطلّب أقلاما طريّة لا تتحمّل خشونة يديه على ورقٍ رفيعٍ يُنثقب عند الكتابة لأنّ رقّة اللّغة المستعملة لا تعبّر عنه. لغة الـ”اشتر واحصل” أو لغة الـ”اشترك واستفد” أو “اعمل لتربح” لا تمتّ بصلة الى لغته الّتي فصّلها على قياسه وهي لغة الـ”اعمل لتأكل” او “أشق لتعيش”. لأنّ الحياة لم تسأله يوما اذا اراد ان يكون من الكادحين. لم يختر الفقر لأن أحداً لا يختار الفقر بإرادته. والّذي لا يختار موقعه الاجتماعيّ لا يختار شيئا. 

لكنّ النّظام يؤكّد كلّ يومٍ ان الخيار رفاهيّة: الاختياربين السّفر او البقاء يفقد معناه ما لم يدعمه حسابٌ مصرفيٌّ من دونه لا يمكن الحصول على جنسية اجنبية. 

الاختيار بين الرحيل او المكوث لا يعني شيئا إذا كانت قوات عسكرية تطوّق البيت.  

الاختيار بين الحب والحزن ليس مطروحا في حالات يفصل فيها شريط شائك أو مسافات شاسعة بين المحبّين. اختيار الأفضل ممكنٌ لكنّ البتّ بالخيار يبرهن استحالته إذ تحول الأوضاع الاقتصاديّة للطّبقات المهمّشة دونه، أو تكون ممكنةً لكنّها دومًا ما تقتضي تنازلات، لا يواجهها من لديهم أوضاع إقتصادية أفضل. وهذا الشّرط، الوضع الإقتصادي الجيد، إن تحقّق، سيكون الاختيار معه مختلفا تماما أو على الأقلّ سيكون قابلا للتحقّق. 

إقرأوا أيضاً:

مثالاً: أغنياء سوريا بعد الحرب تمكّنوا من الهجرة ليكملوا حياةً طبيعيّةً في الخارج لكنّهم أيضا استطاعوا الاستفادة من انخفاض أسعار الأراضي ليضمنوا رأس مالٍ أكبر عند نهاية الحرب أما الفقراء فبالكاد قدروا على تلبية حاجاتهم اليوميّة بينما ظلّ حلم الهجرة للتّنعم بحياةٍ أفضل، كي لا أقول حياة مرفّهة، بعيد المنال. هكذا تصير أحلام ذوي الدخل المحدود تتمحور حول الهجرة إلى ‘إحدى دول الرعاية الاجتماعية، ليضمن على الأقلّ حق أطفاله بالتعليم والرعاية الصحية المجّانية، وهي بديهيات قد تكلّفه في وطنه مجمل مدخوله السنويّ، وقد يضطر إلى الإستدانة أيضاً لتأمين الحدّ الأدنى منها.

ولأنّ الطّبقات الاجتماعيّة مفتوحةٌ قانونيّا، أي انك تستطيع ان ترتقي في السلم الإجتماعي، بمجرّد ان تربح بطاقة لوتو مثلاً، أو يمكنك ان تهوي إلى القعر بمجرد ان تخسر في مقامرة خاطئة في عالم إدارة الأعمال. هكذا يمكن في لحظة ان تتبدّل الأدوار. 

ولادة طفل في مكانٍ ما بالعالم حيث يتواجد نظام تعليمي متقدّم، قد يفتح له الباب للانتقال إلى طبقة اجتماعية اعلى من آخرين ولدوا في أمكنة ليس لديهم فيها قدرة على الوصول إلى العلوم والتقنيات. لكنّ الحريّة القانونيّة لانفتاح الطّبقات الاجتماعيّة على بعضها لا تلغي كونها، عملياً، شبه مغلقةٍ في الواقع، بسبب تمركز الثّروات بطريقةٍ تسمح للنّظام الاقتصاديّ باعادة انتاج نفسه. فالرّساميل المركّزة موجهةٌ للإستثمار في مجالاتٍ معيّنةٍ كالاستثمار في التكنولوجيا المتقدّمة، الذي يشكّل مركز جذبٍ للرساميل الكبرى بينما، في المقابل، يفرض البنك الدّولي استثماراتٍ معيّنةٍ ملزمةٍ على الدّول الفقيرة.

 فرض زراعة محصولٍ ما في بنغلادش مثالٌ من أمثلةٍ كثيرةٍ تبيّن عدم امتلاك دولٍ فقيرةٍ حقّ اختيارها لكيفيّة ادارة بلادها وتنظيم نفقاتها وجباية ضرائبها. فتبقى باحثةً عن حقوقها الأساسيّة في أسفل هرم ماسلو بعيدةً عن التّفكير في حريّة الاختيار والإبداع. 

فمحكوميّة اللّبناني باولويّاته المعيشيّة تملي عليه اختياراتٍ محدودةً بالتّنقل ضمن نطاقٍ جغرافيٍّ معيّنٍ بينما نجد أنّ مواطنا آخر في فرنسا مثلا يحتار بين دولٍ كثيرةٍ يخوّله جواز سفره ان يتنقّل بينها ويعمل فيها بحرية، ضمن نطاق جغرافي أوسع.

النّظام يؤكّد كلّ يومٍ ان الخيار رفاهيّة: الاختياربين السّفر او البقاء يفقد معناه ما لم يدعمه حسابٌ مصرفيٌّ من دونه لا يمكن الحصول على جنسية اجنبية. الاختيار بين الرحيل او المكوث لا يعني شيئا إذا كانت قوات عسكرية تطوّق البيت. 

 هذه الأمثلة من عالمنا الحاليّ وتاريخه تنفي موثوقيّة فكرة التّضحية المؤقّتة بالحقوق في سبيل كسب حرية الاختيار لمرة. فإنّ الّذي يعيش تحت الاحتلال لا بدّ له من المقاومة والّذي يعيش تحت خطّ الفقر لا بدّ له من الاقتصاد والّذي يعيش في ظلّ ظروفٍ لا إنسانيّةٍ لا بدّ له من الصّبر. المقاومة والتّوفير والصّبر معانٍ مشتقّةٍ من النّتائج الطّبيعيّة للعوامل المعيشيّة لدى الطّبقات الفقيرة. لكنّها تخرج عن تعريفها المعجميّ ككلماتٍ تُلصق بأشخاصٍ بالتّوصيف، او جماداتٍ بالتّشخيص او حيواناتٍ بالكناية، لتغدو وصماً لطبقةٍ اجتماعيةٍ أو لجماعة سكانية أو دينية. فيشكّل الوصم هويّةً جماعيةًّ تؤطّر أفرادا من الهوية المصطنعة ذاتها، ويخلق شخصياتٍ جاهزةٍ ليتقمّصها المنضمّون الجدد الى هذا المجتمع او لإعادة انضمام المنشقّين عنه سابقا، لاغيا الحريّة الفرديّة في اختيار كلّ فرد لشخصيّته وطريقة عيشه بعيدا من التّوصيم القائم الّذي لا يخلق من عدمٍ ولا يستمرّ بلا جهاتٍ تكرّسه، ولا يستقلّ عن حاملي ثقله أو يمكّنهم من الإستقلال عنه. فالمرأة المحجّبة تُمنع في كثيرٍ من الأحيان من التّنقل بحرّيةٍ أو العمل ضمن مناطق معينةٍ في لبنان بينما نجد أنّ تكبيل الحركة ذاته ينطبق على النّساء السّافرات بالمناطق الّتي يُسمح للمحجبة العمل فيها. لكنّ هذا المنع لا يقتصر على المحجّبات والسّافرات وحسب لكن يتعدّاه إلى النّساء اللّواتي لا يرتدين وفق الأطر الاجتماعيّة المحدّدة للبسٍ مقبولٍ للمرأة أو اللّواتي يكسرن هذه الأطر عبر أمور بسيطة، كرسمهن الوشوم على أجسادهن.

فللموصومين أحزابٌ تتبنّى وصمهم وتكرّسه في برامجها الانتخابية وتمثّله داخل المجلس النيابيّ وتدرّسه في مدارسها وتعبّر عنه في خطاباتها واجتماعاتها وتنقله وسائل الاعلام لمتابيعيها، والأباء لأبنائهم، والأمهات لبناتهن، حتّى يصبح الوصم حقيقيّا وموجودا وتتحوّل الفكرة المجرّدة الى فعلٍ أو قولٍ أو رأيٍ يراد للإنسان ان يختاره فيختاره خلال سيرورةٍ اجتماعيةٍ قسريّةٍ تجبره بالقوّة النّاعمة عبر التّلقين والانخراط والحثّ على اختيار الوصم  واعادة اختياره من جديد، لأنّ الوصم أصبح حقيقةً والحقيقة تدوم باعادة اختيارنا لها. ربّما الوصم ليس سيئا كصفةٍ لكنّه لا ينبع من حرية الاختيار. فالاختيار هنا، ليس مستقلّا عن ايّ مؤثراتٍ او عوامل خارجيّة، ليصبح غير موجود. لكنّه ينطبق على الطّبقات الاجتماعيّة كلٍّ بحسب هويّتها.

مثلا، الصّبر كمفهومٍ صفةٌ حميدةٌ لكنّ صبر أمٍّ بالكاد تقدر على اطعام اطفالها على الأوضاع الإقتصاديّة الصّعبة لا يضاهي صبر تلميذة جامعةٍ غنيّةٍ على شراء هاتفٍ جديد. في حالة الأمّ، هي مكرهةٌ وليست مخيرةً على الصّبر فلا حلول أخرى سواه وإن وُجدت سيكون الحلّ مشروطا بتضحيةٍ ما على الأرجح ستشمل تضحيةً بأحد حقوقها او حقوق احد المقرّبين منها الاساسيّة. أمّا في الحالة الثّانية، فالبديل موجودٌ والأمر ليس بالطّارئ والفتاة مخيّرةٌ والهدف لا يحتاج لتضحيةٍ جوهرية. في المثلين اختيار الصّبر مربوطٌ بالطبقة الاجتماعيّة. ففي معظم الحالات عندما تُفقد حريّة الاختيار، يكون العائق مرتبطاً بنقص الموارد الماليّة مقيّداً حريّة الاختيار بالقدرة الشرائيّة لأنّ الاختيار، كسائر الأشياء الملموسة وغير الملموسة، أضحى مسلّعا يخضع لأوّليّات السّوق ويُشترى إذا امتلك طالبه رأس المال الوافي.

 فصل حريّة الاختيار عن حقوق الانسان عبر ربطها بقدرةٍ شرائيّةٍ يؤدّي الى لوم الفقراء، أي الضّحيّة، على “تقصيرهم” او على اتّخاذهم “خيارات خاطئة” خلال حياتهم مما أدّى الى مكوثهم في القعر، غافلين انّ “اختياراتهم الخاطئة” قد تكون نتيجة عدم قدرتهم على اتّخاذ ما قد يوضع تحت تسمية “القرارات الصّحيحة” لظروفٍ لم يختاروها أيضا. 

اي انّنا إذا اتّبعنا نمط تفكير هؤلاء يتبيّن لنا انّ حرمان الافراد من الاختيار مرةً قد ينتج عنه حرمانهم من الاختيار في كلّ مرّةٍ تتيح لهم الحياة فرصةً لكنّهم لا يغتنمونها لأنّ النّظام يكبّل أيديهم بظروفٍ خارجة عن سيطرتهم، ويدفع بهم إلى مصائر لا يختارونها. 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
يونس عيسى – صحافي عراقي
“بسبب فقدان الكثير من الأسر لمعيلها تلجأ للأطفال كبديل معتمد للعمل فضلاً عن استسهال أصحاب المهن لتشغيل الأطفال مقابل أجور زهيدة إذا ما قورنت بالشباب الأكبر عمراً والذين يطالبون بأجور أعلى”.
Play Video
يكشف هذا التحقيق عمليات تجنيد الأطفال السوريين من قبل المليشيات الإيرانية وتلك التي تتلقى دعماً إيرانياً، وعمليات التضليل الإعلامي التي يتم استخدامها من قبل هذه المليشيات والمؤسسات الثقافية والدينية الإيرانية لهذا الغرض.

1:51

Play Video
عشِق المسرح والحرية ولُقّب بـ”رمز الانتفاضة”… من هو زكريا الزبيدي أحد الأربعة الذين عاودت إسرائيل اعتقالهم بعد الهرب من سجن جلبوع؟

2:59

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني