عن أبو رواد وطفل المطعم
وصديقيَّ المتخاصمين

أتوقف عند الطفل وأسأله "في فول وفتة؟"، يومئ برأسه إيجاباً ويسألني عما أريد ثم يدخل من الزقاق المجاور إلى غرفة خلفية للمطعم، يعود بعد خمس دقائق، ويطلب مني الدخول قليلاً إلى الزقاق ليعطيني الطعام، أدفع له ثم أخرج من الزقاق وأنا أنظر حولي باستغراب.

أصبح الاستيقاظ باكراً عادة لا مفر منها حتى في أيام العطل المحصورة بعملي، فبحلول السابعة صباحاً يبدأ الناس التحضير للذهاب إلى العمل، وأصوات المركبات والأطفال وصهاريج المياه تملأ الشارع، إضافة إلى الحر الذي يطهوك وأنت على فراشك، بخاصة إذا ما كان سكنك عبارة عن ملحق على سطح بناء، والكهرباء مقطوعة، فتشعر بامتداد البارحة إلى اليوم كأن النهار الجديد لم يحل بعد. 

لا بد من القيام بشيء لكسر هذا الامتداد، شيء مميز لمناسبة يوم عطلتي، كالاصطياف على البحر أو الذهاب إلى منتجع أو مسبح… اقتراح مضحك، ربما في السنوات المقبلة، اليوم سأكتفي بالاجتماع مع صديقيَّ المقربين لتناول الفول وفتة الحمص على الفطور، أمسك بدراجتي الهوائية، أحملها وانزل بها درج البناء، ثم أنطلق لمفاجأة صديقيَّ بالفطور المهيب. أتجاوز زاوية الشارع وأتوقف لمساعدة العم أبو رواد بحمل كيس إسمنتي، يعاند رافضاً المساعدة ويُسقط الكيس بعد خطوتين، يأتي عامل من ورشة تشيِّدُ بناءً بجانبنا، يحمل الكيس نيابة عن أبو رواد الذي ينظر إلي وكأنني ارتكبت خطأ ما.

 العم أبو رواد نازح من محافظة إدلب يبلغ من العمر 54 سنة، يملك وزوجته بقالية متواضعة جداً ويسكنان في الجزء الخلفي منها، قرر اليوم العمل في ورشة البناء، أحاول بخجل ثنيه عن متابعة العمل، بخاصة أنني كنت نقلته في ما مضى إلى إسعاف المستشفيات أكثر من مرة لمعاناته من مشكلات قلبية وتنفسية، “حل عني يا زلمة، تركني بحالي الله يوفقك” يرد علي العم أبو رواد بأسلوب غريب كل الغرابة عن طباعه حتى إنني اعتقدت أنه لم يعرفني. 

لا بد من القيام بشيء لكسر هذا الامتداد، شيء مميز لمناسبة يوم عطلتي، كالاصطياف على البحر أو الذهاب إلى منتجع أو مسبح…

أعود إلى دراجتي وأضع في رأسي احتمال إسعافه إلى المستشفى اليوم، أتابع طريقي باتجاه جرمانا أملاً بإيجاد مطعم مفتوح، فبعدما قطعت أكثر من نصف الطريق من دون أن أجد مطعماً مفتوحاً، تذكرت القرار الذي صدر عن محافظة دمشق حول تحديد ساعات فتح المحال والفعاليات التجارية. فهمت فوراً أن العم أبو رواد يعمل الآن تعويضاً عن الساعات التي حُرم فيها من أرباح ما يشتريه الناس بطريقهم إلى أماكن عملهم ودراستهم قبل الثامنة صباحاً. أدركت أن علي الانتظار لساعة أخرى قبل أن تبدأ المطاعم عملها، “من المؤكد أنني سأجد مطعماً مفتوحاً في جرمانا، لطالما كانت هذه المدينة عصية على تطبيق القوانين”، أقول لنفسي، بالأمس فقط كانت المحال ليلاً تحتال على القرار بالتظاهر بنصف إغلاق وتسمح للزبائن بالشراء من خارج المحل. أقرر الدخول إلى الأحياء المجاورة للشارع العام كون ضابطة الشرطة نادراً ما تدخل إليها، وتكتفي بالذهاب والإياب على الشارع العام والنداء بالإغلاق على من يحاول فتح محله. بعدها وعلى بعد شارع واحد فقط من ساحة الرئيس في جرمانا، كان طفل يجلس على كرسي أمام أحد المطاعم المغلقة، كنت متأكداً من أنها إشارة واضحة على أن المطعم يعمل سراً.

أتوقف عند الطفل وأسأله “في فول وفتة؟”، يومئ برأسه إيجاباً ويسألني عما أريد ثم يدخل من الزقاق المجاور إلى غرفة خلفية للمطعم، يعود بعد خمس دقائق، ويطلب مني الدخول قليلاً إلى الزقاق ليعطيني الطعام، أدفع له ثم أخرج من الزقاق وأنا أنظر حولي باستغراب. بعد ثانيتين تتملكني السخرية من نفسي، “ما الذي حدث للتو، مم نختبئ؟ هل سيقبضون علينا بتهمة تعاطي الفول والحمص؟”.
أصل إلى منزل صديقيّ، أطرق الباب بعنف وثقة لإيقاظهما من النوم، سيغفران لي عندما يريان الفطور المهيب، يفتح أحدهما ويعود إلى الداخل تاركاً إياي وحيداً أمام الباب المفتوح، أدخل وأغلق الباب لأجدهما يشربان المتة ويتناكفان حول من سيبقى في العمل ومن سيتركه، فهما يعملان معاً في توصيل الأراكيل وخجمة الصالة خلال السهرات الليلية في مطعم في منطقة باب توما ليستطيعا تغطية تكاليف دراستهما وإيجار منزلهما، وأن صاحب المطعم أطلعهما على أنه ينوي تقليص الكادر بعد قرار الإغلاق المبكر للمطاعم والنوادي والملاهي، وأن على أحدهما ترك العمل ليستطيع الآخر الاستمرار. يرن هاتفي الخليوي، أتوقع أن أبو رواد أُسعف إلى المستشفى، أخطئ الظن وأغلق الخط. آخذ نفساً عميقاً ثم أنهض إلى المطبخ وأبدأ بفرد الفطور على منضدة صديقيَّ المتخاصمين، نأكل بصمت من دون أبريق الشاي الذي اعتاد تزيين نشاط كهذا، ثم أرحل بصمت على دراجتي، المحال كلها فتحت أبوابها، وصوت نعيق الضابطة اختفى.

بعيداً من التجاوز القانوني للقرار الذي أصدرته محافظة دمشق بحق المتضررين والذي بيّنه أكثر من محامٍ وحقوقي بارزين في الداخل والخارج، ما الهدف الإيجابي من قرار كهذا في أي حال؟ ربما أداة جديدة لزيادة الدخل الملتوي للقطاعات الأمنية والإدارية.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
هاني محمد – صحافي مصري
تعتبر قضية “القصور الرئاسية” هي الحكم النهائي الوحيد الذي يدين مبارك وأسرته، التي حاولت نقضه والطعن عليه عدّة مرات، وهو ما يوحي بنية الشقيقين لإيجاد ثغرات للعودة مرة أخرى.
Play Video
فراس حمدان هو محامٍ لبناني نشط بالساحات خلال انتفاضة 17 تشرين وكان ثمن نضاله كبيراً. شرطة مجلس النواب أصابت فراس برصاصة من سلاحٍ محرم دولياً اخترقت قلبه بإحدى التظاهرات، وعلى رغم أن شظاية الرصاصة بقيت في قلبه، إلا أن فراس تحدّى وترشّح على الإنتخابات، وربح. ليعود إلى الساحة نفسها ولكن هذه المرة كنائب!

4:38

Play Video
“رح ننتخب أي حدا ضد المُعرقلين…”، 21 شهراً مرّ على انفجار مرفأ بيروت وأكثر من 4 أشهر على تجميد التحقيق. السلطة اللبنانية تُحاول عرقلة التحقيقات وطمس الجريمة، بل وتخوض الانتخابات بوجوه مُتّهمة بانفجار 4 آب، لكن أهالي الضحايا يصرّون على ثباتهم: العدالة تأتي بالتغيير.

2:49

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني