fbpx

انفجار سوق الزاوية الأثري في غزة…
حتى لا تتكرر مأساة الرابع من آب

تسبب الانفجار بأضرار مباشرة وغير مباشرة في منطقة سوق الزاوية الأثري. بيد أن الأضرار غير المباشرة هي الأهم هنا كونها تتمثل في تصدعات يمكن أن تؤثر في أسطح أبنية السوق، وبالتالي قد تشكل خطراً على السكان والمباني...

بالكاد استطاع سكان مدينة غزة محو أصوات الانفجارات من ذاكرتهم وآذانهم بعد فترة من الهدوء الذي أعقب وقف إطلاق النار بين الفصائل الفلسطينية وإسرائيل في أيار/ مايو الماضي؛ حتى استيقظوا، صبيحة يوم الخميس 22 تموز/ يوليو الماضي، على وقع انفجار هائل هز أرجاء البلدة القديمة في غزة والمناطق المحيطة بها. قضى في الانفجار الذي وقع داخل مبنى سكني في سوق الزاوية الأثري، وأدى لانهياره، رجل مسن، وجُرح 14 شخصاً بينهم 6 أطفال. 

يقع سوق الزاوية في حي الدرج في البلدة القديمة لمدينة غزة، يرتاده الآلاف من أبناء غزة يومياً. لا يوجد تاريخ محدد لإنشائه، لكنه يمثل امتداداً لسوق قيسارية الأثري الذي بني في العصر المملوكي (1260-1517م). كما أن تلك، ليست المرة الأولى التي يتعرض فيها سوق الزاوية للتدمير، إذ كان جزءاً من “السوق الكبير” الذي دُمرت أجزاء واسعة منه جراء قصف الجيش البريطاني غزة، في نيسان/ أبريل 1915، خلال الحرب العالمية الأولى.  

حتى اللحظة، لم تصدر الجهات المختصة في قطاع غزة نتائج التحقيقات، التي قالت إنها فتحتها بالحادث. وبالاستناد إلى تحقيقات المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان الميدانية، فإن الانفجار نجم عن تخزين عبوات ناسفة كبيرة الحجم داخل المبنى. محيط المبنى الذي يقطن فيه العشرات، هو مكان مكتظ بالمنازل السكنية والمحال التجارية، وسط أكبر وأشهر سوق شعبي في قطاع غزة، وجاء في ثالث أيام عيد الأضحى المبارك، ولو “تأخر ساعة واحدة لتفاقمت أرقام القتلى والجرحى”.

هذه الحادثة ليست الأولى من نوعها في قطاع غزة، في مشهد يعيد إلى الأذهان انفجار مرفأ بيروت في الرابع من أغسطس/ آب من العام الماضي، وما تلاه من التباسات في ضياع حقوق الضحايا وغياب التحقيق الجاد ووصول المسؤولين المتسببين إلى موقع المساءلة. سبق حادثة سوق الزاوية، وقوع حوادث مماثلة خلال السنوات الماضية، أودت بحياة العشرات وتدمير ممتلكات ومنازل، كان أبرزها حادثة مخيم البريج وسط قطاع غزة، عام 2008، حيث وقع انفجار ضخم في منزل أحد كوادر فصيل عسكري، ما أسفر عن مقتله وزوجته وثلاثة من أطفاله.وقتل أيضاً ثلاثة مدنيين من الجيران، بينهم طفلان، وأصيب حوالى 60 مدنياً، بينهم 23 امرأة و20 طفلاً. 

ووقع انفجار ضخم مطلع هذا العام، في بيت حانون شمال قطاع غزة في 23 كانون الثاني/ يناير، داخل منزل أحد أعضاء الفصائل العسكرية، تقطنه عائلتان من 10 أفراد، بينهم 5 أطفال، و3 سيدات. وأسفر الانفجار عن إصابة 47 شخصاً من سكان المنزل والمنازل المجاورة، بينهم 19 طفلاً و15 امرأة. 

حقوق وحريات

طالب “المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان” ومنظمات حقوقية أخرى، الجهات المختصة في غزة باتخاذ تدابير أكثر صرامة في تخزين الأسلحة، وعدم استخدام الأعيان المدنيين في ذلك، وحظر تخزين المواد المتفجرة داخل المناطق المأهولة، إضافة إلى الكشف عن الأسباب والمسؤولين عن الانفجار، لتجنب تكرار مثل هذه المآسي. إلا أن تلك المطالبات أثارت حفيظة واستياء بعض الفصائل الفلسطينية المسلحة في غزة. والتي بدورها أصدرت بياناً مشتركاً عبّرت فيه عن “استيائها” من بيان المركز بشأن الانفجار، واعتبرته “مسوّغاً لاستهداف الاحتلال الإسرائيلي وممارسة عدوانه وتبريره، والتعرض للمقاومة”. 

المركز قال في بيانٍ له إن “التجاهل المستمر لهذه المطالبات يهدد بسقوط مزيد من الضحايا المدنيين، وينذر بمآسٍ أخرى، كما يعطي الاحتلال المزيد من الذرائع لاستهداف المدنيين وممتلكاتهم”.

في بيانه التضامني جراء حملة التشهير التي تعرض لها المركز بعيد الانفجار، قال “مجلس المنظمات الأهلية الفلسطينية” إن “فصائل المقاومة ليست مُحصنة من النقد”، مشيراً إلى “ضرورة اغتنام الفرصة لتصويب المسار ومعالجة الأخطاء”. كما أن “المقاومة لها ضوابط ومحددات قانونية مُلزمة، ومن الأولى التعامل مع النقد بصورة إيجابية وبناءة، لا بصورة التخوين أو الربط بأجندة الاحتلال وأجندات ممولين، فهذا أمر نرفضه جملةً وتفصيلاً”.

المتحدث باسم وزارة الداخلية في غزة، قال إنه لم يتم اعتقال أي أحد على خلفية الانفجار، مؤكداً تعامل وزارته بسرعة وجدية فور وقوع الانفجار في سوق الزاوية. هذا التصريح يحمل في مضمونه إشارة إلى أنه لم يتم توقيف من هم على علاقة بوقوع الانفجار. إلا أن “الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان”، طالبت بالإفراج الفوري عن شاب يبلغ من العمر 20 سنة، احتجزته المباحث العامة في مدينة خانيونس جنوب القطاع، وتم عرضه على المحكمة وتمديد توقيفه 15 يوماً بتهمة الإساءة للسياسة العامة والتحريض على المقاومة، وذلك على خلفية منشورات ذات علاقة بالشأن العام مثل انفجار سوق الزاوية، بحسب الهيئة. 

حتى اللحظة، لم تصدر الجهات المختصة في قطاع غزة نتائج التحقيقات، التي قالت إنها فتحتها بالحادث.

استهداف تراث المدينة؟

“لجنة الحفاظ على المباني التاريخية في مدينة غزة”، قالت إن المنطقة المجاورة للجامع العمري الكبير في البلدة القديمة للمدينة، حلّت بها أضراراً جمّة جرّاء الانفجار، وتحديداً بمحلات السوق الأثرية والمباني التاريخية المجاورة.

تحظر مادة رقم 22 من القانون رقم 11 لسنة 2018 بشأن التراث الثقافي المادي في الأراضي الفلسطينية، على أي شخص إزالة أو هدم أو تشويه أي من العناصر المكونة للنسيج المعماري في المناطق التاريخية أو المباني المنفردة أو المشهد الثقافي. 

الجامع العمري الكبير هو المسجد الأكبر والأقدم في قطاع غزة. كان موقع المسجد الحالي معبداً فلسطينياً قديماً، ثم حوَّله البيزنطيون إلى كنيسة في القرن الخامس، وبعد الفتح الإسلامي في القرن السابع حوَّله المسلمون إلى مسجد.

وعلى رغم أن سوق الزاوية يفتقد لقيمته الأثرية، نظراً لعدم وجود استقرار حكومي في غزة يعمل على تطوير التراث الثقافي الفلسطيني وتطويره  ومنع تدمير الآثار الثابتة فيها، ما شجع المُلاك من المواطنين على هدم بعض حوانيت السوق والمباني الأثرية فيه وبناء محال تجارية حديثة بالإسمنت والحديد، إلا أن أستاذ الآثار في جامعات غزة أيمن حسونة يقول إن السوق يقع في قلب مدينة غزة القديمة، وهي منطقة أثرية كاملة، تضم سوق قيسارية والمسجد العمري الكبير، وعشرات البيوت السكنية. 

تسبب الانفجار بأضرار مباشرة وغير مباشرة في منطقة سوق الزاوية الأثري. بيد أن الأضرار غير المباشرة هي الأهم هنا كونها تتمثل في تصدعات يمكن أن تؤثر في أسطح أبنية السوق، وبالتالي قد تشكل خطراً على السكان والمباني، بينما الأضرار المباشرة يمكن التعامل معها وترميمها، وفقاً لخطة تدخل عمراني مبنية على دراسة معمارية للمنطقة الأثرية برمتها، الأمر الذي يتطلب وقتاً طويلاً. 

 من ناحية أثرية، يوضح حسونة أن المهم ليس المباني الظاهرة فوق الأرض في السوق، إنما الطبقات الأثرية تحت الأرض في منطقة غزة القديمة. مع الالتفات إلى أن تلك المنطقة مبنية على طبقات عدة منها، لا بد من الحفاظ عليها، كما أن عدم إمكانية التنقيب فيها حالياً لقلة الإمكانات لا يعني أن الأجيال المقبلة لن تمتلك ما يمكنها من ذلك. 

وفق المادة 65 من القانون المُشار إليه، فإنه يُعاقب بالسجن مدة لا تقل عن سبع سنوات، ولا تزيد على عشر سنوات، وبغرامة لا تقل عن عشرين ألف دينار أردني، ولا تزيد على خمسين ألف دينار أردني، أو ما يعادلها من العملة المتداولة قانوناً، كل من قام بطمس، أو بتشويه أو تخريب أو تغيير أو تدمير أو التأثير في، أي عنصر من عناصر التراث الثابت أو مكوناته.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني
القانون يبقى تفصيلاً يمكن تجاوزه أمام حقائق “السلم الأهلي”. وقصة “السلم الأهلي” لطالما لجأ إليها “حزب الله” لتدبير إحكامه الإمساك برقابنا!
Play Video

7:16

Play Video

5:28

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني