“هنا جهنّم”…
أسبوع من المآسي في تيزي وزو الجزائرية

" كلما اقتربنا أكثر ارتفعت الحرارة أكثر وظهرت ألسنة اللهب. في البداية كان الأمر فظيعاً لكن كلما تذكرت أن هناك من كان في ذلك الوقت يحاول إطفاء تلك النيران تقول لنفسك أنك لا تقدم شيئاً مقارنة بهؤلاء".

” إنها نهاية العالم”، هي جملة كررها كثر في ولاية تيزي وزو الواقعة في الشمال الجزائري (100 كلم شرق الجزائر العاصمة) والتي اندلعت بقراها حرائق مهولة، تواصلت على مدى خمسة أيام بداية من يوم 9 آب/ أغسطس بعد منتصف النهار. وكأن ارتفاع عدد الإصابات بفايروس “كورونا” في الأسابيع الأخيرة ونقص الأوكسيجين في المستشفيات وما خلفه من وفيات، وارتفاع الحرارة، إضافة إلى نقص المياه في الجزائر هذا الصيف، لم تكن مآسي كافية حتى تنشب نيران لم تعرف مثلها الجزائر منذ سنوات. حرائق قال المسؤولون السياسيون إن أيادي إجرامية قامت بإشعالها وكانت امتدت إلى كل الولايات الساحلية الشرقية، من الطارف إلى عنابة و سكيكدة وجيجل وبجاية وكانت تيزي وزو أكثرها تضرراً.

” يا ربي خاوتي ماتوا”، ” يا ربي ارحمنا”، ” تيزي وزو تستغيث يا خاوتي”، ” انصرنا يا ربي”، هي الكلمات التي كان يرددها عسكري شاب مذعور والرماد يتطاير من ورائه، في بث مباشر عبر حسابه ولمدة ثلاث دقائق قبل أن ينقطع البث وينتشر الفيديو ويتداول عبر شبكات التواصل. ” الجحيم” هو ما عاشته قرى عين الحمام، الأربعاء ناث ﺇيراثن،، آيت يني، واضية ومعاتقة طيلة هذه الخمسة أيام التي أتت فيها ألسنة النيران على الغابات والحقول والأشجار المثمرة والسيارات والحيوانات ومساكن المواطنين. 

وحولت الكارثة “فايسبوك” إلى فضاء تملأه صرخات مواطنين مذعورين من هول الحرائق، ينشرون فيديوات مباشرة لألسنة نيران تأتي على الأخضر واليابس، ويتوسلون النجدة. ” أنقذونا النيران تحاصرنا من كل جهة” هذا ما يلخص ما كان المواطنون ينشرونه. منشورات، صور وفيديوات أناس محطمين، مذعورين وعاجزين ملأت شبكات التواصل الاجتماعي وبخاصة الفضاء الأزرق. وكتبت نادية تيدميمت (37 سنة)، الأستاذة وطالبة الدكتوراه، بعدما نجت من الحريق الذي مس قريتها بالأربعاء نايت ايراثن: ” لم أكن أعلم أنه في لحظة ما لن أستطيع سوى أن أحمل ابنتي الصغيرة من بين كل ما تمكنت من تحقيقه في هذه الحياة. أنا أكره نفسي الآن!”. 

مات العشرات حرقاً أو اختناقاً، من المدنيين الذين حاولوا مقاومة النيران وكذلك من العسكريين الذين ساعدوا في إخماد الحرائق إلى جانب رجال الإطفاء كما تم تسجيل عدد من المفقودين وجردت الكارثة عائلات كثيرة من كل ما تملك. 

واستعملت الدولة الجزائرية في عمليات الإطفاء كل ما لديها من وسائل قبل أن تستنجد بطائرات فرنسية وإسبانية. و هرع المواطنون القاطنون في القرى التي لم تصلها الحرائق من أجل تقديم المساعدة منذ الليلة الأولى، وسط هذا الجحيم الذي دفع كثيرين لمغادرة سكناتهم كاسرين الحجر الصحي المفروض بسبب وباء كورونا. و تحولت مدينة تيزي وزو التي تبعد كيلومترات من هذه القرى سريعاً إلى قاعدة خلفية لمواجهة الحرائق وتنظيم الدعم اللازم. مواجهة تسلحت فيها الساكنة بالتضامن الذي خفف الضرر الناجم عن نقص وسائل مواجهة الحرائق حيث لم يكف ما جندته الدولة من وسائل لإخمادها بسرعة. وإذ ذهب البعض للمساعدة في إطفاء النار، التقى آخرون من سكان المدينة مع من قدموا من القرى المتضررة باحثين عن شربة ماء في شارع كريم بلقاسم في الضاحية الأقرب لهذه القرى حيث فتح التجار محلاتهم من أجل التكفل بالمنكوبين. 

إقرأوا أيضاً:

الهبة التضامنية

وسرعان ما تحول ذلك الشارع إلى نقطة لجمع التبرعات التي تصل من ولاية تيزي وزو أو الولايات الأخرى ويسيرها متطوعون أتوا من مختلف ربوع الجزائر. كان هؤلاء يجمعون الماء والغذاء والدواء والأفرشة والملابس وعلى مدار الأيام الماضية لم نكن نسمع عن هذه النقطة تقريباً. وفي نقاط أخرى مماثلة تشكلت في شوارع المدينة كخلايا نحل لا تتوقف عن العمل، ” شارجي” و”ديشارجي” أي تحميل التبرعات التي كانت ترسل للقرى المتضررة على الشاحنات، وتفريغها يدوياً من طرف المتطوعين. 

قدم المتطوعون فرادى وفي مجموعات من مختلف ولايات الجزائر تماماً مثل الإعانات التي كانت تأتي من كل صوب وكلما وصلت عربة تحمل إعانة آتية من ولاية أخرى، إلا ويتم استقبالها بالتصفيقات ويجيب من هم عليها ” الله أكبر تيزي وزو”. وفتحت فنادق وقاعات حفلات أبوابها لاستقبال العائلات التي هربت إلى المدينة من هول النيران، كما تطوع أصحاب الكثير من المطاعم لتحضير الوجبات. 

و قامت عيادات خاصة بفتح أبوابها لمعالجة المصابين مجاناً وقدّم الكثير من المواطنين مركباتهم لنقل المنكوبين والتبرعات من دون مقابل، واستقبل آخرون في بيوتهم عائلات فقدت سقفها. و هذا ما جعل ياسين حبيب، (36 سنة)، التقني الذي عاد منذ أيام من مستشفى ذراع الميزان حيث تطوع لتركيب مولد أوكسجين، والذي قام بمنح الشقة التي يسكن فيها لإحدى العائلات ويقيم هو عند صديقه، يقول لنا : “نحن مثل طائر العنقاء الذي ينبعث من رماده”. 

هكذا كان المشهد في مدينة تيزي وزو. حرارة لافحة أرغمت كثيرين ممن قدموا من بعيد على ركن سياراتهم وفتح أغطية محركاتها، رائحة الرماد في كل مكان، دخان يكاد يحجب الشمس في وضح النهار، صوت سيارات الإسعاف وشاحنات الإطفاء تتجه مسرعة هنا وهناك، محلات مغلقة، القليلون الذين كانوا في شوارع المدينة وجوههم قلقة لا يتحدثون سوى عن الحرائق وما خلفته من خراب. ما إن تلتقي شخصاً وعلى ظهره حقيبة يسألك، “وين راهم يعاونو؟”. 

رافقنا أعضاء جمعية ” أس أو أس للأطفال” الخيرية في تيزي وزو حيث قام أعضاؤها كريم، بلال، ليليا، ياسين، مريم ونسيمة مرفقين بمختصين بعلم النفس ومنشطين بزيارة أربعة مراكز إيواء للعائلات المتضررة في مدينة تيزي وزو وما جاورها للترفيه عنهم وتوزيع الهدايا عليهم. 

“صحيح أن كل شيء احترق لكن الجميع كان يساعد الجميع وهناك من لم ينم لأيام، كان ساهراً يواجه النيران”. 

في مسكن الفتيات الجامعي في واد عيسي التي سخرتها الدولة لإيواء عدد من العائلات المنكوبة، فاجأنا رد طفلة بالعربية على سؤالنا لها بالقبائلية و هي اللغة التي يتحدثها معظم المقيمين في تيزي وزو. وإذ كانت تتابع أغاني المنشطين بصمت، قالت كاتيا صايب، 13 سنة، أنها صامتة “لحفظ طاقتها”، من أجل تنظيم نشاطات أخرى رياضية للأطفال في الإقامة. وأضافت كاتيا التي عرفت عن نفسها بأنها “عربية قبائلية” ولدت في حي سوسطارة في الجزائر العاصمة وكبرت هناك ولم تعش في تيزي وزو سوى في الثلاث سنوات الأخيرة، معبرة عن أسفها على كلبها: “الأطفال الموجودون هنا حزينون خصوصاً بعد إخبارهم بأن بيوتهم احترقت. أيضاً أولئك الذين فقدوا قططهم أو كلابهم، أنا جربت هذا، لا أدري إن كان كلبي مات أم لا، لذلك سنحاول إعادة الفرحة لقلوبهم”. 

وانتظمت فرق أخرى للمساعدة خارج مدينة تيزي وزو مثل الفريق الميداني للمسعفين الذي تشكل في مدينة فريحة (31 كلم شرق مدينة تيزي وزو)، تلبية لنداءات الاستغاثة التي ملأت شبكات التواصل الاجتماعي. وفيما كان فيها الناس يهربون من قراهم تاركين بيوتهم، للنجاة بأرواحهم، كان هذا الفريق المكون من طبيبة ومسعفين يتجه نحو تلك القرى التي كانت تحترق تحت أمطار من الرماد وبين ألسنة اللهب لإسعاف المصابين. 

في شهادة لسارة كبور (26 سنة)، طالبة طب في سنتها الأخيرة، و هي عضوة في هذا الفريق، قالت لنا: ” كلما اقتربنا أكثر ارتفعت الحرارة أكثر وظهرت ألسنة اللهب. في البداية كان الأمر فظيعاً لكن كلما تذكرت أن هناك من كان في ذلك الوقت يحاول إطفاء تلك النيران تقول لنفسك أنك لا تقدم شيئاً مقارنة بهؤلاء”. وتدخل الفريق منذ اليوم الثاني للحرائق في قرى آيت مصباح، بني دوالة، ثاقمونت عزوز، ثاوريرث مقران. أما الحريق الذي مس قرية إيخليجن والذي خلف الكثير من الضحايا فتقول سارة عنه: ” لم نتمكن من الدخول إلى القرية لأنها ببساطة احترقت كلياً”.

وعن هذه التجربة الإنسانية التي دامت خمسة أيام وكانت سارة تخرج خلالها من البيت صباحاً ولا تعود إلا بعد منتصف الليل والتي يبدو أنها لن تنساها، تقول: “رأيت أشخاصاً مثل الزومبي بعد أيام أمضوها في مواجهة النيران ومن دون أن يغمض لهم جفن كما رأيت عائلات ترفض مغادرة بيوتها. في إحدى القرى وبعد إجلاء سكانها بقينا وحدنا نحن مع من كانوا يطفئون النيران، من سكان القرية ومتطوعين ورجال إطفاء أتوا من كل مكان. كان المصابون يأتون إلينا في المدرسة التي احتمينا بها. كنا نعالجهم ومباشرة كانوا يعودون لمكافحة النيران، فكان يأتي إلينا أشخاص مصابون بحروق، وأشخاص لم ينزعوا أحذيتهم لثلاثة أيام وأشخاص عيونهم حمر من الدخان. وأنت تعالجهم تفكّر، عساك تقول لهم؟ هل تسألهم إن كانوا بخير؟ تعلم أنهم ليسوا كذلك! هل تسألهم عن النيران؟ تعلم أنها تتقدم ولم تتراجع!”. 

محزن وعظيم في الوقت ذاته كل ما حدث، تضيف سارة: “صحيح أن كل شيء احترق لكن الجميع كان يساعد الجميع وهناك من لم ينم لأيام، كان ساهراً يواجه النيران”. 

جريمة قتل جمال بن اسماعين 

بموازاة الحرائق وما خلفته من ضحايا ومفقودين ومصابين ومشردين، كادت مأساة تشغل ناراً أخرى أشد فتكاً، نار الفتنة بعد اغتيال أحد المتطوعين للمساعدة في الإطفاء في دائرة الأربعاء نايث إيراثن المنكوبة والتنكيل بجثته. فتنة سارع والده لإطفائها. وحافظ على برودة أعصابه في هذا المصاب وهو الذي قال أنه لا يُحمّل وزره لكامل المنطقة التي تبرأ سكانها من المجرمين.

جمال بن اسماعيل

كان الشاب المغدور واسمه جمال بن اسماعين (36 سنة)، فناناً وهو سليل مدينة مليانة العريقة التي تبعد 200 كلم من الأربعاء نايث إراثن وهي إحدى دوائر تيزي وزو الأكثر تضرراً من الحرائق، حيث تنقل من أجل المساعدة في إطفاء النيران. وقد اتهمه بعض سكانها بأنه كان يشعلها وهو بريء من ذلك، ما دفعه للجوء إلى دورية للشرطة قامت بنقله إلى مقرها. لكن الحشود العنيفة تعقبت سيارة الشرطة اقتحمت المقر وانتزعته منها وقامت بترويعه قبل قتله وسحل جثته وإحراقها في الساحة الرئيسية للمدينة على مرأى كل الجزائريين، فقد كان قتلته يبثون الصور والفيديوات عبر عدسات الهواتف النقالة مباشرة على مواقع التواصل الاجتماعي. 

انتشرت صور المغدور جمال كالنار في الهشيم و تلت ذلك شهادات لمن عرفوا هذا الفنان المحب للناس والمحب للحياة، تزامنت مع موجة من الغضب والاستنكار والتبرؤ من الجريمة. وعبر الجزائريون عن سخطهم   في شبكات التواصل الاجتماعي وخارجها. وفي تيزي وزو اجتمع البعض وأشعلوا شموعاً ليلة 14 آب ورفعوا لافتة كتبوا عليها ” كلنا مع الشهيد جمال بن اسماعيل حسبنا الله على الظالمين”. 

وفتحت مصالح الأمن تحقيقاً في الجريمة أسفر عن توقيف 61 شخصاً حتى الآن. وفي انتظار دفن الضحايا ومسح الدموع وهدوء الأنفس لفهم ما حدث وتحديد المسؤوليات، يحاول الجزائريون تضميد جراحهم.

*مجيد صراح صحافي مقيم بتيزي وزو و هو عضو في الفريق المؤسس لجريدة ” توالى” الإلكترونية الجزائرية.  

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
مارسيل نظمي
منذ اللحظة الأولى لدخول مكتبه، لم ينظر إلي، شعرت كما لو كنت شفافة تماماً أو قطعة ممتدة لزجاج مكتبه، كان كلامه كله موجهاً إلى خطيبي، ظللت أتابع أسئلته فقط وأحاول التحكم في عضلات فمي لئلا أضحك وأفسد أي شيء أثناء حوارهما الأكثر غرابة وربما طرافة أيضاً.
Play Video

3:14

Play Video

3:28

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني