تمنع قراءة هذا النص لغير المكتئبين…
الرجاء الالتزام

التركيز أصبح أصعب ما قد يُطلب مني، أنا بطيئة، مشتّتة، غير قادرة على استجماع أفكاري. سألني أحدهم قبل أيام، "ما إعراب إنما؟"، قلت له "مفعول به"، مع رزمة من الوجوه الضاحكة. كنتُ أعرب نفسي ربما، كنت أعرب جميع اللبنانيين، المفعول بهم كل هذا.

من أين يلتقط المرء رأسه؟ كيف يجبره على العمل؟ ماذا يفعل لمجابهة البطء والكسل والإنهاك؟ كيف يقنع قلبه بأن كل شيء سيكون على ما يراه وأن الحياة ستعود قريباً أو ذات مرّة؟

أقلّب تفسيرات الاكتئاب، أتجوّل بين يونغ وفرويد وأرسو على نيتشيه حين قال “حالة الكآبة التي تصيب المرء بعد ازدياد معرفته، هي أشبه بآلام الطلق في الحمل، هناك إبداع ما عليه أن يولد، فعليه ألا يسلم لليأس، ويعرف ماهية المولود الذي بداخله، ثم عليه أن يلده، عليه أن ينتج من معاناته أعمالاً إبداعية، وبهذا لا يسقط في اليأس، بل يسمو ويحقق وجوده”.

هذا الرجل عاش مكتئباً طيلة حياته تقريباً، ومعظم ما كتبه قاتم من شدة التشاؤم. أحبّ سالوميه من طرف واحد، فحقد على النساء. اكتأب طويلاً ثم أخبرنا أن الاكتئاب دعوة إلى الإبداع. ربما كان على الحق. لكن هل يستأهل الإبداع أن يعيش المرء مكتئباً؟

لديّ عمل جديد يا نيتشه بمنتهى الإبداع، يتمثّل في الصراع مع انقطاع الكهرباء. حين تأتي أهرع لشحن الهاتف واللابتوب. وحين ترحل، وهي ترحل كثيراً، أزوّد اللابتوب بالإنترنت من الهاتف حتى أتابع العمل. إنها وظيفتي الجديدة. وهي وظيفة لا أتقاضى لقاءها أي راتب. لكنني أغتبط حين يكفيني الشحن طيلة فترة العتمة حتى أنهي عملي سريعاً وأستسلم لهذا اللاشيء الذي يطوّقني.

أحاول أن أجعل الأمر رومانسياً، أكتب أن هذا الحرّ هو قصاص لكل حبّ هجرناه بلا وجه حق، ولكل رجل نسيت موعدي معه وخلدت للنوم وتركته ينتظر. ثم أفكّر. والعتمة؟ قصاص على ماذا؟ على الأضواء التي لم نشعلها في الآخرين حين كنا نملك شمساً. لكن هل أبحث عن ذنوبي في كل ما فعله النظام بي؟ هل هو اعتياد على الشعور بالذنب، لم يعد التخلّص منه ممكناً؟

في الخارج حفلتان، واحدة للحزن يقودها الرفاق في الجهة اليمنى بمناسبة عاشوراء، والأخرى للفرح يقودها الرفاق الآخرون لمناسبة عيد انتقال العذراء مريم، وأنا بينهما، أحاول العمل. لا أحتفي ولا أشعر حقاً بالحزن. “مو حزن لكن مكتئبة” يا مظفر النواب، سامحني عدّلت جملتك الشهيرة بما يناسبني (مو حزن لكن حزين). في كل حال لا أظنك في مكان يحتمل الحزن أو يفهمه على طريقتنا. لكن ما دمنا نتحدّث، كنت أريد أن أسألك، هل كنت جاداً حين قلتَ إن “الحزن جميلٌ جِداً والليلُ عَديمُ الطَّعمِ بِدونِ هُموم”؟

يا سيدي، بات حلمي أن أتذوّق هذا الطعم المعدوم لليل بدون هموم. هل جرّبته؟ هل جرّبت الحياة في العتمة؟ هل جرّبتها بلا وقود؟ هل جرّبتها بعد انفجار قتل 200 شخص؟ ثم بعد انفجار خزان وقود مصادر قتل 28 إنساناً؟

هناك رجل أحاول الاتصال به من اجل مقابلة صحافية، هو في سوريا الآن. بعد الحاحي المضجر، طلب مني أن أتّصل به بعد الثانية عشرة ليلاً “حتى يكون الانترنت منيح” قال لي. أكّدت له أنني سأفعل، لكنّ الكهرباء انقطعت عندي قبل موعدنا بدقيقتين ولم تأتِ إلا بعدما صرت في الحلم العاشر. لكنني حين صحوت شكرت الكهرباء المقطوعة لأنني لم أكن في حالة تسمح لي بالاستماع إلى رجل مكلوم، لا سيما بعد كأسين من الويسكي. اعتذرت من الرجل صباحاً ونسيت أن أحدد موعداً آخر، أو أنني تناسيت. كل ذلك مرتبط بمستوى الكآبة الذي وصلت إليه.

إقرأوا أيضاً:

أمضيت حياة كاملة كمخلوق صباحي morning person، لكنني الآن بتّ أكره اندلاع يوم جديد، إنه اندلاع كامل بكل نيرانه ونيتراته ومحروقاته المخزّنة، المعدّة للاحتكار من أرواحنا. أشعر بأنني مجبرة على فتح عينيّ، مجبرة على شرب القهوة ومتابعة العمل والتنسيق مع الزملاء. مجبرة على التبسّم وتسجيل المواعيد. مجبرة على اختيار ملابس وخلعها مساءً، ثم الانسلال في عُدّة النوم. حتى إنني مجبرة على النوم. يا نيتشيه أدركنا! أين الإبداع، انظر في عينيّ وأخبرني.

التركيز أصبح أصعب ما قد يُطلب مني، أنا بطيئة، مشتّتة، غير قادرة على استجماع أفكاري. سألني أحدهم قبل أيام، “ما إعراب إنما؟”، قلت له “مفعول به”، مع رزمة من الوجوه الضاحكة. كنتُ أعرب نفسي ربما، كنت أعرب جميع اللبنانيين، المفعول بهم كل هذا. ولا داعي لشرح ما المقصود بـ”كل هذا”. لقد أصبحت مآسينا على كل لسان.

“كأنّنا فى منتصف متاهة، حيث لا طريق العودة متاح، ولا الطريق إلى الأمام مفتوح”، تقول صديقتي الجديدة وشاعرتي الدائمة سوزان عليوان. أحبّ صداقتنا الجديدة، قليلون هم الشعراء الذين ظللت أحبهم بعدما أصبحنا أصدقاء. هذا ضوء صغير في هذه العتمة.

كنت أودّ حقاً أن أستفيض بترّهاتي لكن علينا الاستفادة مما تبقى من ساعات التغذية لشحن الهاتف واللابتوب. أيها المكتئبون سامحوني، سنتابع في حلقة أخرى.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
منى آدم
علاء حبيس في سجنه لا يرى من العالم سوى فردًا واحدًا من أسرته لمدة عشرين دقيقة كل شهر.
Play Video
هل النسوية فكرة متطرفة ولماذا تبدو ضبابية في المجال العام في منطقتنا العربية؟ هل النسويات متأثرات بالهجوم الشرس المستمر من المنظومة الدينية والسلطوية الرافضة للتحرر والمساواة الكاملة للمرأة؟

43:20

Play Video
نقاش ما بعد الانتخابات أعاد إحياء ملف الأزمة الاقتصادية والانهيار المالي. فمن سيتحمل كلفة سرقة ودائع اللبنانيين ومن سيحاسب من؟

6:29

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني