fbpx

عراقيون يشاهدون أفغانستان بقلق:
“ماذا عنّا؟”

بعد 20 عاماً من تعثر أربع إدارات أميركية زال النظام الذي شيدته الولايات المتحدة في أفغانستان، وفشلت معه جميع محاولات المستثمر الأميركي في تسويق النموذج الأفغاني على أنه دولة بنظام وجيش جديدين...

في ملتقى الكتاب وسط مدينة الموصل العراقية يجلس أبو يونس (46 سنة) ويتابع الصور المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي عن تطورات الأحداث في أفغانستان، إذ تعيد بعض المقاطع المصورة في المدن الأفغانية إلى أذهان كثر من العراقيين ما شهدته محافظة نينوى ومدن عراقية إبان اجتياح “داعش” عام 2014، وكيف تهاوت الفرق العسكرية- ومثلها المدن- مثل قطع الدومينو أمام عناصر التنظيم: “لا أخفي عليكم أن القلق بدأ ينتابني”، يقول أبو يونس، “وأخشى أن تعاد تلك الأيام”.

مثل أبو يونس يتابع كثر من العراقيين بحذر مآلات المشهد الأفغاني بعد الانسحاب الأميركي، متسائلين: هل سيشهد العراق مصيراً مشابهاً لما حدث في أفغانستان؟ وهل سيكون مصير بغداد مرهون بثنائية التشدد والسلاح؟

بعيداً من هوية الفاعل، يشبه مشهد سقوط النظام في أفغانستان 2021 إلى حد كبير العراق في 2014 حين شهدت الموصل انهياراً أمنياً مماثلاً، كلَّف البلاد أبناءها وتراثها ومبانيها وأموالها، وقع ذلك بعد 3 سنوات فقط من الانسحاب الأميركي من البلاد.

عادت واشنطن مرة أخرى إلى العراق بموجب طلبات استنجاد من حكومته برئاسة نوري المالكي آنذاك، لمواجهة “داعش” المسيطر على أكثر من 3 محافظات. تدخلت الولايات المتحدة من جديد في محاولة للحفاظ على تجربتها الديموقراطية المزعومة في المنطقة بعد أفغانستان. 

“هدف مهمّتنا في أفغانستان لم يكن يوماً بناء دولة” يقول الرئيس الأميركي جو بايدن عن الخروج من المستنقع الأفغاني، وينصت له أبو يونس الموصلي ومعه كثر من العراقيين سائلين: “وماذا عنا؟”.

العراق حائط الصد!

سيبقى العراق من أولويات الأمن القومي الأميركي، بحسب رئيس أكاديمية التطوير السياسي والحكم الرشيد عبدالرحمن الجبوري، والانسحاب من أفغانستان “سيزيد من أهميته؛ لأنه أصبح حائط الصد الأول ضد محاولة الصين وروسيا وإيران لإحياء خط الحرير”.

وعن إمكانية اسقاط التجربة الأفغانية على الحالة العراقية، يشير الجبوري لـــ«درج» إلى أن «النظام السياسي في العراق وتركيبة الدولة فيه تختلف عن أفغانستان. بغداد لديها مؤسسات وجيش وأمن أفضل وحكومة أقوى ولا تعتمد على واشنطن في إدارة شؤونها اليومية».

ويلفت أيضاً إلى أن «العراق محسوب على استراتيجية تأمين البحر الأحمر مع الأردن ومصر والسعودية، لذلك سيبقى ضمن اهتمامات الأمن القومي الأميركي من أجل تطويق الصين اقتصادياً، حيث تركز الولايات المتحدة على حماية البحر الأحمر وأفريقيا وجنوب شرق آسيا».

ويتزامن الانهيار الأفغاني مع خطة أميركية للانسحاب من العراق نهاية العام الحالي، في أعقاب إعلان إنهاء المهمة القتالية الأميركية بعد 18 عاماً على دخولها البلاد، على أن تُبقي قوات استشارية بأعداد محددة.

ومنذ ذلك الإعلان الذي جاء ضمن الحوار الاستراتيجي بين بغداد وواشنطن توقفت الهجمات التي تشنّها ميليشيات إيرانية ضد المصالح الأميركية في العراق، ويرى الخبراء أن الفراغ الذي ستتركه الولايات المتحدة ستملأه إيران في مشروعها التوسعي الإقليمي.

وينحسر وجود حوالى 2500 عسكري قتالي أميركي في العراق بثلاث قواعد كبيرة هي عين الأسد في الأنبار، والنصر في مطار بغداد الدولي، وقاعدة حرير في أربيل.

إقرأوا أيضاً:

قدرات عراقية… وخطر ضئيل!

يمتلك العراق 14 فرقة عسكرية و72 لواءً للحشد الشعبي، إضافة إلى أجهزة أمن مثل الشرطة وجهاز مكافحة الإرهاب والقوات الخاصة وأجهزة أخرى.

ومع وجود تلك القوة يقلل الخبير العسكري صبحي ناظم توفيق من تأثير الانسحاب الأميركي المحتمل من العراق، إذ «هناك فرق من الجيش والشرطة الاتحادية موزعة على شكل قيادات عمليات عسكرية منتشرة في عموم العراق، على رغم عدم كونها- في قناعتي- بالمستوى المطلوب، عدا تعدادها الهائل والمكلف”، كما يشير توفيق إلى أن هناك سيطرة أمنية شبه مركزية قد تمنع حدوث انهيار مشابه لما حدث في أفغانستان، “ولكن ما قد يحدث هو الاقتتال الداخلي بين الفصائل بسبب النفوذ والفساد والكراسي، سواء قبل الانتخابات المزمعة- إن أجريت- أو بعدها”.

ويوضح توفيق لـــ«درج» أن «قدرة العراق لا تزال ضعيفة في المجال الجوي الهجومي، وخصوصاً الاستطلاعي والاستخباراتي»، مشيراً إلى أن «هناك ظروفاً وتصرفات وظواهر فساد مالي سيئة واستغلال نفوذ أسوأ، مهّد لداعش سيطرته على بعض المدن العراقية الكبرى، وهذه الظروف ما زالت قائمة، وهو ما قد يجعل البلاد عرضة لمثل تلك الهجمات والتوغلات مجدداً».

وعن الحالة الأفغانية يذكر الخبير العسكري أن “المعارضين لحكومة أشرف غني كانوا يسيطرون على مساحة 77 في المئة من الأراضي الأفغانية، بحسب تقارير استخباراتية أميركية، أما في الحالة العراقية فلا توجد قوة معارضة تشكل تهديداً حقيقياً أو تسيطر على مساحات كما كانت الحال في أفغانستان».

يتابع كثر من العراقيين بحذر مآلات المشهد الأفغاني بعد الانسحاب الأميركي، متسائلين: هل سيشهد العراق مصيراً مشابهاً لما حدث في أفغانستان؟ وهل سيكون مصير بغداد مرهون بثنائية التشدد والسلاح؟

“ماذا عنا؟”

في أفغانستان انهار النظام ومعه الجيش الذي أسسته الولايات المتحدة إبان احتلالها البلاد عام 2001، إذ لم ينتج الفساد الذي ينخر الدولة الأفغانية سوى «جيش ورقي»، سرعان ما انهار وتهاوى مع أول انسحاب أميركي وتحرك لمسلحي “طالبان”.

وبعد 20 عاماً من تعثر أربع إدارات أميركية زال النظام الذي شيدته الولايات المتحدة في أفغانستان، وفشلت معه جميع محاولات المستثمر الأميركي في تسويق النموذج الأفغاني على أنه دولة بنظام وجيش جديدين، أما النموذج العراقي فبقاؤه أو زواله مرهون بحسابات إقليمية وأولويات أميركية تصارع الصين وروسياً بعيداً من الصراعات التقليدية في الشرق الأوسط.

«هدف مهمّتنا في أفغانستان لم يكن يوماً بناء دولة» يقول الرئيس الأميركي جو بايدن عن الخروج من المستنقع الأفغاني، وينصت له أبو يونس الموصلي ومعه كثر من العراقيين سائلين: «وماذا عنا؟».

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
بادية فحص – صحافية وكاتبة لبنانية
ربما من قبيل القسوة، القول إن الحدثين الدمويين الأخيرين لم يفاجئا أحدا، لا داخل أفغانستان ولا خارجها، وأولهم الشيعة الهزارة، ذلك أنهم لم يعرفوا مصيرا سوى القتل، منذ نشأة أفغانستان بحدودها الجغرافية الحالية.
Play Video

7:06

Play Video

2:08

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني