fbpx

مشهد مطار كابول: أميركا خائنة

الصورة من مطار كابول درس كبير لنا، لكنها صورة أميركا مثلما هي صورة الأفغان المرتعدين خوفاً والمستعدين للتعلق بجناح الطائرة. صورة أميركا التي تقول إن قيمها تسبق احتلالها، وإذ بها تبيع الأفغان لطالبان.

 سيبقى المشهد المذهل لهروب آلاف الأفغان إلى مطار كابول وتأبطهم بالطائرة  الأميركية الأخيرة المغادرة بعد تسليم المدينة لـ”طالبان”، في ذاكرتنا لسنوات طويلة. إنها ساعة التخلي وقد حانت، وقال الرئيس الأميركي جو بايدن إنه يتحمل تبعات القرار بمفرده! جاء الأميركيون قبل 20 عاماً، أطاحوا بطالبان واحتلوا أفغانستان، وأسسوا جمهورية على مقاس احتلالهم، وها هم اليوم يغادرون وهم يدركون أن كل شيء سيعود إلى سابق عهده، وأن عشرين عاماً من الاحتلال يمكن تجاوزها من دون أن يرتب ذلك عليهم مسؤوليات حيال القاعدة الاجتماعية والسكانية التي أقاموا احتلالهم بين ظهرانيها.

لا بأس، فالرئيس يتحمل مسؤولية الخطوة! لكن ماذا ترتب هذه المسؤولية عليه. الصورة من مطار كابول درس كبير لنا، لكنها صورة أميركا مثلما هي صورة الأفغان المرتعدين خوفاً والمستعدين للتعلق بجناح الطائرة. صورة أميركا التي تقول إن قيمها تسبق احتلالها، وإذ بها تبيع الأفغان لطالبان. الانسحاب ليس تتويجاً لهزيمة اعترف الرئيس بأنها أُلحقت بقواته، على نحو ما حصل في فيتنام مثلاً، الانسحاب هنا هو نوع من الخيانة التي ترتكبها أميركا كلها، وهي ليست خيانة للطبقة السياسية التي أنشأتها، ذاك أن الأخيرة غادرت كابول حاملة الثروات التي راكمتها خلال السنوات العشرين التي حكمت خلالها، وبعضها بقي بعدما أجرى تسويات مع الحركة، بل هي خيانة لكل من صدق أميركا وباشر حياة تشبه ما بشرت واشنطن الأفغان به. 

هل تدرك يا سيد جو بايدن معنى أن تعيد امرأة ارتداء البرقع بعدما صدقتكم وخلعته على مدى عقدين؟

مئات الآلاف من أهل كابول تعرضوا للخيانة، وأقلعت الطائرة بعدما خلفتهم وراءها. مفاوضات الدوحة لم تشمل البحث في مستقبل هؤلاء الأيتام والفقراء ممن راحوا يركضون نحو المطار في ذلك اليوم الرهيب. فالضغينة التي تكنها الحركة لخصومها سبق أن اختبرت في كابول تحديداً، ولكن في عموم أفغانستان. هل تدرك يا سيد جو بايدن معنى أن تعيد امرأة ارتداء البرقع بعدما صدقتكم وخلعته على مدى عقدين؟ هل فكرت بمستقبل جماعة الهزارة (الشيعة) أم أنك تركتهم للمفاوضات بين نظامي الملالي في طهران وكابول؟ وماذا عن آلاف الأفغان من الذين انخرطوا في أسلاك الدولة الفاسدة التي أنشأتها أميركا في ذلك الثغر الجغرافي الذي اسمه أفغانستان؟ أن تقول أنك تتحمل مسؤولية القرار يعني أن تجيب عن هذه الأسئلة، فأميركا تطرح نفسها بوصفها مركز العالم، وأن تنكفئ عن هذه المهمة في لحظة تخل كالتي شهدتها كابول، فهذا يرتب عليها تسليم مفاتيح العالم لمن يصلح للمهمة. أما أن يبقى بايدن رئيساً للعالم، وأن يخذل فقراء لا يتجاوز عددهم مئات الآلاف ممن صدقوا أن أميركا أقوى من طالبان، فهذا يجعل منه رئيساً وغداً على نحو ما أن رؤساءنا أوغاد.

من الواضح أن ترتيبات حصلت قبل الاحتلال السهل الذي أقدمت عليه طالبان للعاصمة الأفغانية. الترتيبات شملت ضمانات للأميركيين بعدم استضافة “القاعدة” مرة أخرى، وتعهدات لطهران بألا تكون كابول قاعدة عداوة للجمهورية الإسلامية، وربما شملت الترتيبات تسويات مع القوميات غير البشتونية، من الأوزبك والطاجيك، لكن الأكيد أن أحداً لم يفكر بهؤلاء الهاربين إلى مطار كابول، وأحداً لم يفكر بنصف الأفغان من النساء، ولم تكن مناهج التعليم مثلاً جزءاً من المفاوضات التي رعتها قطر لعودة “حركة طالبان”. من مناهج التعليم هذه ولد إرهابيو 11 أيلول/ سبتمبر يا سيد بايدن، وأنت إذ أنقذت عدداً قليلاً من جنودك عندما قررت الانسحاب، فإنك عرضت مئات الآلاف من الأفغان لمصائر رهيبة عليك أن تتأمل فيها عندما شاهدت صور الهاربين إلى المطار والمتحلقين حول الطائرة المغادرة. 

بماذا شعر سيد البيت الأبيض عندما عرضت له المشاهد من مطار كابول؟ لقد خذلتهم يا فخامة الرئيس. لقد خذلتهم أميركا!  

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
بادية فحص – صحافية وكاتبة لبنانية
ربما من قبيل القسوة، القول إن الحدثين الدمويين الأخيرين لم يفاجئا أحدا، لا داخل أفغانستان ولا خارجها، وأولهم الشيعة الهزارة، ذلك أنهم لم يعرفوا مصيرا سوى القتل، منذ نشأة أفغانستان بحدودها الجغرافية الحالية.
Play Video

7:06

Play Video

2:08

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني