الحب في زمن الانهيار

كيف نحبّ بينما يأكلنا الغضب؟ كيف نحبّ وطاقتنا مستنفدة، مفقودة بين أزمات تتوالى وتكاد لا تنتهي؟ كيف نستوعب الشريك فيما صراعاتنا الداخلية تحاصرنا؟

هرباً من الحرّ، خرجتُ من منزلي وتوجّهت إلى مار مخايل. مذ بدأ التقنين القاسي في الكهرباء، ألجأ إلى مقاهي بيروت، لأستفيد من بعض الهواء البارد، وأخصص لذلك ميزانية أسبوعية. ما العمل؟ الجوّ لا يطاق، والوحدة مقيتة.

ضحكتُ في سرّي، أتُراني هربتُ إلى جوّ أكثر بؤساً؟ فصديقاتي لا يتركن فرصةً إلا ويناقشن فيها الأزمات على اختلافها وامتدادها. يستعدن الأسطوانة نفسها في كلّ مرّة. كسبيل للتغيير، اقترحتُ أن نتنحّى قليلاً عن الأزمات الحياتية ونناقش الأزمات العاطفية. وليتني لم أفتح “صنبور” العواطف. 

الوقوع في الحبّ هنا ضربٌ من الجنون. أصبحت قصص حبّنا معقّدة. فهذه صديقة ألغت زفافها بسبب ارتفاع سعر الصرف وأزمة الإسكان. والأخرى لا ترى حبيبها الذي يعيش في الجنوب بسبب شحّ المازوت، وكما تعلمون أو كما يقول المثل الشعبي اللّبناني: “البعيد عن العين بعيد عن القلب”… صديقتي الثالثة تنتظر تأشيرة السفر بفارغ الصبر كي تلحق بحبيبها إلى بلاد الاغتراب. والأخيرة مضربة عن الحبّ، “ما في وقت” تقول، فهي تعمل في أكثر من وظيفة كي تعيل نفسها وعائلتها. 

يصارع الحبّ هنا كي يبقى على قيد الحياة…

كيف نحبّ بينما يأكلنا الغضب؟ كيف نحبّ وطاقتنا مستنفدة، مفقودة بين أزمات تتوالى وتكاد لا تنتهي؟ كيف نستوعب الشريك فيما صراعاتنا الداخلية تحاصرنا؟ كيف ندرك مكنونات روح الشريك بينما لا ندرك حتّى من نحن وأين نحن؟ كيف نشعر بجسد الحبيب ونحن غرباء عن أجسادنا؟ 

لم يعد الورد يعنينا، ولا السلام ولا الكلام، ولا العناقات الرائعة التي كانت تبقينا على قيد الحياة. ما عادت عيوننا تلمع. مفروضة علينا الرومانسية، “نسولف” على ضوء الشموع مكرهين. 

نضع الحبّ جانباً، إذ لدينا من الخوف على عائلاتنا ما يكفي. 

ونردد:

لا أريد أن أخسر حبيبي في إشكال على محطات الوقود. 

لا أريد أن أخسر حبيبي بسبب انقطاع الدواء. 

لا أريد أن أخسر حبيبي بسبب تفلّت السلاح. 

لا أريده أن يموت في انفجار مهول، فيما يختبئ القتلة خلف الحصانات. 

الآن، يلفظ الحبّ أنفاسه الأخيرة. لا مكان لطهارته في هذه البقعة البائسة من الأرض…

نعيش على هوس الفقدان، فكيف إذا عرفنا الحب؟يستفحل حينئذ الهوس، لنجد أنفسنا في حرب ضروس مع وطن سام، يدفعنا دائماً إلى تركه. 

ربّما مكتوب علينا أن نعيش كفلورنتينو وفيرمينا، أبطال رواية “الحبّ في زمن الكوليرا” للكاتب غابرييل غارسيا ماركيز، فتموت قصص حبّنا في العشرين، لتحيا في السبعين. هذا إذا قدّر لنا أن نشهد على نهاية الأزمة. 

لكن، الآن، يلفظ الحبّ أنفاسه الأخيرة. لا مكان لطهارته في هذه البقعة البائسة من الأرض…

في كلّ حال، “يا حبيبي شو نفع البكي… ما زالها قصص كبيرة”، أغنّي مع فيروز، ثم أستدرك متصرّفة بكلام الأغنية: “أكبر منّي ومنك”، فلنضع يا حبيبي كل شي جانباً وعانقني بشدة ما دمت تستطيع.  

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
هديل الروابدة- صحافية أردنية
هذا المشهد، يحتاج إلى جلوس مكونات” الدولة الرسمية والسيادية، على طاولة حوار وطني، لتحديد العلاقة بينها، وبلورة هوية الإصلاح المنشودة، اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً، قبل الذهاب إلى تعديلات الدستور وقانوني الانتخاب والأحزاب”.
Play Video

0:46

Play Video

2:09

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني