عكار أو “خزان التهريب” الذي انفجر في وجوهنا…
ماذا حصل يوم الأحد؟

لطالما كانت عكار منسية وليست المجزرة الأخيرة سوى مشهد من مشاهد النسيان الكثيرة، ونتيجة حتمية للإهمال والمراوغة والوعود التي لا يفي بها أحد. عكار الجريحة اليوم ضحية هذا التعاون المصلحي بين سياسيين ورجال أعمال، على حساب الفقراء والمنهكين.

بالموت وحده تتصدر عكار نشرات الأخبار، هذه اللعنة التي ترافق هذه المنطقة التي دائماً ما يشار إليها بأنها “خزان الجيش”، تحولت في الأشهر الماضية ومع تفاقم أزمة المحروقات إلى “خزان موقت للتهريب”، تديره شبكة من التجار والمحتكرين المحميين من نواب وفعاليات ومن يسمون أنفسهم رجال أعمال بتغطية واضحة من القوى الأمنية والعسكرية، بحسب ما يروي سكان المنطقة.

الحدث هذه المرّة كان في قرية التليل، قرية صغيرة على الطريق العام الذي يربط حلبا بالقبيات، في قطعة أرض يملكها أحد سكان القرية المعروف بجورج الرشيد، يستعملها لتخزين البحص والرمل والباطون ومستلزمات البناء إلى جانب تشييده معملاً لتصنيع خفّان البناء. قطعة الأرض هذه متاخمة للطريق العام وتمكن رؤية تلال البحص والرمل التي تفرغ على جانب الطريق، والشاحنات والجرافات التي تُركَن في قطعة الأرض تلك. برز اسم جورج الرشيد خلال أزمة انقطاع الاسمنت في الأشهر السابقة، إذ كان يدير من قطعة الارض التي حصلت فيها المجزرة، مركزاً لتوزيع الإسمنت المعتمد من قبل إحدى الشركات. وخلال تلك الفترة برز اسمه كأحد مهربي الإسمنت إلى سوريا  مستفيداً من شبكة علاقاته. هذا الأمر أكده الكثير من متعهدي البناء والمهندسين الذين كانوا يتواصلون مع الشركة للسؤال عن الكميات التي طلبوها ليكون الجواب دائماً أن الرشيد استلم الكميات، وعمد إلى تقطيرها على العكاريين وتهريب ما استطاع منها إلى سوريا.

نهار السبت الذي سبق الكارثة، توجهت مجموعة تطلق على نفسها اسم “ثوّار عكار” الى التليل وفي بث مباشر على “فايسبوك”، تم الكشف عن كمية كبيرة من المحروقات المخزنة داخل خزانات حديدية في قطعة الأرض تلك، وتم الحديث عن اكتشاف نحو 60 ألف ليتر من مادة البنزين، وذلك بحضور الجيش اللبناني. اتفق الثوّار مع الجيش على توزيع الكميات على مناطق عكار الثلاث: الجرد، السهل والدريب، وكان لافتاً أن الخزانات موجودة على وجه الارض أي أنها غير مخفيّة وظاهرة للعيان وخلال البث المباشر توجه أحد الثوّار إلى الخزانات قائلاً، “انظروا الى طريقة التخزين إنها أخطر من الأمونيوم” وفعلاً هذا ما كان.

هيثم طالب أحد الذين ظهروا في الفيديو يقول إنه والشبان كانوا في طريقهم لمعاينة مستودع آخر وعند توقفهم على طريق التليل لانتظار دورية الجيش والمخابرات أتى أحد الأشخاص وأخبرهم بأن هناك مستودعاً للبنزين في الأرض إلى جانبهم فدخلوا برفقة الجيش اللبناني الذي أحضر صهريجاً لسحب الكميات منه. عند نحو الحادية عشرة سمح الجيش لمجموعة من الشباب بسحب كميّات من البنزين المخزن، وما لبث أن حضر عدد كبير من الأشخاص بسبب سرعة تناقل الخبر. بحسب هيثم فإن الكمية التي كانت متبقية لا تتجاوز الخمسة آلاف ليتر، وحضرت مئات السيارات والدراجات النارية من المناطق المحيطة، طمعاً بالقليل من البنزين الذي حرموا منه طوال الشهر الفائت، بسبب تمنع شركات المحروقات عن إرسال الصهاريج الى عكار، تحت حجج أمنية وعدم رغبتهم بتعريض آلياتهم للخطر، طالما أن المؤسسة العسكرية لم تتولَّ حماية هذه الصهاريج. يضيف هيثم أن مجموعة الثوار غادرت المنطقة عند الحادية عشرة والنصف تقريباً، ليتم الاتصال به عند الثانية فجراً لإخباره عن وقوع الانفجار.

تتضارب الروايات حول ما حدث وجميع من تكلمنا معهم أكدوا وجود ابن صاحب الأرض أو ابن شقيقه بمرافقة شابين أحدهما سوريّ، وأن الشاب السوري تقدم إلى المجموعة التي كانت على الخزان وفي داخله، وحصل تلاسن، إذ طلب منهم الرحيل وحاول مرتين إشعال قداحة ورميها في الخزان، ولكن الشباب منعوه. يقول شاب آخر إنه وبسبب الأصوات العالية وزحمة الناس لم يستطع سماع صوت الرصاص وعند اشتعال النار في الخزان استطاع الهرب مع بعض أصدقائه فلم يصابوا بأذى، ولكن آخرين يؤكدون سماعهم صوت رصاصتين. يقول الشاب إنه بعد دقائق من الانفجار حاولوا الاقتراب وكان المنظر مخيفاً: جثث متفحمة، أصوات الصراخ والأنين كانت تصم الآذان، ناس يركضون وآثار الحريق ظاهرة على وجوههم وأجسادهم. حاولوا قدر المستطاع اسعاف بعض الأشخاص ومحاولة اطفاء البعض الآخر، إلى أن وصل الصليب الأحمر والدفاع المدني. يؤكد أحمد كنجو، الذي كان ينتظر دوره للحصول على بنزين، على الطريق العام إن هناك أشخاصاً كانوا داخل الخزان وذلك لتعذر سحب الكميات الّا عبر الدخول اليه فتطوعت مجموعة من الشباب بدأوا تعبئة البنزين “بالسطول والاسفنج”. أحمد يقول إن معجزة ما حصلت لأن معظم الذين أتوا غادروا بعدما رأوا الهرج والمرج الحاصل في المنطقة وخافوا من أن يتطوّر الأمر إلى أشكال.

إقرأوا أيضاً:

رواية “البورة”

ظلت رواية الإشكال واطلاق النار سائدة حتى ساعات الصباح الاولى، حتى ظهور رواية تفيد بأن أحد الأشخاص في المكان هدد مرات عدة بإحراق الخزان  في محاولة لنفي التهمة عن جورج الرشيد وأقاربه. وهي محاولة لتحييد جورج الرشيد عن الحادثة والقول إنه لا يعلم ما يخزن في أرضه تتابعت خلال النهار. الرواية الأولى تقول إن جورج الرشيد يتشارك قطعة الأرض مع علي فرج من وادي خالد، وتم تناقل مقطع صوتي يزعم أنه حديث دار بين والد علي وجورج الرشيد، حيث يلوم الأخير علي على تخزين البنزين في أرضه. ولكن بعد الظهر صدر بيان عن عائلة آل فرج يؤكد أن علي الفرج مسجون منذ ثلاثة أشهر، وسألوا، الذي يدفع جورج الرشيد إلى تخزين البنزين ما لم يكن مستفيداً؟ 

الرشيد ظهر في فيديو يقدم فيه رواية ركيكة عن اسباب تخزين البنزين في أرضه، محملاً المسؤولية لعلي فرج وحده، مؤكداً انه لم يكن يعلم بوجود البنزين في الخزانات التي وضعها فرج في أرضه، وانه تواصل مع والد فرج وطلب اليه الحضور لازالة البنزين من الخزانات.

هذه الرواية الهشة التي تم تناقلها لم تقنع أحداً لأسباب عدة، أولها أن كمية البنزين موجودة  داخل “البورة” التي يستعملها جورج الرشيد يومياً في إطار عمله من معمل الخفان الى مواد البناء، يستحيل تخزينها من دون معرفته. ثانياً، الرجل معروف بامتهانه التهريب وقد دأب على تهريب مادة الباطون التي كان يستلمها من الشركات بأسعار مدعومة الى سوريا وذلك من طريق وادي خالد.

مع تقدم ساعات النهار بدأ الناس يتوافدون إلى مكان الانفجار وكان الغضب سيد الموقف، إذ حاولت مجموعة من الشباب اختراق الطوق الأمني حول فيلا جورج الرشيد في محاولة لإحراقها، حاول الجيش أن يتصدى لهم، لكن الشبان أضرموا النار بقطعة أرض محاذية لبيت جورج الرشيد. عامر عطيّة، أتى من المنية للوقوف إلى جانب عكار وأهلها، أكد حالة الغليان التي كانت سائدة بخاصة عند ورود اخبار عن أعداد الضحايا، يقول انه وبعد احتكاكات مع الجيش استطاعت مجموعة غاضبة من الدخول الى باحة المنزل وإضرام النار بصهريج مازوت كان متوقفاً أمام المنزل وأُضرمت النار في الطبقة السفلية من المنزل.

 في اتصال مع رئيس بلدية التليل الأستاذ جوزيف منصور الذي كان موجوداً لحظة وقوع الانفجار، أكد عدم سماع إطلاق رصاص، نافياً الأخبار التي تتناقلها وسائل التواصل الاجتماعي وأصرّ على عدم الدخول في التفاصيل، تاركاً للتحقيق تحديد المسؤوليات. وإذ شكا من ضعف إمكانات البلدية في هذه الظروف، اعتبر أن الكارثة أصابت الجميع “لأننا أبناء منطقة واحدة في السراء والضراء، والاهم الآ الوقوف إلى جانب أهالي الضحايا ومنع استثمار ما حدث في زواريب طائفية يرفضها أبناء المنطقة، ولذلك يتم التواصل مع الفعاليات من دار الإفتاء والكنيسة، رؤساء بلديات ومخاتير ورجال دين  للعمل على تخفيف الاحتقان وضمان بقاء المنطقة منطقة عيش مشترك يحتذى به”.

 كيف يمكن تخزين هذه الكميّة في أرض محاذية للطريق العام من دون علم القوى الأمنية، على رغم توقف سيارة للجمارك على بعد أمتار قليلة من مكان التخزين؟

أسعد ووليد

أسعد درغام نائب “التيار الوطني الحرّ” سارع منذ ساعات الفجر الاولى  إلى الظهور على الشاشات لنفي أي علاقة له بجورج الرشيد خصوصاً مع انتشار أخبار تحدثت عن شراكة تجمع الشخصين. اسعد درغام ابن بلدة هيتلا المحاذية لبلدة التليل وضع نفسه بتصرف التحقيق رافعاً الحصانة عن نفسه متهما جورج الرشيد بعلاقته المتينة مع “تيار المستقبل” وأن شريك جورج الرشيد علي الفرج هو مفتاح انتخابي للنائبين وليد البعريني ومحمد سليمان. تتضارب المعلومات حول العلاقة بين الرجلين فالبعض يؤكد أن جورج الرشيد مؤيد لـ”التيار الوطني الحرّ”، وقد شوهد مرات عدة برفقة درغام وأنه كان قد وضع صورة كبيرة لميشال عون على منزله في حين  يقول البعض ان للرشيد علاقة مع جميع السياسيين في المنطقة وكانت له حظوة كبيرة عند السوريين قبل انسحابهم من لبنان، وكان معروفاً بالحفلات التي يقيمها على شرف بعض الضباط السوريين في مقاهٍ على النهر الكبير في  قرية الدبابية. وتحدثت مصادر عن علاقته المتينة بوليد البعريني والتي تعود إلى فترة ما قبل نيابة الاخير وعن شراكته مع طارق المرعبي أو والده طلال في مجبل للباطون ضمن منطقة عكار. أحد أبناء التليل قال إن “الرجل يعرف مصلحته جيداً وأنه يدين بالولاء للدولار فقط، وحيث تكون مصلحته يكون”. ولكن اللافت أيضاً أن اسم النائب اسعد درغام تم تداوله بشكل واسع منذ أشهر عندما قامت القوى الامنية بمداهمة احد المخازن في قرية عيدمون ومصادرة كمية كبيرة من المحروقات لشخص من آل عباس، تربطه علاقة وثيقة بدرغام، إذ كان رفع صورة كبيرة له على حائط مخزنه المداهم. وقتها أيضاً سارع درغام إلى نفي ايّ علاقة له بالتهريب.

بالعودة إلى شراكة جورج الرشيد مع علي الفرج ابن بلدة وادي خالد وتحديداً منطقة خط البترول، تبقى هذه العلاقة مبهمة وغير مفهومة ويقول بعض العارفين إن لا علاقة شراكة موثقة أو قانونية بين الاثنين بل مجرد علاقة عمل وخدمات متبادلة. علي الفرج المسجون منذ نحو ثلاثة أشهر بتهمة ” تزوير مستندات جمركية” و”إنشاء شركات وهمية”، أكد أحد أبناء المنطقة الذي رفض ذكر اسمه أنه كان حصل على دفتر جمركي مختوم “على بياض” ليسهل عمليات التزوير الجمركي، وبالتالي عمليات التهريب التي هي مجال عمله من تهريب المحروقات الى البضائع وصولاً إلى تهريب الأفراد. أشخاص من وادي خالد التقينا بهم، أدانوا الحملة التي تتعرض لها المنطقة ووصفوها بمنطقة تهريب، مؤكدين أن نسبة قليلة فقط من التهريب تتم عبر المعابر في المنطقة وبخاصة مع الإجراءات المشددة التي يتخذها الجيش على نقطة “حاجز شدرا”، إضافة إلى نقمة النظام السوري على وادي خالد وأهلها، بسبب وقوفهم مع ثورة الشعب السوري حيث يتم تأديبهم عبر إقفال المعابر والسماح لعدد قليل من المهربين المحظيين وأصحاب العلاقات مع الضباط السوريين بالتهريب.

انفجار خزّان التليل فجّر موجة غضب كبيرة على مواقع التواصل الاجتماعي وتبادل التهم بين مناصري الأحزاب ومؤيدي نواب المنطقة الذين سارعوا إلى التبرؤ من تهمة التهريب. النائب وليد البعريني نال الحصة الأكبر من الاتهامات وتحدث البعض عن تاريخه في تهريب الدخان والكحول من سوريا وإليها، وأكدوا أن خط التهريب المستحدث الذي يقطع قرى جرد القيطع (حرار، مشمش وفنيدق) عبر سهل مرجحين ومن هناك عبر طرق ترابية إلى منطقة القصر ومعبر النبي برّي تحديداً يتم تحت رعايته وإشرافه وسط صمت أبناء المنطقة، وذلك إمّا لاعتبارات عائلية أو خوفاً من المشكلات وردود الفعل، بخاصة أن البعريني معروف بموكبه المهيب المؤلف من عدد كبير من السيارات رباعية الدفع المدججة بالمسلحين والسلاح.

بالعودة إلى الانفجار علامات استفهام عدة تطرح:

 كيف يمكن تخزين هذه الكميّة في أرض محاذية للطريق العام من دون علم القوى الأمنية، على رغم توقف سيارة للجمارك على بعد أمتار قليلة من مكان التخزين؟

كيف لقيادة الجيش أن تتخذ قراراً بتوزيع المواد المصادرة بالطريقة التي تمت بها من دون الأخذ في الاعتبار أبسط شروط السلامة العامة؟

لطالما كانت عكار منسية وليست المجزرة الأخيرة سوى مشهد من مشاهد النسيان الكثيرة، ونتيجة حتمية للإهمال والمراوغة والوعود التي لا يفي بها أحد. عكار الجريحة اليوم ضحية هذا التعاون المصلحي بين سياسيين ورجال أعمال، على حساب الفقراء والمنهكين.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
مارسيل نظمي
منذ اللحظة الأولى لدخول مكتبه، لم ينظر إلي، شعرت كما لو كنت شفافة تماماً أو قطعة ممتدة لزجاج مكتبه، كان كلامه كله موجهاً إلى خطيبي، ظللت أتابع أسئلته فقط وأحاول التحكم في عضلات فمي لئلا أضحك وأفسد أي شيء أثناء حوارهما الأكثر غرابة وربما طرافة أيضاً.
Play Video

3:14

Play Video

3:28

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني