fbpx

العالم في ظل “طالبان”… 20 عاماً إلى الوراء

أكملت طالبان العشرون عاماً من الغياب في الأرياف والجبال الأفغانية، وعادت كما غادرت، وان بقدر أكبر من البراغماتية التي لن يطول أمدها.

 وضعتنا الوقائع اللبنانية الرهيبة خارج العالم. فها نحن نشيح انتباهنا عن واقعة بحجم عودة “حركة طالبان” إلى خريطة جنوب آسيا، بعد عشرين عاماً على واقعة 11 أيلول/ سبتمبر. ونحن على أبواب الذكرى العشرين لتلك المأساة. بعد عشرين عاماً قررت الولايات المتحدة الأميركية الانسحاب من أفغانستان، من دون أن تخلف السنوات العشرين أثراً يذكر على ذلك البلد، والدليل أن تدفق الحركة الديوبندية التي ولدت في المدارس الدينية في باكستان، على المدن والولايات الأفغانية لم يتطلب أكثر من أسبوع واحد!

نحن فعلاً أمام حدث بحجم العالم، وستكون له ارتدادات لن تستثنينا في بلادنا الصغيرة والبعيدة عن مسرح العودة الدراماتيكية لتلك الحركة الباشتونية. ذاك أن البلد الثاني الذي قصده جورج دبليو بوش بعد إسقاطه سلطة الحركة في كابول عام 2001، كان العراق عام 2003، والعراق ليس بعيداً منا، وهو بدوره يشهد تحفزاً أميركياً للمغادرة، ومن غير الواضح حتى الآن ماذا سيخلف الانسحاب من العراق، ذاك أن النفوذ الإيراني هناك هو قرين النفوذ الأميركي، على رغم ما ينطوي عليه تجاور النفوذين من عدم انسجام. الانسحاب الأميركي من العراق، في حال حصل، سيضع الإيرانيين أمام استحقاق مواجهات مباشرة لم يسبق أن أبلى فيها الإيرانيون بلاء حسناً، على نحو ما حصل عام 2014، عندما تدفقت جيوش  “داعش” على مدن عراقية كانت تحت سلطة الجيش القريب من طهران. ولم يهزم”داعش” إلا بغطاء كثيف من المارينز.

لكن ارتدادات الانسحاب الأميركي من أفغانستان، وعودة “حركة طالبان” إلى كابول لا تقتصر على الاحتمالات العراقية، ذاك أننا الآن أمام مشهد إقليمي مختلف تماماً عن ذاك الذي رسمته واقعة احتلال الأميركيين عاصمتين وبلدين آسيويين، أي بغداد وكابول. والمسارعة إلى استنتاج أن طهران ستكون المستفيد، على نحو ما يشيع حلفاؤها، ليس أمراً محسوماً. فطالبان، وإن عادت على نحو مختلف عن الذي اندحرت فيه عام 2001، إلا أنها حركة سنية في خريطة الانقسام المذهبي الحاد، وعودتها ستمثل حالة استقطاب لطالما شعرت البيئات السنية بالحاجة إليها في ظل الصعود الشيعي الذي يطغى على المنطقة، ولن تطول الهدنة بين الحركة الديوبندية ودولة ولاية الفقيه، ليس على الحدود بين أفغانستان وإيران، انما أيضاً في مناطق التماس المذهبي الأخرى أيضاً. 

نعم إنها عشرون عاماً إلى الوراء، ففي اللحظة التي أعلن فيها سقوط كابول بيد الحركة نهار الأحد (14 آب/ أغسطس 2021) استيقظت كل رموز الزمن الطالباني. رُفع صوت الأذان في القصر الرئاسي الأفغاني، وعاد فوراً الثوب الباشتوني ليحل مكان القيافة الرسمية التي كان حميد كارزاي، الرئيس الأفغاني الأول في زمن جمهورية ما بعد طالبان، قد أدخله إلى قصور الحكم، واختير الرجل على أساسه كأحد أكثر الرجال وسامة في العالم، وأطل تيسير علوني على قناة “الجزيرة” مبتسماً، على رغم ما رسمته سنوات الغياب على وجهه من علامات الأسى.

عشرون عاماً شهدت حروباً وتحولات هائلة، علينا أن نمحوها من أعمارنا.

يمهد انقلاب المشهد بين ليلة وضحاها لتأمل من نوع آخر. فالعشرون عاماً من غياب طالبان كانت أرست مشهداً مختلفاً للعلاقات بين الدول. قطر مثلاً عادت لتتصدر المشهد الخليجي، وهي إذ لعبت أدواراً في تسويق طالبان، فأدت المهمة مع واشنطن من جهة ومع طهران من جهة أخرى، ستستثمر موقعها المستجد في النزاعات الخليجية البينية، وتحديداً مع الإمارات العربية المتحدة، ومن غير الواضح حتى الآن موقع السعودية على هذا الصعيد، فالأخيرة من جهة تتولى السلطة فيها مواجهة مع التيارات الدينية المحافظة في الداخل التي لطالما ربطتها علاقات مع طالبان، ومن جهة أخرى تُجري خطوات مصالحة مع قطر بعيداً من مصالح حليفتها أبو ظبي.

وعودة طالبان لن تبقي اليمن بعيداً من ارتداداتها، فلطالما كان الأخير أرضاً خصبة لاستثمارات “القاعدة”، وإذا كانت التسويات التي مهدت لعودة طالبان قد أملت على الحركة شروطاً تمنعها من استضافة التنظيم الذي نفذ عملية  11 أيلول، فإن “طالبان العميقة” ستجد صيغ استضافة من نوع آخر. لن تبث “الجزيرة” أشرطة فيديو لأيمن الظواهري، لكن الرجل سيشعر بأن الخطر على حياته في مناطق العشائر على الحدود بين باكستان وأفغانستان قد تراجع. ثم إن استيقاظ “القاعدة” في المناطق غير الخاضعة لنفوذ طالبان، مثل اليمن والعراق وسوريا وربما لبنان، في ظل ضعف حكومات هذه الدول والانقسام المذهبي الحاد فيها، صار في ظل عودة طالبان أمراً وارداً، وهذا أيضاً قد يدفع إلى إعادة النظر بالشروط الدولية التي فرضت على طالبان ورعتها الدوحة.

أكملت طالبان العشرون عاماً من الغياب في الأرياف والجبال الأفغانية، وعادت كما غادرت، وان بقدر أكبر من البراغماتية التي لن يطول أمدها. عشرون عاماً شهدت حروباً وتحولات هائلة، علينا أن نمحوها من أعمارنا. فكاتب هذه السطور دخل إلى كابول فور هزيمة الحركة، وإلى بغداد فور سقوطها بيد الأميركيين، وزار أفغانستان والعراق في فترة احتلالهما، وشهد ما رافق هذين الاحتلالين من حروب على ضفافهما، في سوريا وفي اليمن وفي لبنان أيضاً، وعليه أن يعيد عقارب الساعة إلى الوراء، فقد قررت واشنطن أن تطوي هذه الصفحة! علينا أن نلغي 20 عاماً من أعمارنا، هذا ما قرره السيد جو بايدن.  

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
بادية فحص – صحافية وكاتبة لبنانية
ربما من قبيل القسوة، القول إن الحدثين الدمويين الأخيرين لم يفاجئا أحدا، لا داخل أفغانستان ولا خارجها، وأولهم الشيعة الهزارة، ذلك أنهم لم يعرفوا مصيرا سوى القتل، منذ نشأة أفغانستان بحدودها الجغرافية الحالية.
Play Video

7:06

Play Video

2:08

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني