هانوي أو هونغ كونغ… وإلا معادلة حافظ الأسد

نحن في عزلة تكاد تكون جداراً سميكاً لا تكسر صلابته مبادرات غربية يحاول الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون من خلالها محاكاة مصالح دولته مع الراعي الإيراني.

لست ممن راقت لهم يوماً مقولة “لا تنظر إلى من قال، بل أنظر إلى ما قال”، بل لطالما استهوتني مقولة “إنَّ المرء مخبوء تحت لسانه”، لكن لا بأس بإكراه الذات على استثناء وحيد وأخير، وأنا استحضر مقولة وليد جنبلاط الشهيرة “هانوي أو هونغ كونغ”، من دون أن تسعف قائلها شفاعة الشافعين، فهو في المحصلة وليد جنبلاط، ركن من أركان منظومة الفساد.

    واستحضار مقاربة جنبلاط معزولةً عن سياقها الزمني والمكاني حينها، يعزز فكرة أن السياسة لا تنام على وسادة واحدة، فكيف إذا كان المتوسِّد رئيس “الحزب التقدمي الاشتراكي” الذي تنام سياسته على وسائد كثيرة لم يغلبه فيها لاحقاً إلا رئيس جمهورية البؤس ميشال عون.

    عمق المأساة اللبنانية الراهنة، لا يجد في تخفيف وقائعه علينا أكثر من مقولة وليد جنبلاط ونحن نختبر مآل المسار السياسي الذي باشره محور الممانعة بعد الانسحاب السوري من لبنان، والذي أفضى إلى نسف المعادلة التي كان أرساها حافظ الأسد عن المواءمة بين الاقتصاد والسلاح.

معادلة حافظ الأسد وعلى رغم الكثير من اعتلالاتها، كان أثرها السياسي لبنانياً على مثال موقع سوريا المتوازن نوعاً ما في النظام الإقليمي والدولي، وهو أثر اختل كثيراً في السنوات الأخيرة مع وراثة إيران، عبر “حزب الله”، الدور السوري، ما أفضى إلى الآثار الاقتصادية والسياسية  الراهنة، والتي هي بالضرورة نموذج يقترب من موقع إيران في ذلك النظام.

نحن في عزلة تكاد تكون جداراً سميكاً لا تكسر صلابته مبادرات غربية يحاول الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون من خلالها محاكاة مصالح دولته مع الراعي الإيراني، ربطاً بمفاوضات فيينا ومآلات انفراجها المنتظرة، والتي تكاد الحماسة الفرنسية لها توازي مثيلتها الإيرانية. 

هي أيضاً عزلة حين يتسيد “حزب الله” سدرة مسؤوليتها، فهو يفعل ذلك مستفيداً من طيف سياسي هجين ومهووس بالسلطة والمصالح الذاتية، بدءاً من رأس الدولة، مروراً بمجلس النواب ورئيسه، ولا ينتهي بشخصيات سياسية طامحة لرئاسة الحكومة، مهمتها أن توازن بمظلتها الإقليمية المفترضة اكتساح الرعاية الإيرانية الوضع اللبناني، فيما هي في الواقع شخصيات أفقدتها انتهازيتها وجشعها السلطوي عامل المبادرة والقبول لدى النظام الإقليمي والدولي الذي أسعف لبنان مرات كثيرة كي لا يصل إلى القعر الذي آل إليه.

     ما سبق لا يندرج في مثالية كنا ننعم بها قبل عصر الممانعة، لكن الأخيرة وهي تقودنا مرغمين إلى مثل الذي نحن فيه، توقظ في الغريق الذي فينا هذه المفاضلة، وتضعنا أمام رغبة الانعتاق من المصير الأسود الذي يخيم علينا، وهو مصير لن ترتق وقائعه وعود إيرانية بتوفير المازوت والبنزين والأدوية، والتي إن صدقت لن تكون في أحسن الأحوال أكثر من مداواة مريض سرطان بحبة بنادول. عمق الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي صنفت أزمة كارثية كبرى، يتطلب ما ذهب إليه وليد جنبلاط، أو مع استعصاء السلاح ومسوغاته الممانعاتية، إلى معالجة أقلها العودة إلى مقاربة حافظ الأسد آنفة الذكر، وليس الذهاب إلى معالجات شعبوية من دولة هي في أحسن الأحوال تتنكب من الأزمات الاجتماعية ما يجعل من عونها بدداً.

وأغلب الظن، وأمام استحالة مقولة وليد جنبلاط في المدى المنظور، فإن المفاضلة أعلاه، ليست إلا مفاضلة بين سيئتين، أثبتت الوقائع أن الفساد نما في انشطارهما، لكنه ظل أخف وطأةً على اللبنانيين في الانشطار الأول، فيما بلغ في الانشطار الثاني ما نعيشه راهناً، وهو يحصل تحت نظر “حزب الله” ورعايته سلطة حاكمة تكثف فسادها من بؤسنا كغنائم عن مجاراة منطق لا يني يقول: اقرعوا الطبول، غداً تبدأ الحرب!

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
مارسيل نظمي
منذ اللحظة الأولى لدخول مكتبه، لم ينظر إلي، شعرت كما لو كنت شفافة تماماً أو قطعة ممتدة لزجاج مكتبه، كان كلامه كله موجهاً إلى خطيبي، ظللت أتابع أسئلته فقط وأحاول التحكم في عضلات فمي لئلا أضحك وأفسد أي شيء أثناء حوارهما الأكثر غرابة وربما طرافة أيضاً.
Play Video

3:14

Play Video

3:28

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني