حميد نوري: أول مسؤول يخضعه الشعب الإيراني للمحاسبة

لأن إيران والسويد ليس لديهما اتفاق لتبادل الأسرى أو تسليم المجرمين، فإن نوري إذا ما أدين، سيقضي بالتأكيد عقوبته في سجن خارج إيران، وستكون هذه المرة الأولى، التي سيتم فيها تسليم أحد مرتكبي مذبحة عام 1988، إلى العدالة الجنائية.

بعد أكثر من ثلاثة عقود من الإفلات من العقاب، وقف المدعي العام الإيراني السابق حميد نوري، تحت قوس العدالة، في قاعة المحكمة المركزية في العاصمة السويدية استوكهولم، في جلستين متتاليتين، بتهمة ضلوعه في تصفية معارضين سياسيين في سجن كوهردشت في مدينة كرج الإيرانية، ضمن ما يعرف بسلسلة إعدامات 1988، التي أزهقت أرواح أكثر من خمسة آلاف معتقل سياسي، بحسب عدد من جمعيات حقوق الإنسان في العالم، وثلاثين ألفاً، وفق الأحزاب الإيرانية المعارضة ولجنة أهالي الضحايا. 

نوري هو المتهم الوحيد من بين مسؤولين إيرانيين متورطين بهذه المقتلة الجماعية، التي نفذتها ما تسمى بـ”فرقة الموت” بأمر من مرشد الثورة الإمام الخميني، من بينهم رئيس الجمهورية المنتخب إبراهيم رئيسي، يساق إلى المحاكمة، سواء داخل إيران أم خارجها، والمحكمة السويدية إياها، هي المحكمة الأولى والوحيدة، التي انعقدت للتحقيق في هذه القضية المنسية، باعتبارها جريمة ضد الإنسانية.

فالنظام الإيراني، حتى ساعة انعقاد الجلسة الأولى لمحاكمة نوري، ما زال ينكر حصول الإعدامات، ويدعي أن كل معلومة حولها أو حديث عنها، محض اختلاقات وأكاذيب، يطلقها معارضون سياسيون منقادون للغرب، ومعادون للإسلام ولقيام الجمهورية الإسلامية، علماً أنه نقل عن الشيخ حسين علي منتظري، قبل رحيله، وهو أحد مؤسسي النظام، وصفه إعدامات 1988 بأنها “أكبر جريمة في تاريخ إيران الحديث”.

اعتقل نوري عند دخوله مطار استوكهولم في 9 تشرين/ نوفمبر 2019، وذلك بعدما استدرجه المعتقل السابق في كوهردشت إيرج مصداقي، الذي تمكن من التواصل معه وبناء نوع من الثقة، سمحت له بأن يدعوه للقدوم إلى السويد، من أجل القيام بجولة سياحية فاخرة. في هذا الوقت، كان مصداقي قد انتهى من إعداد ملف ضخم، عن سوابق نوري وارتكاباته في كوهردشت، تضمن شهادات وأقوال ناجين وأهالي عدد من الضحايا، إضافة إلى شهادته الشخصية، وساعده في إعداده ومتابعته أستاذ القانون كاوه موسوي، الذي قدم بناء على المعلومات والوثائق الموجودة في الملف، شكوى ضد نوري أمام القضاء السويدي. مصداقي وموسوي ظلا على مدى سنوات يراقبان حركة نوري، بالتواصل مع معتقلين نجوا من إجرامه، ولجأوا إلى دول أوروبية، وعلى رغم تقدمه في العمر وتغير ملامحه، وعلى رغم استخدامه اسماً مستعاراً خلال أسفاره (حميد عباسي) تمكنوا من التعرف إليه، وصاروا يتبعونه سراً حيث يكون في أوروبا، مستلهمين هذا الحس الأمني المخابراتي من أجهزة مخابرات بلادهم، التي اتبعت خطوات الكثير من معارضيها واغتالتهم في بلاد لجوئهم، أو استدرجهتم وخطفتهم كما حصل مع الصحافي المعارض روح الله زم. الفرق كما يقول أحد الناجين أنه “في دول القانون الكلمة هي للقضاء، أما في دول العصابات فالقتل هو القضاء والقدر”.  

أمام مبنى المحكمة، وقف من استطاع المجيء من المعارضين السياسيين والناجين والمنفيين واللاجئين وأهالي الضحايا، من جميع أنحاء أوروبا ومن أميركا وكندا واستراليا، حاملين صور الضحايا والمفقودين، وصور عدد من الأمهات اللواتي ناضلن طويلاً لمعرفة ما حل بأبنائهن، قبل أن يرحلن عن الدنيا، في إطار جمعية “مادران خاوران”، أي أمهات مقبرة خاوران، نسبة إلى المقبرة الجماعية، التي رميت فيها جثث الضحايا، وكشفتها الأمهات بعد مرور سنوات، وهتفوا جميعاً ضد النظام الإيراني، وضد “المجرم الجالس في الداخل”، الذي أغضبته الهتافات التي وصلت إلى مسامعه، فقال للقاضي: “أنا أتعرض للتعذيب جراء هذه الهتافات، فليسكتوا”.

في الجلسة الأولى، كان مصداقي هو الشاهد الملك، فروى للمرة الأولى في حياته، أمام قضاء مختص، تجربته المريرة في السجن، وأساليب التعذيب التي مورست بحقه، وبحق السجناء الآخرين، وأكد أمام الحاضرين أن نوري هو جزار كوهردشت، وهو من كان يقرر إنهاء حياة السجناء أو استمرارها، كانت مهمته تبدأ من التحقيق مع السجين، إلى انتزاع الاعترافات منه تحت التعذيب، إلى إجباره على كتابة أدلة جرمية تدينه، وتنتهي لدى أعضاء “فرقة الموت”، الذين يأخذون قرار الإعدام عملاً برأيه وملاحظاته. 

وقال مصداقي أيضاٍ إن نوري كان له دور مباشر في تعذيب السجناء بطريقة وحشية ثم تصفيتهم، وكان يختار، بحسب مزاجه، من يريد من السجناء ويدفعه إلى “فرقة الموت”، وكان يأتي إلى المهاجع، ليتلو أسماء السجناء الذين وقعت عليهم “قرعة الموت”، ويخبرهم بموعد عبورهم “ممر الموت” أي المثول أمام أعضاء الفرقة، وكان يحضر لكل مرشح للإعدام معلومات مكتوبة، بمثابة إدانة له، ويجبره على توقيعها وتقديمها للجنة، ثم ينظم من تقرر إعدامهم في صف طويل، ويمشي أمامهم ليرشدهم إلى مكان إعدامهم والطريقة التي سيتم بها، ولم يكتف بالإعدام السياسي، فقد أعدم سجناء بسبب اختلافهم المذهبي والديني، بالتنسيق طبعاً مع مجرمي الفرقة وبالتشاور معهم.

وكان المدعي العام السويدي، قد افتتح الجلسة، بتوجيه لائحة اتهامات بالقتل وارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب وانتهاك القانون الدولي، ضد نوري، بصفته أحد مسؤولي سجن كوهردشت، وواحداً من المجموعة التي نفذت الإعدامات، في الثمانينات، مستنداً إلى وثائق وشهادات قدمها ناجون. في المقابل، رد نوري كل التهم الموجهة إليه، وأكد محاميه أنه لم يكن موجوداً في السجن في هذا الوقت.

في الجلسة الثانية، ناقش القضاة “فتوى” الإمام الخميني، التي قضت بإعدام كل المعارضين السياسيين في السجون الإيرانية، إلى أي طيف انتموا، بتهمة الخيانة العظمى والعمالة للغرب، على خلفية غضبه من الهجوم الفاشل، الذي شنته منظمة “مجاهدي خلق” انطلاقاً من الأراضي العراقية، عام 1988، كما شرح القضاة معنى كلمة “فتوى”، وطبيعتها الدينية الاستبدادية، بحسب المعلومات المقدمة لهم، من الشهود، في الجلسة الثانية أيضاً، وأشير إلى الرئيس الإيراني المنتخب حديثاً إبراهيم رئيسي، بصفته أحد منفذي الإعدامات، في إطار عضويته في “فرقة الموت”. وهذا تطور ملفت في القضية، بحسب صحافيين إيرانيين حضروا الجلسة الثانية، وكانوا امتعضوا في الجلسة السابقة، من عدم ذكر اسم رئيسي كمتورط، الأمر الذي جعلهم يتخوفون من إمكانية تمييع قد يصيب القضية، تأثراً بالمواقف الأوروبية الإيجابية إلى حد ما من رئيسي، خصوصاً الموقف الفرنسي.

ومن المقرر أن تستمر محاكمة نوري، حتى شهر نيسان/ أبريل من السنة المقبلة، وسوف يقدم معتقلون ناجون من جحيم كوهردشت وسجون أخرى، شهاداتهم خلال الجلسات المقبلة، وهم يملكون، بحسب مصداقي وموسوي، أدلة كافية لإدانته، وإذا تمكنوا من إثبات ارتكاب نوري جرائم ضد الإنسانية، فسيكون نوري أول مسؤول إيراني يخضعه الشعب الإيراني للمحاكمة. ولأن إيران والسويد ليس لديهما اتفاق لتبادل الأسرى أو تسليم المجرمين، فإن نوري إذا ما أدين، سيقضي بالتأكيد عقوبته في سجن خارج إيران، وستكون هذه المرة الأولى، التي سيتم فيها تسليم أحد مرتكبي مذبحة عام 1988، إلى العدالة الجنائية، على أساس مبدأ الولاية القضائية العالمية. فوفقاً لهذا المبدأ، بإمكان الناجين مقاضاة المشتبه بهم أو المتهمين، في حال لم تكن لدى المحاكم في بلادهم، القدرة على مقاضاة جريمة، باللجوء إلى الأنظمة القضائية في البلدان التي تنعم بقضاء عادل، وتشمل الولاية القضائية العالمية البلدان التي لا تملك سلطة قضائية مستقلة وفعالة، ولا يمكنها تحقيق العدالة، بسبب نفوذ الأفراد والجماعات السياسية، مثل إيران. كما تستطيع أي دولة، وفقاً لهذا المبدأ محاكمة متورطين في جريمة كبرى، مثل جريمة ضد الإنسانية، التي تعد واحدة من أكبر الجرائم، التي تمكن مقاضاة مرتكبيها دولياً، بسبب تأثيرها القوي على الضمير الإنساني، وقد تم القبض على نوري في السويد على هذا الأساس. 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
مارسيل نظمي
منذ اللحظة الأولى لدخول مكتبه، لم ينظر إلي، شعرت كما لو كنت شفافة تماماً أو قطعة ممتدة لزجاج مكتبه، كان كلامه كله موجهاً إلى خطيبي، ظللت أتابع أسئلته فقط وأحاول التحكم في عضلات فمي لئلا أضحك وأفسد أي شيء أثناء حوارهما الأكثر غرابة وربما طرافة أيضاً.
Play Video

3:14

Play Video

3:28

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني