“الصفقة”: عون يرفع الدعم وميقاتي يتولّى المسكّنات

يواصل الاقتصاد سقوطه الحرّ بطلاقة وبلا توقف، فيما لا تجد السلطة أي حلول سوى رفع الدعم لتخفيف أعبائها وتحميلها للبنانيين.

وفق السيناريو المتوقع بعد رفع الدعم عن المحروقات والدواء، يفترض أن تتشكل الحكومة قريباً، بعد تحميل حكومة حسان دياب المستقيلة وزر رفع الدعم عن السلع الأساسية وإفقار اللبنانيين. وربما كان ذلك من الأهداف التي قامت على أساسها هذه الحكومة مع بدء الأزمة الاقتصادية في تشرين الأول/ أكتوبر 2019. وبالمناسبة، قرار رفع الدعم عن المحروقات، أعلن بعد اجتماع المجلس الأعلى للدفاع برئاسة رئيس الجمهورية ميشال عون، في غياب دياب الذي كان معارضاً لهذه الخطوة. حاكم مصرف لبنان قدّم قراره إلى المجلس الأعلى للدفاع، وبذلك أطلق الرصاصة الأخيرة في صدر الاقتصاد وتحمّلها لوحده (وإن من الناحية الشكلية)، لا بداعي البطولة طبعاً. لكن يبدو أن لا حلّ آخر في الوقت الحالي.

الرئيس المكلف تشكيل الحكومة نجيب ميقاتي قال صراحة إنه لن يتولى مهمّة رفع الدعم وكانت هذه النقطة ضمن مسائل أخرى أعاقت التأليف حتى اللحظة، فكان أن رُفع الدعم، بموازاة الكلام عن إيجابية في ملف الحكومة الذي كان ما زال مستعصياً منذ آب/ أغسطس 2020، وهي أطول فترة تمضيها البلاد بلا حكومة. تمكن إضافة هذا الإنجاز إلى كتاب أكبر صحن حمّص وأطول سندويشة لبنة.

أسوأ ما في هذا الانهيار أن المسؤولين عنه، يتولّون الآن أمر “انتشالنا”!

وبذلك يأتي ميقاتي وفق “الصفقة” على حصان الخلاص الأبيض، ليمنح اللبنانيين بعض المسكّنات وسط هذا الانهيار الحر والخطير، ويوزّع عليهم بطاقات تمويلية لن تكفي لشراء الخبز، وذلك على وقع تجدد المفاوضات مع صندوق النقد الدولي الذي يطالب في برنامجه لإنقاذ لبنان، برفع الدعم والاصلاحات، إضافة إلى أمور أخرى. إلا أن السيناريو اللبناني يلتزم بشرط رفع الدعم وتستعصي عليه الإصلاحات، التي تعني بطبيعة الحال سجن الفاسدين ومعاقبة المجرمين. والبلاد الآن ليست بهذا الوارد، في أفضل الأحوال تقوم المنظومة الحاكمة بمعاقبة أهالي ضحايا انفجار 4 آب فيتعرّضون لضرب وحشي في عين التينة أو أي مكان آخر، تماماً كما حصل إثر إعلان أن تنكة البنزين ستصبح بـ300 ألف ليرة، أي نحو نصف الحد الأدنى للأجور. (وفق ما ذكرت “الدولية للمعلومات” في دراسة لها، مع رفع الدعم، سيرتفع سعر صفيحة البنزين إلى 336 ألف ليرة، والمازوت إلى 278 ألف ليرة، مع احتساب سعر صرف الدولار كما هو اليوم أي في محيط 20000 ليرة).

إذاً يواصل الاقتصاد سقوطه الحرّ بطلاقة وبلا توقف، فيما لا تجد السلطة أي حلول سوى رفع الدعم لتخفيف أعبائها وتحميلها للبنانيين. فالأزمة لم تعد أزمة سلع ارتفع سعرها أو سيواصل الارتفاع، إنما ستكون المؤسسات ولا سيما الخاصة منها أمام عجز حقيقي عن العمل والإنتاج. ستصبح كلفة إضاءة مصابيح المكاتب أو المعامل أكبر من قدرة المؤسسات على الاحتمال، وسيصبح التبريد والتدفئة رفاهية، لا تستطيع المؤسسات السياحية من مقاهٍ وفنادق وغيرها تأمينها. وقد تفوق هذه التكلفة هامش الربح الممكن من الخدمة أو السلعة، لا سيما أن رواتب المستهلكين لم ترتفع، وما زال معظمهم يتقاضى مدخوله على أساس أن الدولار يساوي 1500 ليرة لبنانية. وإن كنا نهرب في ظل الانقطاع الكهربائي من بيوتنا إلى المقاهي الصغيرة للعمل، فهذه العادة قد تصبح من الماضي، فالمقاهي لن تكون قادرة على تأمين المحروقات والطاقة لتأمين راحة الرواد، والمواطنون لن يكونوا قادرين على تحمّل هذه التكلفة في حال توفّرها.

البنك الدولي كان حذّر من غرق لبنان في انهيار اقتصادي قد يضعه ضمن أسوأ 10 أزمات عالمية منذ منتصف القرن 19، وربما أشد 3 أزمات. وربما أسوأ ما في هذا الانهيار أنه يحصل في ظل “العهد القوي” وتحت سلطة الأمر الواقع وطبقة فاسدة من القتلة والسارقين. أسوأ ما في هذا الانهيار أن المسؤولين عنه، يتولّون الآن أمر “انتشالنا”!

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
هديل الروابدة- صحافية أردنية
هذا المشهد، يحتاج إلى جلوس مكونات” الدولة الرسمية والسيادية، على طاولة حوار وطني، لتحديد العلاقة بينها، وبلورة هوية الإصلاح المنشودة، اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً، قبل الذهاب إلى تعديلات الدستور وقانوني الانتخاب والأحزاب”.
Play Video

0:46

Play Video

2:09

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني