الوضع المائي في الشرق الأوسط: الكارثة آتية

تتسم منطقة الشرق الأوسط باستخدام مفرط للمياه وغياب شبه كامل في استخدامها بشكل مستدام، ما يعرض سكانها وسبل العيش فيها ونظمها البيئية إلى المزيد التدهور.

تغير المناخ، على رغم طابعه الكوني، يترك آثاره المباشرة على السكان المحليين وسبل العيش في البلدان الفقيرة والأكثر هشاشة، من حيث موقعها الجغرافي وطبيعتها ومواردها الطبيعية، ناهيك بقابليتها في الإدارة المستدامة للموارد الطبيعية المتوفرة لديها وسبل مواجهة المخاطر الناتجة عن التدهور الأيكولوجي. 

وحتى لو تم خفض نسبة الكاربون في الجو إلى الصفر بحلول عام 2050، ستتجاوز درجة حرارة الكون الـ1.5، ما يحدث تغيرات عنيفة في النظام البيئي، ويعرض المناطق الهشة من ناحية الموارد الطبيعية المتجددة إلى المزيد من التقهقر البيئي. 

تقع منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في قلب الخارطة البيئية المقبلة، بخاصة أن أجزاء واسعة منها قاحلة وصحراوية، فيما تواجه أجزاء أخرى منها تحديات كبيرة في ما خص ندرة المياه وارتفاع درجات الحرارة واتساع دائرة التصحر. 

في أحدث تقرير له حول الواقع المائي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التي تعد الأشد ندرة في المياه على مستوى العالم، يؤكد البنك الدولي أن أكثر من 60 في المئة من سكان أجزاء منها تعاني من مستوى مرتفع أو مرتفع جداً من إجهاد المياه السطحية، مقارنة بالمستوى العالمي البالغ 35 في المئة. ويتحقق أكثر من 70 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي للمنطقة في أجزاء تعاني من إجهاد المياه السطحية عند مستوى يتراوح بين المرتفع والمرتفع جداً، مقارنة بالمتوسط العالمي البالغ 22 في المئة. هناك بلدان وفق التقرير ذاته بدأت باستهلاك مواردها المائية السطحية والجوفية، ما يزيد من مخاطر الأمن الغذائي بشكل لم تشهده المنطقة عبر تاريخها، ناهيك بمخاطر ظهور أشكال جديدة من الصراع وعدم الاستقرار جراء البحث عن الموارد. 

وعلى رغم فقر مدقع لأجزاء كثيرة منها مائياً، تتسم المنطقة باستخدام مفرط للمياه وغياب شبه كامل في استخدامها بشكل مستدام، ما يعرض سكانها وسبل العيش فيها ونظمها البيئية إلى المزيد التدهور. وتعود أسباب ندرة المياه في المنطقة، إضافة إلى قحولة مناخ أجزاء منها، الى النمو الاقتصادي والسكاني الذي يتطلب الكثير من الماء والطاقة والغذاء والسكن، عدا تفريغ المياه المستخدمة في الأرض والأنهر الطبيعية من دون معالجة في غالبية بلدان المنطقة، بينما يمكن تدويرها وإعادة استخدامها من أجل الري والصناعة والتشجير والحدائق. 

ففي بلد مثل العراق تعد نسبة الخصوبة عالية جداً ويزيد مليون انسان كل عام، بينما تقل الموارد الطبيعية جراء تغير المناخ والنشاط السكاني والاقتصادي. وتشير بيانات عراقية إلى أن عدد سكان البلد سيلامس 80 مليوناً بحلول عام 2050، فيما تؤكد بيانات رسمية على فقدان أكثر من نصف الأراضي زراعياً وتأثر ما يقارب 40 في المئة من مساحة البلاد بالتصحر، عدا تعرض مساحات هائلة أخرى لمخاطر فقدانها زراعياً بسبب التملح الناتج عن بناء سدود عملاقة على منابع وروافد نهري دجلة والفرات التاريخيين اللذين يشكلان شريان الحياة العراقية، بسبب سياسات تركيا وإيران. ويضاف الى ذلك عجز مائي يتجاوز 10 مليار متر مكعب خلال العقد المقبل. لا تختلف الأوضاع في كل من لبنان والمغرب وسوريا والأردن عما يشهده العراق من ناحية المياه والمناخ. وستؤثر هذه العوامل مجتمعة، في الاقتصادات وقد تؤدي في بعض المناطق الى حدوث هجرات محلية أو عابرة للحدود، بحثاً عن موارد العيش. من هنا على الدول وصناع السياسة الاستجابة لمبادرات دولية قد تَحول دون تعرض المنطقة إلى المزيد من أوجه عدم الاستقرار الاقتصادي والأمني، عدا احتمال حصول هجرات جماعية جراء القحط والجفاف. وبحسب البنك الدولي، “إن البلدان التي تخفق في تحقيق الأمن المائي تتخلى عن إمكانات نموها وتزيد مكامن ضعفها تجاه الصدمات المائية، وربما تفاقم هشاشتها الاجتماعية والسياسية. وتشهد المنطقة أكبر خسائر اقتصادية متوقعة من ندرة المياه المرتبط بالمناخ، والتي تقدر بنسبة بين 6 و14 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2050”.

تحقيق الأمن المائي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يتطلب طريقة جديدة للنظر إلى إدارة المياه. فقد أدت السياسات والحوافز ومواطن الضعف المؤسسي في بلدان كثيرة الى استخدام عديم الكفاءة ومتدني القيمة للمياه، إضافة الى غياب تكرير المياه المستخدمة ومعالجتها وتقديم خدمات لم تعد مجدية. وعلى رغم ندرة المياه، تعتبر رسوم خدمات المياه في المنطقة شديدة الانخفاض، بينما يعد الدعم المالي الفعلي للمياه في المنطقة الأعلى في العالم. وتشجّع هذه السياسات تدهور الموارد، وتفاقِم عجز الموازنات، وتزيد مكامن الضعف تعقيداً. تالياً، ستكون للطريقة التي يتم إيصال المياه بها وتخصيصها وتسعيرها وإدارتها تداعيات عميقة على النمو الاقتصادي في المنطقة، وستحدد هيكل اقتصادها واستدامتها البيئية، إضافة إلى الاحتواء الاجتماعي والاستقرار الإقليمي بحسب التقرير ذاته.

الواقع المائي الفقير يستوجب النظر في طائفة أوسع من الأدوات والتقنيات والسياسات، ومناقشتها وتنفيذها، الآن وفي المستقبل. وستدعو الحاجة إلى ضخ استثمارات في البنية التحتية للمياه ونظم المعلومات والمؤسسات والتقنيات. ووضع قوانين جديدة تحث المجتمعات على أن تتجاوز النهج التقليدي في ادارة هذه الندرة بتعزيز الإمدادات والنظر في الحلول المثيرة للجدل، والتي قد تشمل سياسات تتمخض عن حوافز للمحافظة على المورد الجوهري وكفاءة استخدامه، بما في ذلك الرسوم والغرامات والتصاريح والتسعير، وكذلك إعادة تدوير المياه العادمة وإعادة استخدامها، وإعادة تخصيص المياه من المستخدمين في الأرياف الى المستخدمين في المدن ومن الزراعة إلى الصناعة. أضف الى ذلك ان الاحتواء الاجتماعي يجب أن يكون محورياً لتقديم خدمات المياه وسبل حماية القطاعات السكانية الفقيرة والمهمشة من المخاطر المرتبطة بالمياه. 

بناء على ما ذكر، يكمن جزء من الأزمة التي تعاني منها غالبية البلدان العربية في تغييب المجتمعات التي تعيش حالة الانتظار بدل المشاركة في رسم السياسات لمواجهة الأخطار المحدقة، وذلك على رغم امتلاكها القدرة على مواجهة المشكلات عبر ثقافة فطرية في التعامل مع طبيعتها وبيئاتها تاريخياً. أثناء عملي الميداني في معظم المناطق العراقية وبلدان عربية في المشرق والمغرب، لاحظت باستمرار فقر المعارف لدى المجتمعات المحلية فيما يخص تغير المناخ وندرة المياه، فهي لا تمتلك المعرفة الكافية حول المتغيرات التي تعيشها. تكتفي غالبية أفراد هذه المجتمعات بجمل قصيرة للتعبير عن واقعها المعاش مثل: لقد تغير الجو، ازادت الحرارة، قلت المياه. وفي أغلب الأوقات لا يميزون بين الطقس والمناخ، فحين يكون هناك فصل ممطر ينسون الجفاف. وان نم هذا عن شيء، إنما ينم عن غياب الوعي بالمتغيرات الحاصلة في المناخ، ما يتطلب توعية السكان المحليين بما يحصل من حولهم، بخاصة أنهم من المتضررين الرئيسيين جراء تغيرات المناخ والتدهور البيئي. هذا فضلاً عن ضرورة العمل على إدخال تغير المناخ والمتغيرات الأيكولوجية الناتجة عنه الى المناهج التعليمية في المراحل الابتدائية، ومن شأن ذلك رفع الوعي بين الأجيال اللاحقة بمخاطر التغيرات المناخية على سبل العيش والاقتصاد والصحة العامة من جانب، والتفكير بوسائل مواجهة هذه التغيرات وآليات التأقلم معها والحد من أضرارها المتوقعة من جانب آخر. 

ومن خلال متابعتي القضايا البيئية في معظم البلدان العربية، مصر، المغرب، تونس، الجزائر، الأردن، لبنان والعراق على سبيل المثال، يمكن القول إن اللاعدالة تشكل جزءاً رئيسياً من التحديات المائية، إذ يدفع سكان المناطق الواقعة على مصبات الأنهار أو في أطراف المدن الكبيرة، ضريبة المعالجات “الظالمة” للمياه المستخدمة. في بغداد مثلاً، يتم تفريغ المياه الآسنة في نهر طبيعي في ضواحي العاصمة، ويواجه سكان المحيطون بالنهر تلوثاً غير مسبوق في الهواء والمياه بسبب معالجة مياه الصرف الصحي للعاصمة بهذه الطريقة البدائية. تالياً، يتم إنقاذ جزء من سكان العاصمة من المياه الثقيلة على حساب سكان ضواحيها. هذا نموذج واضح من اللاعدالة البيئية والتمييز بين منطقة وأخرى ليس في العراق فحسب، بل في غالبية البلدان العربية حيث يتم تحويل أنهر طبيعية وهي مورد أساسي للاقتصادات المحلية الى مكبات للنفايات. 

أكثر من نصف المياه العادمة (57 في المئة) في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يعاد الى البيئة دون معالجة، مما يسفر عن أخطار صحية وموارد مائية مهدرة في آن واحد، فيما تعد إعادة تدوير المياه فرصة كبيرة وهناك فرص كبيرة لتلبية الطلب المتزايد على المياه في المنطقة. وبما أن تحسين خدمات المياه يساعد على تعزيز العقد الاجتماعي بين الحكومات والمواطنين، يقترح البنك الدولي إدارة مستدامة للمياه تساعد على فهم أوضح لتوقعات المواطنين حيال خدمات المياه. وهناك ثلاثة ابتكارات رئيسة، بإمكانها المساعدة على تحسين جودة خدمات المياه الحضرية والزراعية: الإدارة المتكاملة للمياه في المدن، تطوير موارد مياه غير تقليدية، دور موارد المياه غير التقليدية في تحقيق الأمن الغذائي والمائي واستخدام المياه العادمة المُعالجة في الزراعة أو في إعادة الشحن الاصطناعي لمكامن المياه الجوفية. 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
ندى محمد – باحثة في علوم الأحياء في جامعة اكسفورد البريطانية
تحرك الجهات المختصة السريع حول العالم لدراسة البروفيل الجيني للمتحور الجديد أظهر مفاجآت في المتحور لم تكن بالحسبان
Play Video

0:46

Play Video

2:09

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني