fbpx

لبنان : لماذا وضع نصرالله نفسه في مواجهة القاضي بيطار؟

لماذا وضع نصرالله نفسه في هذه المواجهة على رغم أكلافها وما يمكن أن تجره عليه من شكوك، لا سيما وأن لا خلاف على أن ثمة جريمة كبرى ارتكبت، ضحاياها لبنانيون من خارج الاصطفاف السياسي والمذهبي؟ فنصرالله بفعلته هذه يُحدث انشقاقاً جديداً في صلب الوجدان الذي يمثله!

لم يرشح عن تحقيقات القاضي طارق بيطار ما يؤشر إلى ظنونه بعلاقة بين نيترات الأمونيوم وبين حزب الله. من طلبهم للتحقيق، وهم علي حسن خليل وغازي زعيتر ويوسف فنيانوس ونهاد المشنوق، بالإضافة إلى عباس إبراهيم وطوني صليبا، يؤشرون إلى أن تحقيقات بيطار في مكان آخر! 

ثم أن ما أثير، خارج التحقيقات في الإعلام، وتحديداً ما عرضته قناة ام تي في في برنامج “صار الوقت” قبل أيام، عن نقل الحزب نيترات الى الجنوب، لا يبدو صلباً ومقنعاً. وعلى رغم ذلك، وضع أمين عام حزب الله حسن نصرالله نفسه في صدارة المواجهة مع قاضي التحقيق، وكرر للمرة الثانية أن التحقيق “مسيس” من دون أن يفصح لـ”مشاهديه” ماذا يعني بكلمة مسيس، ومن هي الجهة التي توظف التحقيق في خيارها، ذاك أن بيطار استدعى مشتبه بهم من طرفي الانقسام اللبناني، وهو لم يحدد حتى الآن أي وجهة لمسار التحقيق، باستثناء أن ثمة مسؤولين حكوميين يجب مساءلتهم، وربما لاحقاً محاسبتهم، وليس من بين هؤلاء، حتى الآن أي مسؤول من حزب الله! فحين اتهم حزب الله المحكمة الدولية الخاصة بلبنان بأنها مسيسة ومتآمرة على الحزب، كانت وجهة الاتهام واضحة ومفَسرة لجمهور الحزب على الأقل، أما اليوم، فالتسييس لا وجهة واضحة له، وبيطار تم تعيينه من قبل مجلس القضاء الأعلى ووافقت عليه السلطة، واتُهم من قبل خصوم نصرالله من أهل السنة بأنه عوني. 

يدرك أمين عام حزب الله ارتدادات الموقع الذي حدده لنفسه ولحزبه من جريمة المرفأ، إلا أنه مرة أخرى لا يستطيع أن يكون في موقع آخر. إنه النظام السياسي الذي يحتضن الحزب ويحتضن دوره وسلاحه، وهو اذ يتصدر هذا النظام، يجد نفسه في صدارة المواجهة دفاعاً عنه.

ربما علينا أن ننتظر والحال هذه تهمة “السفارات” التي سبق أن لجأ إليها نصرالله حين أعيته معادلة “كلن يعني كلن”.

لماذا وضع نصرالله نفسه في هذه المواجهة على رغم أكلافها وما يمكن أن تجره عليه من شكوك، لا سيما وأن لا خلاف على أن ثمة جريمة كبرى ارتكبت، ضحاياها لبنانيون من خارج الاصطفاف السياسي والمذهبي؟ فنصرالله بفعلته هذه يُحدث انشقاقاً جديداً في صلب الوجدان الذي يمثله!

يدرك أمين عام حزب الله ارتدادات الموقع الذي حدده لنفسه ولحزبه من جريمة المرفأ، إلا أنه مرة أخرى لا يستطيع أن يكون في موقع آخر. إنه النظام السياسي الذي يحتضن الحزب ويحتضن دوره وسلاحه، وهو اذ يتصدر هذا النظام، يجد نفسه في صدارة المواجهة دفاعاً عنه. فالتحقيق في انفجار المرفأ إذا ما ذهب بالوجهة التي حددها له طارق البيطار سيصيب السلطة في قلبها، وما الخلافات التي تشطر هذه السلطة بين الشيعة والسنة، وبين الأخيرين والمسيحيين، إلا جزء انقسامات شكلية وضرورية لإدارة عمليات السطو والفساد، وهي مكنت حزب الله من التصدر ومن الإمساك بخيوط اللعبة الداخلية ومن توظيفها في موقعه الإقليمي. فليس بلا دلالة أن يجتمع حزب الله وتيار المستقبل، ومن خلفهما حركة أمل، وربما شيوخ عشائر عرب خلدة، على اعتبار التحقيق مسيساً. فنحن هنا نتحدث عن مستويين من التوتر، المستوى الأول ضروري لاشتغال النظام ونموذجه التوتر في خلدة، والمستوى الثاني ضروري لحماية النظام، ونموذجه الاصطفاف في مواجهة القاضي طارق بيطار. 

علينا هنا أن نتذكر اللحظة التي قرر فيها نصرالله التصدي لاحتجاجات تشرين من العام 2019. في حينها أيضاً شعر أن النظام الذي يتصدره يهتز، ومن الضروري الانخراط في مواجهة مكشوفة لحمايته، فتلاحقت خطبه التي رسم فيها خطوطاً حمراً للمتظاهرين، وأطلق شارعه في مواجهتها، فبقاء النظام أهم له من الخسائر الناجمة عن انخراطه في مواجهة دفاع عن فاسدين وسارقين وفاشلين. هذا إذا أحسن المرء الظن، وقرر أن لا قرائن موثقة حتى الآن تربط بين الحزب وبين النيترات.

وهنا علينا أن نسأل أنفسنا، من هو النظام في لبنان؟ أهو حزب الله أم القوى التي يحميها الحزب، وهنا تفترض الأمانة عدم الحسم بالجواب! فحزب الله لا يستطيع أن يمسك بالسلطة من دون آلة الفساد التي يمثلها حلفاؤه وخصومه، لكن الأخيرين أيضاً يوظفون سطوة الحزب وخطب نصرالله لتحصين أنفسهم ومواقعهم. فحزب الله تولى مواجهة احتجاجات تشرين بالشارع وعبر تهديدات نصرالله المتلاحقة، لكن المستفيد الأول من ذلك كان جبران باسيل وسعد الحريري، واليوم يتولى نصرالله مواجهة مع أهالي ضحايا المرفأ سيكون أول المستفيدين منها مسؤولون من حركة أمل وتياري المستقبل والمردة.

الخسائر التي يمنى بها الحزب في المواجهة الداخلية أكبر من الخسائر التي يمنى بها حلفاؤه في السلطة، وما جرى في الأسبوعين الفائتين في خلدة وفي شويا وفي عاليه كشف أن حزب الله خسر من صورته ومن نفوذه في مناطق شديدة الحساسية، وأنه لا يستطيع في بلد مثل لبنان أن يكون غانماً، وأن ترهلاً بدأ يصيب نفوذه، وهذا كان واضحاً في خطبة نصرالله الأخيرة الغاضبة، والتي اضطر فيها أن يصارح اللبنانيين بأن القصف الذي نفذه مؤخراً في مزارع شبعا استهدف مناطق مفتوحة ولم يستهدف مواقع إسرائيلية، وهي مصارحة تنطوي على طلب تفهم لم يسبق أن طلبه نصرالله. 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
بادية فحص – صحافية وكاتبة لبنانية
ربما من قبيل القسوة، القول إن الحدثين الدمويين الأخيرين لم يفاجئا أحدا، لا داخل أفغانستان ولا خارجها، وأولهم الشيعة الهزارة، ذلك أنهم لم يعرفوا مصيرا سوى القتل، منذ نشأة أفغانستان بحدودها الجغرافية الحالية.
Play Video

7:06

Play Video

2:08

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني