لبنان: “القوات” تسترجع بلطجة الحرب
وتتبنّى ظاهرة “بعد السحسوح” المهينة

ليست هذه الحادثة الأولى التي مارس خلالها عناصر قواتيون عنفاً ضد أفراد، فقبل أشهر شنّ قواتيون حملة اعتداء ضد سيارات تقل نازحين سوريين في لبنان على خلفية مشاركتهم بالانتخابات الرئاســية السورية في السفارة السورية في لبنان ما أدى إلى وقوع جرحى. 

“جوني سليم هو الضحيّة الجديدة لشبّيحة حسن نصرالله في محلّة الزعيتريّة، ذنبه الوحيد أنّه دخل المحلّة المذكورة لتوصيل بضائع للشركة التي يعمل لديها، فوقع ضحيّة انزعاج أحد سكان المنطقة… ها هو جوني اليوم قابع في سريره في حين أنّ المعتدين يسرحون ويمرحون منتظرين ضحيّة جديدة تعكّر مزاجهم”. هكذا ردّ حزب “القوات اللبنانية” عام 2013 على اعتداء “حزب الله” على مواطن لبناني في منطقة زحلة، واصفاً ممارسة الحزب بـ”التشبيح” و”البلطجة”.

انقلبت الأدوار في الرابع من آب/ أغسطس 2021. الطرف الذي انتقد الممارسات الميليشياوية طبّقها بنفسه، جوني الذي دخل محلة “محسوبة على حزب الله” منذ 8 سنوات وأزعج أهلها بوجوده فقبع ساعات في المستشفى، هو نفسه بطريقة أو بأخرى جاك بركات الذي دخل الجميزة، المنطقة التي تعتبرها “القوات اللبنانية” منطقة نفوذها، واستفز عناصر حزبها بارتدائه الكوفية. 

كانت الكوفية سبباً لتعرض جاك لضرب مبرح وإهانات تم تسجيلها عبر الهواتف وفاخر قواتيون بنشرها على السوشيال ميديا.

“بقيت حوالى 20 دقيقة وأنا أتعرّض للضرب المبرح ولأبشع أنواع الإهانات… ما كانوا يوقفوا الا بعد ما حلفتلهن إني مسيحي”، يقول جاك (17 عاماً) لـ”درج”. شارحاً أن عناصر من “القوات اللبنانية” استدرجوه إلى شارعٍ فرعي موارب في منطقة الجميزة فأحكموا قبضتهم عليه وضربوه بعنف. 

“بعد ما تركوني، بلشت بالركض وأنا صرخ لأخي وأصرخ: عم يلحقوني، عم يلحقوني”، يقول جاك مستذكراً المشهد، في إشارة إلى الانفعالات التي عاشها في الدقائق الأولى بعد الاعتداء. 

أما جوني (16 سنة)، فيروي لـ”درج” أن مدة اختطافه وضربه كانت أقل من أخيه. “جاك حاول يعاندهن في البداية، أما أنا فكنت مستعد أعمل أي شيء مقابل ما اتعرض للضرب”، يُضيف جوني الذي مورست بحقه أفعال تذكّر بالحرب الأهلية، عبر إجباره على قول أفكار ضد قناعاته أو شتم الجهة التي خيل للمعتدين عليه أنه ينتمي لها، مؤكداً أنه يتجّه وأخاه نحو مسارٍ قانوني لمعاقبة من ضربوهم. 

ضرب جاك وجوني وغيرهما تم توثيقه عبر فيديوات انتشرت على منصات التواصل الاجتماعي، وفيها مارس قواتيون عنفاً وعبارات طائفية وصفاقة بالغة تعرّي تماماً الخطاب الذي تزعمه هذه المجموعة التي تطرح نفسها دائماً كبديل أو كعنصر سياسي منفصل عن السلطة الحاكمة أو كجزء من انتفاضة ضد السلطة وفسادها وعنفها. 

القوات كانت إحدى الجهات التي انتقدت الظاهرة المهينة التي عرفت خلال انتفاضة 17 تشرين بـ”قبل السحسوح وبعده” التي مارسها عناصر تابعون للثنائي الشيعي (أمل وحزب الله) ضد متظاهرين أو منتقدين علناً للثنائي فكان يتم ضربهم وتصويرهم واجبارهم على الاعتذار.

المفارقة أن الجهة التي انتقدت تكراراً تلك الممارسة فعلتها هي نفسها في الذكرى السنوية الأولى لانفجار مرفأ بيروت فكشفت عن وجه ميليشيوي عالق في الحرب الأهلية.

بدلاً من الاعتذار عن قيام عناصره بضرب قاصرين وتقديمهم للمحاسبة، دافع جعجع عن عناصره واعتبر أنهم هم من تعرضوا للاعتداء.

جاك وجوني هما قاصران من منطقة البقاع، قصدا بيروت مع “اتحاد الشباب الديموقراطي” الذي ينتميان إليه في الرابع من آب، رغبةً منهما بالمشاركة في إحياء الذكرى السنوية للانفجار. الأخوان هما عينة ممن اعتدى عليهم عناصر “القوات اللبنانية”، الذين يُقدّر عددهم بعشرين شخصاً، وفق عضو المكتب السياسي لـ “الحزب الشيوعي اللبناني” عمر ديب. 

أحد الجرحى هو مازن أبو زيد، الذي انهال عليه العناصر بالضرب بالعصيّ والسكاكين على مرأى من القوى الأمنية التي لم تتدخل واكتفت بإطلاق النار في الهواء لتفريق الاشتباك. على الأثر، أُدخل أبو زيد إلى مستشفى الجعيتاوي بعدما تعرّض لسكين في الرئة والكلية وقطع أحد شرايينه، إضافة إلى نزف داخلي وكسور في الوجه. 

لم يتوقف الأمر هنا، بل تابع قواتيون اعتداءاتهم على وسائل التواصل، فأشادوا بالحادثة مبرّرين العنف الذي مارسوه بأنّ من يتعرّض للقوات “بيتكسّر”، و”من يدق الباب سيسمع الجواب”. هذا عدا “انتظار أبو زيد أمام مبنى مستشفى روم في منطقة الأشرفية في محاولة لاستكمال ضربه، إلا أن الصليب الأحمر استدرك الأمر ونقل مازن إلى مستشفى آخر”، وفق ما رواه ديب لـ”درج”. مشيراً إلى أن “أبو زيد بقي أربع ساعات تحت عملية جراحية خطرة، إلا أن وضعه الصحي استقر لاحقاً”. 

الناشط روني عقيقي هو من بين المعتدى عليهم أيضاً، قال لـ”درج”، “كنت ماراً في شارع الجميزة بعد ساعة من الإشكال، واضعاً كوفية على رقبتي، فانهالت مجموعة من شباب القوات اللبنانية عليّ بالضرب المبرح، والآن أعاني من رضوض في ظهري وركبتي، كما أنهم كسروا جميع الهواتف التي كانت توثق اعتداءاتهم، أحد الأشخاص الذي صور الاعتداء عليّ ضُرب وكُسر هاتفه”. 

إقرأوا أيضاً:

حنين إلى الحرب الأهلية؟

تختلف رواية الطرفين حول الاشتباك بين عناصر “الحزب الشيوعي” و”القوات اللبنانية”، فالطرف الأول يروي أن الاعتداء كان محضّراً مسبقاً وأن العناصر وقعوا بقبضة “كمين مُحكم” أمام مركز القوات في الجميزة، حيث كان العناصر يرتدون لباسهم العسكري ويحملون السكاكين والعصي. بينما يقول الطرف الآخر أن المعتدى عليهم تعمّدوا المرور بهذا الشارع وهم يهتفون شعارات ضد رئيس الحزب سمير جعجع، تخلله رشق المركز بالمولوتوف والاعتداء على العناصر الموجودين هناك. إلا أن المؤكد هو سقوط جرحى في صفوف الطرفين. 

تلى الحادثة بيانان من الجهتين المعنيتين أيضاً. “القوات اللبنانية” قالت في بيانها أنها “فوجئت بمجموعة كبيرة من المتظاهرين الشيوعيين يحملون على ظهورهم حقائب مليئة بالحجارة ويهتفون “صهيوني صهيوني سمير جعجع صهيوني”، وراحوا يقتربون من المركز وهم يرشقونه بالحجارة وبعض قنابل المولوتوف”. فيما أصدر “الحزب الشيوعي” بياناً أدان فيه “الكمين المدبّر والاعتداء الجبان الذي نفذته زمرة ميليشيوية من القوات اللبنانية ضد التظاهرة الشعبية التي دعت إليها لجنة أهالي ضحايا مرفأ بيروت بمناسبة 4 آب، والتي انطلقت من خليج السان جورج باتجاه المرفأ، بحجة مرورها في «منطقتهم» ــــ شارع الجميزة، والذي ترافق أيضاً مع اعتداء آخر نفذته أيضاً هذه العصابة ضد أحد أهالي ضحايا المرفأ لرفضه رفع علم القوات في احتفال المرفأ”. 

ليست هذه الحادثة الأولى التي مارس خلالها عناصر قواتيون عنفاً ضد أفراد، فقبل أشهر شنّ قواتيون حملة اعتداء ضد سيارات تقل نازحين سوريين في لبنان على خلفية مشاركتهم بالانتخابات الرئاســية السورية في السفارة السورية في لبنان ما أدى إلى وقوع جرحى. 

ما ضاعف من تكريس موقع القوات كميليشيا، وبدت تصريحات رئيس الحزب سمير جعجع فاقعة لدرجة تبريره الحادثة وبدلاً من الاعتذار عن قيام عناصره بضرب قاصرين وتقديمهم للمحاسبة، دافع جعجع عن عناصره واعتبر أنهم هم من تعرضوا للاعتداء.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
مارسيل نظمي
منذ اللحظة الأولى لدخول مكتبه، لم ينظر إلي، شعرت كما لو كنت شفافة تماماً أو قطعة ممتدة لزجاج مكتبه، كان كلامه كله موجهاً إلى خطيبي، ظللت أتابع أسئلته فقط وأحاول التحكم في عضلات فمي لئلا أضحك وأفسد أي شيء أثناء حوارهما الأكثر غرابة وربما طرافة أيضاً.
Play Video

3:14

Play Video

3:28

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني