أنا لا أريد أن أتذكر وحسب

كبت المشاعر لا يعني النسيان. فبينما يقولون لي ألا أنسى أبداً، كما لو كنت أستطيع النسيان، فأنا لن أنسى أبداً. لن أنسى أبداً الزجاج أو الدماء أو الصرخات أو الذعر.

ها قد مضى عام.

ولا أريد أن أتذكر.

لكن الأمر ليس بهذه البساطة. فثمّة رسائل تذكيرية مُنسقة بشكل جيد تنتشر في كل مكان، بدايةً من النشطاء ذوي النوايا النبيلة، ووصولاً إلى المؤسسات الإعلامية المُبتذلة التي تستغل هذه المأساة الوطنية.

منذ الوهلة الأولى، لم أستطع أبداً أن أفهم تماماً العلاقة بين ما بت أشعر به من لوم الذات، وأنني كنت جزءاً من كارثة بهذا الحجم في مرفأ بيروت؛ فقد كنت أعتقد أنه سيكون من السهل أن أنغمس في أحزاني بعد هذه التجربة. بيد أن الأطباء النفسيين أوضحوا أن ذلك النوع من الصدمات التي تنطوي على موت الآخرين يتبعه بشكل طبيعي شعور بـ”عقدة الناجي”، وقلت في نفسي، “حسناً، أليس هذا رائعاً!”.

فقد صار الأمر يؤرقني ويحاصرني من كل مكان. فعندما يقترب مني الأصدقاء ويسألونني كيف أشعر ونحن على مشارف الذكرى السنوية الأولى، أقول في نفسي، “لماذا تسألونني؟ أنا لست سوى واحدة من الآلاف الذين عاشوا تلك الكارثة. وليس هذا فحسب، لقد نجوت منها من دون أي خدوش. ولا أستحق أن أعامل بأي طريقة خاصة بسبب ذلك”.

نعم، لقد كنت في مار مخايل، إحدى المناطق الأكثر تضرراً بسبب الانفجار. وما لبث سائقو “أوبر” وسيارات الأجرة يسألونني إذا ما كنت هناك أثناء الانفجار طيلة شهور بعد اصطحابي من منزلي، ثمّ يُتمتمون بعبارات التعاطف عندما أجيب بأنّني كنت بالفعل هناك.

ولكنني بخير. فقد أُصيب آخرون وفقدوا أحباءهم ومنازلهم. وأنا بخير.

أنا فقط لا أريد أن أتذكر. وأنا آسفة جداً لأنني لا أريد أن أتذكر.

ينتابني شعور بالضيق والعصبية عندما أفكر في الاحتجاجات التي ستعقد في ذلك اليوم، في بوتقة اختلطت فيها مجموعة متنوعة من المشاعر المؤلمة.

فقد كان يجب أن أكون هناك. ولكنني لا أستطيع. أعلم أنه يفترض أن أكون هناك، لكنني أعرف أنني لن أذهب.

أولئك الذين أتحدث عن مشاعري معهم يفيضون عليّ سريعاً بسيل من العطف والشفقة؛ ويقولون لي إن لديّ كل الحق في عدم المشاركة. وينصحونني بأن أُغلق هاتفي وأتظاهر بأن لا شيء يحدث في ذلك اليوم.

بالطبع، هذا يبدو رائعاً، ولكن هل تستطيع والدة إلياس خوري أن تفعل الشيء نفسه؟

معدتي تضطرب أكثر، وأشعر بضيق في الصدر، وكأن رئتيّ ستنفجران من فمي. شهراً بعد شهر، قاموا بمسيرات، حاملين صور أحبائهم الذين لقوا مصرعهم. لم تعد المحادثات والأحلام التي دامت طوال حياتهم أسباباً وجيهة لإبقاء عائلاتهم على قيد الحياة بعد الآن. فقد توقف أكثر من 200 قلب.

لقد شكلوا تحالفاً، وهذا أمر منطقي، لكنه دائماً ما جعلني أشعر بالخوف. هل يشعرون بأن مجتمعهم تخلى عنهم؟ بالطبع، يشعرون بذلك. كلنا أدرنا ظهورنا، وانشغلنا بجمع أشلائنا، بينما ظلوا ثابتين مكتوفي الأيدي في أماكنهم، لا يجدون أحداً يلجأون إليه سوى الآخرين الذين انتابهم الشعور نفسه، والذين فقدوا شيئاً ثميناً بالقدر نفسه.

وظيفتي فظيعة. ربما لن تكون بهذه البشاعة لو لم نكن نعيش في مكان ينطوي على الكثير من الألم الذي يجب أن نتحدث عنه يومياً، ولكن هذا هو الحال. ففي الرابع من كلّ شهر، أحاول بصفتي صحافية أن أركز اهتمامي على هذه العائلات لبعض الوقت. أعتقد أنهم يستحقون منشوراً على مواقع التواصل الاجتماعي اليوم، من دون التفكير بعمق ما أكتب بالطبع، لأنني لو فعلت ذلك، سيعود هذا الشعور الدفين بالألم ليراودني مجدداً، ويمزق الفقاعة التي أكبح داخلها مشاعري.

في إحدى المرات هاجمت السلطات اللبنانية بشكل عرضي تلك الأسر بالهراوات والغاز المسيل للدموع.

أظن أنهم كانوا مصدر إزعاج كبيراً في ذلك اليوم؛ إذ إنهم لم يمكثوا في مكانهم يلقون خطابات توجع القلب بالقرب من المرفأ. بل حاولوا في الواقع مواجهة الأشخاص المُعتلين اجتماعياً الذين يحكمون هذه البلاد بغضب عارم. لذا بالطبع من وجهة نظر الذئاب التي “تحرس” الأغنام، كان يجب إخضاعهم.

علاوة على ذلك، يحاول القتلة الذين تسببوا في مقتل أسر هؤلاء الأشخاص الحصول على حصانة قانونية حتى لا يتحملوا المسؤولية أبداً عما فعلوه. بالطبع من وجهة نظر الذئاب التي “تحرس” الأغنام، يجب أن تبقى الذئاب على قيد الحياة، لكي تقتل مزيد من الأغنام، في وقت لاحق، بلا جهد.

لقد كان الأمر مثيراً للغضب. ولذا أعربت عن غضبي من خلال النقرات الناعمة على شاشة هاتفي التي تعمل باللمس، فضلاً عن الثرثرة الهائمة مع الأصدقاء والعائلة. ثمّ تجاوزت الأمر.

كان من السهل قمعنا، فقد أبقانا لبنان مشغولين.

إقرأوا أيضاً:

بين انقطاع الكهرباء، ونقص الأدوية، وطوابير الانتظار للحصول على الوقود، وأسعار الصرف المتقلبة، استبدلت آلاماً بأخرى، وثمِلتُ عليها كما لو أنني خلطت بين أنواع مختلفة من الكحول الرديئة معاً وتناولتها في حفلة صاخبة لا تنتهي أبداً.

والآن ها أنا أفكر في نوبة الجنون التي اعترتني طوال العام. هل أفعل هذا لأنني أشعر بأنني أحتاج إلى القيام بذلك؟

نعم، لقد مضى عام، وهو أمر مهم، لكنه في الواقع ليس كذلك على الإطلاق.

صحيح أن الوقت شيء نسبي. إلا أن هذا العام كان يُشبه متاهة النسيان الأبدية المؤلمة التي لا معنى لها.

وأنا أكتب هذه الكلمات، أعلم أنني بمجرد أن أنتهي سأركز انتباهي مجدداً على تفاصيل يومي، وأُحلق بعيداً إلى حيث التهرب هو العرف السائد في التعامل مع كل شيء ولا شيء يحدث في آن واحد، طوال الوقت.

لقد كنت دائماً جيدة عندما يتعلق الأمر بالتعافي. إذ إنني أتمتع بشخصية قوية، وعقل قادر على تحليل الأمور، وفعل ما بوسعه لكي ينسى ويزداد قوة. بيد أن ذلك يُعد تحدياً عقلياً جديداً. إذ أواجه الآن ألماً أشعر بالذنب للغاية عند محاولة التعافي منه. ذلك الألم الذي أشعر أن من واجبي الإبْقاء عليه.

ولا يسعني إلا أن أفكر: فنجاحي في التظاهر بعدم حدوث أي شيء بسبب قدرتي على التعافي، يؤثر تأثيراً مباشراً في مدى شعور هذه الأسر بالوحدة في خوض معاركها. هذا خطأي ولكنني ثابتة لا أبرح مكاني ما لم استحث على فعل غير ذلك.

أنا أعرف تمام المعرفة ما يجب أن أفعله للمساعدة، لكن لا أستطيع أن أفعل ذلك. ولا أَستطيعُ مواجهة ذلك.

كبت المشاعر لا يعني النسيان. فبينما يقولون لي ألا أنسى أبداً، كما لو كنت أستطيع النسيان، فأنا لن أنسى أبداً. لن أنسى أبداً الزجاج أو الدماء أو الصرخات أو الذعر.

أنا فقط لا أريد أن أتذكر.

وأنا آسفة جداً لأنني لا أريد أن أتذكر.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
ندى محمد – باحثة في علوم الأحياء في جامعة اكسفورد البريطانية
تحرك الجهات المختصة السريع حول العالم لدراسة البروفيل الجيني للمتحور الجديد أظهر مفاجآت في المتحور لم تكن بالحسبان
Play Video

0:46

Play Video

2:09

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني