fbpx

فاطمة البهادلي معلّمة نساء البصرة التي قتلوا ولديها

قبل دخولها غمار المجتمع المدني والتطوع، بدأت فاطمة تدريس الطلبة الفقراء في منزلها، بشتى التخصصات المنهجية، على رغم أنها كانت طالبة حينها...

“يارب العدالة يا رب”، بكلمات معجونة باللوعة والفجيعة، ودعت الناشطة النسوية، ومؤسسة جمعية “الفردوس”، المعنية بتعليم النساء، فاطمة البهادلي، ابنها الثاني، بعد اختطافه نحو يوم كامل، ليُعثر على جثته في ما بعد، مع 4 رصاصات، استقرت اثنتان منها في الرأس، وواحدة في الصدر وأخرى في القلب.

فاطمة البهادلي، الناشطة في حقوق المرأة والمدافعة عن البصريات، تواجه أبشع أنواع الترهيب، بقتل ولديها، فقبل سنتين أيضاً خسرت ابنها أحمد، الذي وجد مشنوقاً، في غرفته، وأُجبرت على إغلاق الملف إلى الأبد، واعتبار موته الغامض والمربك، انتحاراً. ولم تكد تلك السيدة البصرية، تفك حدادها الطويل، بعد قتل ابنها احمد، لتفجع في وقت متأخر من ليل الأحد 25 تموز/ يوليو، بخبر رحيل ابنها الثاني، علي، الذي يصفه كل من يعرفه، بالخجول والطيب. كان يعمل في وزارة الهجرة والمهجرين، سائراً بهدوء، على خطى والدته، في عالم التطوع والانسانية، لكن، واجهته رصاصات الكراهية، قبل أن يكمل حلمه. 

أكدت فاطمة، أنها وقبل شهر من مقتل ابنها، تعرضت للتهديد والمطالبة بالخروج من البصرة، لكنها لا تجيد العيش في بقعة أخرى، غير تلك التي صارت تعتاش على دماء أبنائها. 

فاطمة وابنها علي

هدية السماء للبصرة 

ولدت البصرية فاطمة البهادلي في الحيانية، أحد أكبر أحياء البصرة، إذ يعيش فيه ثلث أبناء المحافظة تقريباً، فدرست وترعرعت، وشاهدت النساء، كما أخبرتني وهن يحرمن من حق التعليم، بسبب الحروب، وازدادت الحياة صعوبة، في فترة الحصار الاقتصادي المفروض على العراق، والذي زاد الطين بله، فلم تتمكن كثيرات آنذاك، من الالتحاق بركب التعليم. البهادلي، أكملت بجدارة دراسة اللغة العربية في جامعة البصرة، وكانت تكتب الدروس والمحاضرات وتوزعها على المتغيبين لأسباب سياسية مثلاً، حتى حازت شعبية كبيرة في المحافظة.

التعليم العفوي 

قبل دخولها غمار المجتمع المدني والتطوع، بدأت فاطمة تدريس الطلبة الفقراء في منزلها، بشتى التخصصات المنهجية، على رغم أنها كانت طالبة حينها، اضطررت إلى تجميع أكياس الطحين وخياطتها وإقامة خيمة فوق سطح منزل أهلها، لتحويلها إلى صف لأولاد الفقراء.

بعد الحرب، أنشأت البهادلي، مع صديقاتها حلقات دراسية لتعليم النساء القراءة والكتابة، تقول إنهن لم تكن على دراية بما يفعلنه وبما سيقوله الناس عنهن، لكن حبهن لمساعدة الأخريات، جعلهن يفضلن المجازفة. 

شهادة معتمدة 

كان هدفهن الرئيسي، هو تعليم الأميّات وغير القادرات على إكمال دراستهن، لتتطوع أكثر من 17 مُدرّسة من مختلف التخصصات المنهجية، وتم الاتفاق على التدريس في مناطق قريبة من الجميع، وجُمعت المتدربات في الجوامع والمساجد. 

وقامت فاطمة، بتوزيع استمارات رسمية في الجوامع والحسينيات، لتملأها النسوة للدراسة، فيعلن الجامع عبر المكبرات والسماعات، عن أوقات الدراسة بحسب الفصول الدراسية وأعمار النساء أيضاً. 

إقرأوا أيضاً:

الفردوس 

لم يكن الموضوع سهلاً، بالنسبة إلى البهادلي، فجميع هذه الخطط، تحتاج إلى وقت وجهد كبيرين، وإرادة حديدية، وقدرة على التحمل، وهذا ما فعلته الناشطة، بعدما أسست جمعيتها “الفردوس” لتعليم النساء.

وصلت البهادلي إلى أكثر من 3000 امرأة وقامت مع فريقها، بتدريسهن، وحثهن على تجاوز حاجز الصف الابتدائي السادس في مطلع عام 2006 من دون أي دعم حكومي أو خاص. وأصبحت طريقة التدريس هذه قانونية بفضل جهود الجمعية وبالتعاون مع مديرية التربية، فأصبحت شهادة الجمعية، موثقة قانونياً من وزارة التربية.  

ساعدت فاطمة آلاف النساء في القرى والأرياف، وعبّرت عن معاناتهن والمشكلات التي يواجهنها، كالزواج القسري، وتزويج القاصرات… وتواصلت مع مختلف الوزارات لحماية النساء والدفاع عن حقوقهن. 

أكدت لي في أحد الحوارات، أن عامي 2006 و2007، كانا خطرين للغاية، على الجمعية ونسائها بخاصة المدرسات من ذوي الديانات الاخرى، اذ تعرضت سيدات للتهديد وأجبرت أخريات على مغادرة العراق. كما أن المسيحيات والمندائيات، كن يرتدين الحجاب بشكل دائم، لابعاد الخطر، لكنّهنّ صممن على مواصلة العمل من أجل مساعدة النساء. أما فاطمة، فكانت تتعامل مع كل تهديد جديد لها، بالانزواء بضعة أسابيع في قرى ميسان، أو النجف، فيما تنهي عملها عبر الاتصالات بالمتطوعين. 

التطوع الذي لا ينتهي 

ساعدت جمعية “الفردوس” برئاسة البهادلي، 160 سيدة في الحصول على فرص عمل للتدريس في مختلف المدارس، وبدأت الجمعية برامجها في التمكين الاقتصادي، وكافحت من أجل تفعيل قانون العنف الأسري بعد حل موضوع الزواج خارج المحكمة من قبلها، وتمكنوا من بناء بعض المدارس في المناطق النائية والقرى والأرياف، كما ساهمت “الفردوس” في تمكين النساء من الدخول في المعترك السياسي. 

كَرّمت منظمة “فرونت لاين ديفندرز الآيرلندية” Front Line Defenders، فاطمة البهادلي بمناسبة اليوم العالمي للمدافعين عن حقوق الإنسان لجهودها الكبيرة في الدفاع عن حقوق المرأة العراقية، وكانت واحدة من بين 5 سيدات كرمتهن المنظمة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا عام 2020، أما في بلدها فكان التكريم أن يُسرق ولداها منها. 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
مارسيل نظمي
التطرف لم يهبط علينا من السماء كمؤامرة مدبرة من بلدان خارجية للتفرقة بيننا، كما يتم الترويج في الإعلام والندوات الثقافية، لكنه نتاج تصورات مسمومة تسللت بشكل تراكمي عبر الكيانات الدينية والاجتماعية والسياسية في مصر حتى بات التطرف طبيعة يصعب حصارها.
Play Video

3:01

Play Video

5:49

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني