fbpx

القبيات تصرخ:
الحريق مفتعل… وخسرنا ثروتنا البيئية

منذ لحظة اندلاع الحريق هناك سخط وغضب كبير على الدولة وأجهزتها ونوّاب المنطقة. العوامل الطبيعية زادت من هوّل الكارثة ولكن كيف يعقل لمنطقة تكسوها الغابات وتتجدد فيها الحرائق سنويا أن لا يكون هناك خطة عمليّة لادارة الكوارث؟

 كنا كلما أردنا استفزاز اصدقاءنا القبياتيين نطلق على القبيات لقب:”موناكو عكار”. جزيرة صغيرة من المنازل تحيط بها الغابات، تكثر فيها المقاهي والمطاعم التي تجمع أبناء القبيات والقرى المحيطة وقد توّجت البلدة كأجمل قرية في لبنان عام 2019. أصبحت القبيات في الفترة الاخيرة مقصدا لهواة المشي في الطبيعة والتخييم وازدهرت فيها المشاريع التي تعتمد على السياحة البيئية من بيوت ضيافة وغرف للإيجار. غابات القبيات كانت مصدر فخر للقبياتيين، فمن المستحيل ان تزورها من دون المرور بوادي حلسبان أو أن تسلك ” طريق الجرد” المظلل بأشجار الصنوبر وصولا الى اعالي البلدة حيث يكثر شجر الشوح والأرز واللزاب.

المشهد الآن مختلف، النيران أتت على كل الاشجار تقريبا. الحريق الذي اندلع من منطقة القطلبة وهي واحدة من أحياء القبيات وسميت كذلك نسبة الى شجر القطلب سرعان ما توسع صعودا نحو جبل المرغان وجبل برج البيئة لينتقل بعدها الى وادي عودين ويحاصر دير مار الياس وينتقل بعدها الى السفح الشرقي او المنطقة التي تسمى بالشرقي صعودا حتى جبل اكروم وصولا الى منطقة اكوم السوريّة، لتنتقل النيران وبفعل تغيّر اتجاه الهواء الى منطقة الرويمة وبيت جعفر والبستان. رقعة كبيرة من غابات الصنوبر البرّي والسنديان بالإضافة الى الأرز والشوح قضيّ عليها بوقت قياسي. الحريق بدأ تقريبا عند الساعة الثالثة بعد الظهر وبحسب شهود عيّان من منطقة القطلبة سرعة انتشار النيران كانت مهولة وبغضون دقائق كانت السنة اللهب تلامس العشرين مترا وتمتد بسرعة لتلامس بعض المنازل على أطراف القريّة وتحاصر السكان حيث ساعد التدخل السريع للصليب الاحمر اللبناني والدفاع المدني على اجلاء العالقين في المنازل وتأمين الاوكسيجين والاسعافات الاوليّة لهم. بحسب بعض الشباب الذين كانوا من اوائل المتدخلين، الحريق مفتعل لأن سرعة انتشاره وارتفاع اللهب ولون الدخان الغريب يؤكد ذلك وبالنسبة لهم كانوا يتوقعون حصول ذلك نظرا لازمة المحروقات وارتفاع أسعار المازوت ومحاولة الاهالي ايجاد بديل للتدفئة في الشتاء القارص. يعتقد البعض الآخر أن تكرار اسطوانة افتعال الحرائق من دون إيجاد دليل واضع هو افتراء وكلام لا قيمة له خاصة أن مؤشر الحرائق الصادر عن مرصد جامعة البلمند كان قد حذّر من إمكانية عالية لنشوب حريق في المنطقة بناءً على عدة عوامل وخصائص منها الأرصاد الجوية والغطاء النباتي الكثيف في المنطقة.

 أنطوان ضاهر، ابن بلدة القبيات، الناشط البيئي المعروف وأحد مؤسسي مجلس البيئة في القبيات أكد ان الحريق كبير ولم تشهد المنطقة مثيلا له منذ 15 سنة من ناحية سرعة الاشتعال والانتقال والمساحة الكبيرة التي غطتها النيران ويقدر قطرها بحوالي ال 20 كيلومتراً. ضاهر لا يستبعد فرضية الحريق المفتعل خاصة في هذه الظروف الاقتصادية الصعبة ويعزز كلامه بسرعة انتشار النيران، فبحسب قوله بعد اندلاع الحريق بحوالي العشرين دقيقة أصبح من المستحيل السيطرة عليه. عوامل عدة ساهمت بانتشار النيران وصعوبة السيطرة عليها منها وعورة المنطقة وصعوبة الوصول اليها بالإضافة إلى ارتفاع ألسنة اللهب وعدم التمكن من الاقتراب وكثافة الدخان التي أعاقت عمل المتطوعين الغير مجهزين. بحسرة يكمل انطوان كلامه :” خسرنا ثروتنا البيئية التي كنا نتغنى بها” ويلوم تقاعس القوى الامنية واجهزة الرقابة التي لم تقم يوما بتحقيق جديّ لمعرفة مفتعلي الحرائق ومعاقبتهم. بالنسبة لانطوان الأهم اليوم هو مرحلة ما بعد الحريق والتعامل معها بطريقة بيئية وعلمية وحماية رقعة الغابات المحترقة من الرعي والقطع الجائر للأشجار وحتى التشجير فالطبيعة قادرة على تجديد نفسها والاهم هو الاستعداد والجهوزية لان موسم الحرائق ما زال في بدايته وهو يمتد حتى شهر تشرين الثاني.

من جهته ألاب نسيم قسطون ابن القبيات والناشط والمبادر في مجال إدارة الأزمات والكوارث أثنى على جهود الجميع من أبناء القرية والقرى المحيطة ومراكز الدفاع المدني والجيش وسرعة استجابتهم للنداءات. يؤكد الأب نسيم أن المشكلة لم تكن في العدد، مئات من المتطوعين توجهوا الى الحريق فوّرا مستعينين بمعدات احضروها معهم من رفوش ومرشات للمياه وعدد كبير منهم كانوا يستعملون غصون الأشجار لإخماد النيران. بالنسبة له المشكل الأساسي كان غياب التنسيق وعدم وجود خطة ومئات المتطوعين وجدوا أنفسهم عاجزين عن فعل أي شيء بغياب من يرشدهم أو ينسق معهم تحركاتهم بالاضافة الى غياب الآليات التي بعضها معطل وافتقار مركز الدفاع المدني للمعدات اللازمة من خراطيم مياه طويلة إلى الألبسة الواقية.  

أحد سائقي الدفاع المدني من مركز القبيات كان يصرخ: ” جهنم، الوضع فوق جهنم”. كان يرينا بعد الصوّر التي التقطها بهاتفه للنيران في منطقة الرويمة. جلس متكئا على سيارة الاطفاء يشرح لنا الوضع وكيف أنه من الصعب الاقتراب من النار وتعذر وصول الآليات الكبيرة وعدم وجود خراطيم مياه كافية للوصول إلى النيران. يرن هاتفه يتكلم لثواني معدودة ويقول:” استشهد متطوع من مركز اكروم”.

إقرأوا أيضاً:

المشهد فعلا مرعب، بحسب وصف أحد المواطنين: “نقترب من النار في محاولة إطفائها نتبادل الرفوش والمعدات ونحاول الاقتراب من مصادر النار علّنا نوفق بإنقاذ شجرة فيعلو الصراخ فجأة طالبين منا الانسحاب لأن الهواء يزداد سرعة، ماهي ثواني حتى ترتفع ألسنة اللهب عاليا فيصبح من الصعب البقاء فننسحب بانتظار رقود الهواء لنعاود مجددا الدخول الى الاحراش”. ويضيف: “أطفال وشباب وكهول، الجيش اللبناني كان حاضرا بكثافة. سيارات تمرّ وتترك قناني المياه، سندويشات، فواكه.  رجال على جراراتهم الزراعية المزودة بخزانات وصلوا ايضا، شباب مع مرشات تستعمل عادة لرش المبيدات حاولوا تبريد الأرض. نسمع صوت الطائرات فتنفرج أسارير الموجودين، تتوارد الأخبار على الهواتف: قبرص سترسل طائرات، موكب كبير من سيارات الإطفاء سيصل، تم السيطرة على الحريق في النقطة الفلانية تزداد عزيمة الشباب، يدخلون النار في محاولة لتسجيل انتصار ايضا، يرن الهاتف مجددا: الطريق مقطوع في القلمون وعكار والآليات القادمة من بيروت غير قادرة على الوصول، تجدد الحريق في عندقت، حريق آخر في قرية بزال، استشهاد طفل في اكروم. نجلس على قارعة الطريق منكسرين كأنه لا أمل في الانتصار على وحش النار هذا”. 

في اتصال مع أحد الناشطين في مجموعة درب عكار أكد أن هذا الحريق هو من الأكبر في تاريخ لبنان. البارحة كان يوما حافلا لهم فهم انتقلوا من قرية مشمش الى القبيات على متن سيارات مجهزة للتدخل السريع في حالة الحرائق ثم انتقلوا الى قرية بزال واليوم يتواجدون في منطقة أكروم”. المنظر مرعب من أكروم” وشبه غياب لآليات الدفاع المدني، سيارة إطفاء واحدة تكافح الحريق والأهالي والمزارعين يحاولون بالوسائل المتوافرة حماية الأحراش والمحاصيل والاشجار.

الطيران السوريّ تدخل صباح اليوم في منطقة أكروم ومنطقة أكوم السورية المحاذية للحدود. بحسب درب عكار الذين يملكون طائرة مسيّرة تمكنهم من تحديد النقاط التي تستوجب تدخلا سريعا. يقول ” المنظر من فوق مرعب” احتراق غابات على امتداد حوالي 30 كيلومترا، غابات من الصنوبر البرّي والسنديان بالإضافة إلى عدد من شجر الأرز والشوح وأنواع كثيرة من الازهار والنباتات التي كان فريق درب عكار يعمل على توثيقها بالاضافة الى الخسارة الكبيرة في الحيوانات البريّة والطيور التي كانت هذه الغابات تشكل ملجأ لها من السناجب والثعالب والضباع وأنواع كثيرة من العصافير والطيور. بحسب درب عكار نحتاج لسنين طويلة قبل استعادة التنوع البيولوجي الذي كان موجودا في هذه الغابات وان هذا الحريق يعرف بالحريق التاجيّ نظرا لشدة الانحدار في المنطقة حيث تمتد النيران على رؤوس الأشجار مما يزيد من ارتفاع اللهب حوالي المئة متر  مما يصعب عملية الاقتراب ومحاولة الإطفاء. عتب هذا الناشط كبير على الدولة والقوانين التي تمنع التشحيل او انشاء ممرات  للطوارئ داخل الغابات أو حتى تنظيف الغابات من الأوراق والغصون اليابسة بالاضافة الى غياب غرفة عمليات تتولى عملية التنسيق ووضع الخطط فلا يعقل أن يكون هناك 30 الية في منطقة وان تترك باقي المناطق وحيدة أمام النار. يشدد على أننا ما زلنا في بداية موسم الحرائق والأولوية الآن هي لتفعيل مجموعات الرصد والإنذار المبكر لعدم تكرار ما حدث والأهم هو مرحلة ما بعد الحريق وأن تستمع البلديات لرأي الخبراء في كيفية التعامل مع الغابات المحروقة وعدم السماح بالمساس بها وان نترك للطبيعة تجديد نفسها.

“نقترب من النار في محاولة إطفائها نتبادل الرفوش والمعدات ونحاول الاقتراب من مصادر النار علّنا نوفق بإنقاذ شجرة فيعلو الصراخ فجأة طالبين منا الانسحاب لأن الهواء يزداد سرعة، ماهي ثواني حتى ترتفع ألسنة اللهب عاليا فيصبح من الصعب البقاء فننسحب بانتظار رقود الهواء لنعاود مجددا الدخول الى الاحراش”

في وادي عودين الذي يقع في عندقت الوضع كارثي، استحالة وصول آليات الدفاع المدني الى الحريق وصعوبة إيصال خراطيم المياه بسبب كثافة الغابات. صارع العندقتيون طوال الليل للوصول الى الحرش المواجه للقرية عبر السير مشيا في طرقات كانوا يشقونها بأيديهم في محاولة لمنع تمدد النار، سيارة إطفاء واحدة كانت موجودة في المنطقة. بحسب أحد المتطوعين وردهم اتصال عن حريق في القبيات فتوجهوا فوّرا الى المكان وما أن وصلوا حتى اكتشفوا ان النيران قد امتدت ووصلت الى وادي عودين ليعودوا مسرعين في محاولة لمنع تمدد النار الى ” السفح الشرقي” ولكن بسبب سرعة الهواء كانت النار أسرع ووصلت الى اكروم. أحد المتطوعين قال انه في بعض الأماكن كانت سماكة أوراق الصنوبر الإبرية تحت الأشجار تتجاوز المتر مما سرع في عملية اشتعال الحرش وكثافة الدخان منعتهم من الاقتراب من النيران. الدوّر البارز كان لنادي عندقت الرياضي ورئيسه طاني حنا الذي كان متواجداً منذ اللحظة الاولى مؤمنا الدعم اللوجستي وبحسب بعض أعضاء النادي فأن الطريق الذي يسمّى “طريق جدودنا” والذي كان للنادي الفضل بإنشائه قد سهل كثيرا عملية الوصول الى الجبل. البلدية أيضا كانت حاضرة وكان لافتا تغريدة رئيس بلدية عندقت المهندس عمر مسعود يطالب فيها المدعي العام البيئي بفتح تحقيق حول الحرائق التي اسماها ” حرائق مفتعلة”.

منذ لحظة اندلاع الحريق هناك سخط وغضب كبير على الدولة وأجهزتها ونوّاب المنطقة. العوامل الطبيعية زادت من هوّل الكارثة ولكن كيف يعقل لمنطقة تكسوها الغابات وتتجدد فيها الحرائق سنويا أن لا يكون هناك خطة عمليّة لادارة الكوارث؟

على سطح سيارة للدفاع المدني وأثناء توجهنا الى الجرد كنّا من كلّ عكار: من القبيات شاب صغير قال لنا ان غدا موعد امتحاناته الرسمية ولكنه فضّل المساعدة في إطفاء الحريق، شابين من بلدة البيرة قالوا له لا تخف غدا صباحا نقطع الطريق وهكذا لن تصل الى مركز تقديم الامتحانات، شباب اخرون عرفوا عن أنفسهم أنهم من ثوّار العبدة وببنين أتوا للمساعدة، أحدهم استعمل كلمة طائر الفينيق ليرد آخر :” إن رأيت طائر الفينيق هذا سأشويه هنا على جمر الشجر المحترق”. انتهى الليل، الحريق مستمر، وعجزنا عن التغيير مستمر.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
علي كريم إذهيب – صحافي عراقي
“الأرقام تبدو مشجعة بالنسبة إلى مشاركة النساء في الانتخابات حيث يمثلن 30 في المئة من المرشحين وهذا من شأنه تحقيق التوازن في صنع القرار”
Play Video
بعد 16 عاماً من توليها منصب المستشارة الألمانية، قرّرت أنغيلا ميركل مغادرة الساحة السياسية بسيرة ذاتية حافلة بالدفاع عن الحقوق المدنية وحقوق اللاجئين وانتقادات لمساوتها مع قوى استبدادية عالمية… من هي أنغيلا ميركل؟

2:52

Play Video
يكشف هذا التحقيق عمليات تجنيد الأطفال السوريين من قبل المليشيات الإيرانية وتلك التي تتلقى دعماً إيرانياً، وعمليات التضليل الإعلامي التي يتم استخدامها من قبل هذه المليشيات والمؤسسات الثقافية والدينية الإيرانية لهذا الغرض.

1:51

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني