fbpx

جدل في تونس:
قرارات قيس سعيد… انقلاب أم إنقاذ؟

يذهب البعض إلى توصيف قرارات سعيد بأنها أشبه بـ"انقلاب" كان لا بد منه بالنظر إلى ما آلت إليه الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بفعل إصرار الحكومة وحزامها السياسي على العناد والمكابرة والمضي في سياسات أغرقت البلاد في أسوأ أزمة.

أثارت قرارات الرئيس التونسي قيس سعيد بتجميد أنشطة البرلمان وسلطاته وحل الحكومة وإعفاء رئيس الوزراء هشام المشيشي من منصبه وتوليه رئاسة السلطة التنفيذية ورئاسة النيابة العمومية، ونشر قوات الجيش حول عدد من المؤسسات الحكومية وإعفاء وزيري الدفاع والعدل، جدلاً وتبايناً في المواقف والآراء حول مدى شرعية تلك القرارات، وما إذا كانت انتهاكاً للدستور. فالمشهد بتطوراته الراهنة يُشكل منعطفاً يؤسس لمرحلة جديدة تبدو محفوفة بالمخاطر على أكثر من صعيد أمني وسياسي واقتصادي ودستوري.

الرئيس التونسي أعلن أنه يتحمل مسؤولية قراراته، مشدداً على أنها لا تشكل انقلاباً كما يروج البعض ولن تمس بالمكتسبات التي تحققت بعد ثورة يناير 2011، مؤكداً صون الحريات الخاصة والعامة وحرية التعبير. 

وفي ظل هذه التطورات يستحضر تونسيون معظمهم من  مؤيدي حركة “النهضة” الإسلامية أو من الأحزاب المتحالفة معها، “الانقلاب” عنواناً لتلك الإجراءات التي تعتبر بالمنطق السياسي من أكثر القرارات إثارة للجدل في مشهد سياسي مضطرب، وسط حالة احتقان اجتماعي ممتدة منذ تولي الائتلاف الحكومي الذي هيمن عليه الإسلاميون، السلطة.

في المقابل، يعتبر تونسيون تلك القرارات تصحيحاً للمسار وإنقاذاً للبلاد من حالة الانسداد والأزمات متعددة الرؤوس (سياسية واقتصادية وصحية واجتماعية) بغض النظر عن شرعيتها الدستورية من عدمها، وهي في رأي كثيرين نتاج سنوات من الفوضى واستشراء الفساد وهيمنة لوبيات المنظومة التي تحكم البلاد منذ ثورة كانون الثاني/ يناير 2011 بقيادة حركة “النهضة” الإسلامية التي شكلت الضلع الرئيسي في ائتلافات ما يعرف بـ”الترويكا”.   

ولا يمكن أيضاً النظر إلى تلك القرارات بمعزل عن حالة الشدّ والجذب بين رأسي السلطة خلال الأشهر الأخيرة على خلفية تعديل وزاري أجراه المشيشي وتضمن أسماء حولها شبهات فساد وتضارب مصالح، ما دفع الرئيس قيس سعيد للاعتراض عليها ورفض أن يؤدي الوزراء محل الشبهات اليمين الدستورية أمامه، ليفضي هذا الوضع إلى قطيعة سياسية بين الرئيس ورئيس الحكومة المدعوم من حزام سياسي شكلته حركة “النهضة” وحلفاؤها. 

ويذهب البعض إلى توصيف قرارات سعيد بأنها أشبه بـ”انقلاب” كان لا بد منه بالنظر إلى ما آلت إليه الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بفعل إصرار الحكومة وحزامها السياسي على العناد والمكابرة والمضي في سياسات أغرقت البلاد في أسوأ أزمة.

 فبينما كان الوباء يفتك بالتونسيين مع عجز الدولة عن كبح تفشي العدوى، كانت حركة “النهضة” الشريك الرئيسي في الائتلاف الحكومي، تعد لإقرار تعويضات بمئات ملايين الدولارات لمنتسبيها وقياداتها التي تقول إنهم تضرروا من حكم النظام السابق، بينما تئن البلاد تحت وطأة أسوأ أزمة مالية. حصل ذلك بينما يغرق التونسيون في الفقر والبطالة بالموازاة مع تردي القدرة الشرائية وموجة غلاء غير مسبوقة.

وعلى رغم أن قرارات الرئيس التونسي حظيت بترحيب في أوساط شعبية عكسته الاحتفالات الليلية، إلا أنها أثارت في المقابل مخاوف على مكاسب الثورة التونسية ومنها التعددية الديموقراطية والحريات العامة وحرية التعبير. قيس سعيد طمأن بأنه لا مساس بتلك المكاسب وأن ما حصل لم يكن انقلاباً، مؤكداً أن الأمر يتعلق بإنقاذ تونس من “العصابات واللصوص”.

وزاد من تلك المخاوف قيام قوات الأمن التونسية باقتحام مكتب قناة “الجزيرة” القطرية وإغلاقه، وهي خطوة وصفها مدير المكتب لطفي حجي بأنها “سابقة” لم تحدث مع أي وسيلة إعلامية أخرى، معتبراً ما حدث “خطوة كبيرة للوراء”. 

إقرأوا أيضاً:

وفيما وصفت حركة “النهضة” وحلفاؤها ما حدث بانقلاب على الشرعية وعلى الدستور، أعلن حزب “حركة الشعب” (يسار) مساندته قرار الرئيس التونسي بتجميد سلطة البرلمان لمدة شهر.

الاتحاد العام التونسي للشغل أكبر مركزية نقابية في تونس وصاحب تأثير سياسي واجتماعي قوي، شدد في بيان أصدره بعد اجتماع طارئ على ضرورة أن يُرفق الرئيس قيس سعيد التدابير الاستثنائية التي أعلنها وفق مقتضيات الفصل 80 من الدستور، بجملة من الضمانات الدستورية وعلى رأسها “ضبط أهداف التدابير الاستثنائية بعيداً من التّوسع والاجتهاد والمركزة المفرطة وتحديد مدّة تطبيق الإجراءات الاستثنائية والإسراع بإنهائها حتّى لا تتحوّل إلى إجراء دائم”.

وذكّر أيضاً بأنه سبق أن نبه في أكثر من مرة من الأزمة التي تردّت فيها البلاد، مضيفاً أنها (الأزمة) “قد بلغت اليوم أقصاها ووصلت إلى حدّ تعطّل دواليب الدولة وتفكّك أواصرها وأجهزتها وتردّي الوضعين الاجتماعي والاقتصادي وتعمّق معاناة الشعب وتزايد الفوارق بين الفئات والجهات وتفشي الفساد ونهب المال العام”.

وأشار إلى أنه نبّه “لاستشراء مظاهر المروق على القانون وخرقه بالغلبة طوراً وبتطويع التشريعات والأجهزة ومنها القضاء تارة لمصلحة لوبيات متنفّذة وأطراف استباحت الحقوق والبلاد ورهنتها في سياسة دينية خطيرة فرّطت في السيادة الوطنية، وقد حان الوقت لتحميل المسؤوليات وإنهاء هذه الحقبة التي وضعت تونس على صفيح من نار”. 

وشدد المكتب التنفيذي الوطني لـ”الاتّحاد العام التونسي للشغل” في ختام اجتماعه الطارئ على “رفضه لجوء أيّ طرف مهما كان موقعه أو موقفه أو دواعيه إلى العنف”. 

محمد عبو الوزير الأسبق والأمين العام السابق لـ”حزب التيار الديمقراطي” الذي كان أحد أضلع الترويكا الأولى والثانية التي قادتها حركة “النهضة” بعد ثورة يناير 2011، اعتبر أن ما قام به الرئيس قيس سعيد ليس انقلاباً، مضيفاً أن لا المؤسسة الأمنية ولا العسكرية قامت بانقلاب.

وتابع أن ما يقوم به سعيد هو معركة ضد الفساد، مضيفاً أن قيادات في حركة النهضة متورطة في الفساد حتى النخاع، متهماً الحركة الإسلامية بتكوين عصابة داخل الدولة.

أكثر من جهة سياسية أيدت قرارات الرئيس التونسي، لكنها لم تخف في المقابل مخاوفها من عودة الدكتاتورية وسلطة الفرد الواحد.

على رغم أن قرارات الرئيس التونسي حظيت بترحيب في أوساط شعبية عكسته الاحتفالات الليلية، إلا أنها أثارت في المقابل مخاوف على مكاسب الثورة التونسية ومنها التعددية الديموقراطية والحريات العامة وحرية التعبير.

“حزب العمال اليساري” رأى أن “تصحيح مسار الثورة لا يكون بالانقلابات وبالحكم الفردي المطلق”، في أول تعليق له على قرارات الرئيس قيس سعيد.

وقال في بيان، “من الناحية القانونية هو خرق واضح للدستور ولأحكام الفصل 80 الذي اعتمده ومن الناحية السياسية إجراءات استثنائية معادية للديموقراطية تجسّد مسعى سعيد منذ مدة إلى احتكار كل السلطات، التنفيذية والتشريعية والقضائية، بين يديه وتدشن مسار انقلاب باتجاه إعادة إرساء نظام الحكم الفردي المطلق من جديد”.

واعتبر أن قرارات سعيد تؤسس لمرحلة جديدة، من شأنها أن تفاقم خطورة الأوضاع المتأزمة التي تعاني منها البلاد على جميع الأصعدة، بل قد تؤدي إلى سقوطها في دوامة العنف والاقتتال والإرهاب.

وحزب العمال عضو في ائتلاف أحزاب يسارية كانت اتهمت “النهضة” بالتورط في اغتيال كل من السياسي اليساري والحقوقي شكري  بلعيد والنائب السابق محمد البراهمي قبل سنوات في أول اغتيالات سياسية ضربت تونس. 

وعلى رغم معارضته لقرارات الرئيس التونسي، دعا حزب العمال إلى إسقاط منظومة الحكم برمتها: رئاسة وبرلماناً وحكومة، مشدداً على ضرورة محاسبة رؤوس هذه المنظومة وفي مقدمتها حركة “النهضة”.

واتهم المنظومة السياسية بأنها “تسببت في خراب اقتصادي وإفلاس مالي وتفشي الفساد والإرهاب والاغتيالات السياسية وإغراق البلاد في التبعية والمديونية وتدمير أركان حياة التونسيات والتونسيين”. 

الرئيس التونسي الأسبق المنصف المرزوقي عبر عن رفضه قرارات سعيد، معتبراً أنها “انقلاب”، مضيفاً في رسالة نشرها في “فايسبوك”، “ما وقع الليلة انقلاب وخرق للدستور. سعيّد خرق الدستور الذي أقسم عليه وأعطى لنفسه كل السلطات”.

وقال إن الرئيس التونسي اعتبر نفسه رئيسا للجهاز التنفيذي (رئيس الحكومة) والقاضي الأول”، محذرا من أنه في حال “نجح الانقلاب سيتدهور الوضع الاقتصادي والصحي (للبلاد) أكثر”. كما اعتبر أن سعيد أصبح أكبر مشكلة لتونس وأن ما حدث يعتبر “قفزة جبارة إلى الوراء”.

والمرزوقي حليف سابق لـ”النهضة”، لكنها تخلت عنه في الانتخابات الرئاسية عام 2014 التي فاز فيها الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي والذي اضطر بدوره للتحالف مع الإسلاميين بمنطق أن “تونس لا تحكم إلا بالتوافقات”. 

ولاحت إثر القرارات بوادر صدام بين أنصار قيس سعيد وأنصار النهضة أمام البرلمان لكن الاحتكاكات كانت محدودة في معظمها بينما تبقى احتمالات التصعيد واردة.

وقد يسرّع سعيد في تعيين رئيس وزراء جديد للتعامل مع الأزمة الوبائية والانهيار الاقتصادي، ولاحتواء التوتر على جبهة الخصوم، من دون أن يعود عن القرارات التي أعلنها. وقد يلجأ إلى تسويات سياسية تحقق الأهداف المعلنة من قراراته بما فيها ضبط الانهيار وهذا الأمر يتطلب توافقات وترتيبات مع قوى سياسية ومع الاتحاد العام التونسي للشغل، صاحب النفوذ الاجتماعي والسياسي القوي.

الناشط السياسي عدنان منصر اعتبر أن الانتقال الديمقراطي كان وصل إلى مداه قبل حركة قيس سعيد، وتحول في نظر عدد كبير من التونسيين، وبالممارسة والتجربة، إلى احتيال ديموقراطي. قيس سعيد جسد لدى هؤلاء الشخصية التي ستجهز عليه. 

وقال لـ”درج”، “هناك سؤال يطرح: هل كان تغيير الأمور ممكناً دون حركة، كالتي فعلها قيس سعيد؟ بالفعل لقد تم إغلاق أي آفاق لتغيير عميق في الوضع، سواء بالدستور أو بالقوانين أو الممارسة القمعية. الرغبة في ترسيخ الهيمنة بالتحكم الكامل في الفضاء السياسي أدى إلى احتقان جعل الثمرة تنضج، ثم جاء قيس وقطفها”.

وأضاف، “موضوع الحريات موضوع مهم جداً. على قيس سعيد ألا يستهين بهذا الموضوع. هذا الموضوع هو الذي دفع الناس للخروج مرات كثيرة منذ 2011، وآخرها يوم 25 تموز/ يوليو من مصلحة قيس ألا ينسى ذلك، وأن يفهم أن ما يراه من ابتهاج هو رصيد سريع التآكل”.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
علي كريم إذهيب – صحافي عراقي
“الأرقام تبدو مشجعة بالنسبة إلى مشاركة النساء في الانتخابات حيث يمثلن 30 في المئة من المرشحين وهذا من شأنه تحقيق التوازن في صنع القرار”
Play Video
بعد 16 عاماً من توليها منصب المستشارة الألمانية، قرّرت أنغيلا ميركل مغادرة الساحة السياسية بسيرة ذاتية حافلة بالدفاع عن الحقوق المدنية وحقوق اللاجئين وانتقادات لمساوتها مع قوى استبدادية عالمية… من هي أنغيلا ميركل؟

2:52

Play Video
يكشف هذا التحقيق عمليات تجنيد الأطفال السوريين من قبل المليشيات الإيرانية وتلك التي تتلقى دعماً إيرانياً، وعمليات التضليل الإعلامي التي يتم استخدامها من قبل هذه المليشيات والمؤسسات الثقافية والدينية الإيرانية لهذا الغرض.

1:51

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني