تونس على ضفاف “السيساوية”:
كيف نتجنّب السيناريو الأسود؟

المعضلة في تونس حالياً، هي فشل في إدارة الفترة الانتقالية وقتلها بأولوية التوافق، وانفصال أحوال السياسة عن أحوال الناس، وظهور شعبوي سلطوي يقتنص الفرص للانقضاض على التجربة الدستورية الهشة أصلاً.

لا تزال الصورة غير واضحة في تونس، عقب قرارات الرئيس قيس سعيّد، القاضية بعزل رئيس الحكومة، هشام المشيشي، وتجميد عمل البرلمان، فالجيش الذي منع فعلاً نواب الشعب على رأسهم رئيس البرلمان، راشد الغنوشي، من دخول مبنى البرلمان، بدأ منحازاً لسعيّد، غير أن هذا الانحياز يصعب تحديد مداه والجزم بأن يكون مطلقاً. كما لا يبدو واضحاً ما إذا كان سعيّد يسعى إلى إقصاء الطبقة السياسية كلها، أم يريد تصفية حركة “النهضة” التي استُهدفت مقراتها قبل ساعات من قرارات الرئيس، ما دفع البعض إلى الربط بين الحدثين، انطلاقاً من سيناريو يقضي بإخراج الحركة الإسلامية من الحكم، وربما استئصالها نهائياً على غرار التجربة “السيساوية” (نسبة إلى عبد الفتاح السيسي).

صحيح أن الأحزاب السياسية بما فيها المعارضة لـ”النهضة”، أصدرت بيانات ضد قرارات سعيّد، لا سيما تأويله للفصل 80 من الدستور، لكن الغنوشي وحده تحرك نحو البرلمان وجمع أنصاره للدعوة إلى “حماية الثورة والدستور”، ما يعني انقساماً مدنياً- إسلامياً، غير متبلور، بشكل مباشر خصوصاً أن النهضة بنت توافقات مع قوى متعددة، لكنه قابل للتبلور في أي لحظة، إذ إن القوى السياسية لديها استعداد للانخراط في أي معادلة جديدة على حساب النهضة، التي تشعر بأنها مستهدفة وتتحرك على هذا الأساس. أي أن القوى السياسية غير معنية بالدفاع عن ما بني من قواعد دستورية ضعيفة في البلاد بعد الثورة، بقدر ما هي معنية بإعادة إنتاج نفسها، بعد فقدان الشارع ثقته بها. “النهضة” لم تكن خارج، نقمة الشارع، لكنها تختلف عن بقية القوى بامتلاك بعد عقائدي– تعبوي يمكنها من التقدم في أي انتخابات، واستغلال ضعف الاخرين، وانفصالهم عن مصالح المجتمع، وهو ما حصل في الانتخابات الأخيرة حيث حصدت أكبر كتلة وبنت توافقات، سريعاً ما تأرجحت، وسط أوضاع سياسية شديدة التقلب.

إن استغلال ما يحدث للتصويب على “النهضة” بهدف تصفيتها، انطلاقاً من كونها إسلاماً سياسياً، وليست جزء من منظومة حكم غير منتج، ستكون له نتائج سلبية.

 أزمة الثقة بين الأحزاب والناس، كانت نتيجة لضعف تأثير القواعد الدستورية لممارسة الحكم على أحوال المجتمع ومصالحه، فالتوافق الممل، أفرغ السياسة من كونها إدارة للشأن العام، وحول مؤسسات الحكم إلى لعبة مساومات وصراعات بين الأحزاب والقوى لا تبالي بأوضاع الناس ولا تنعكس على مصالحهم. ما يعني أن الفترة الانتقالية، التي كان من يفترض، أن تشهد تقوية المؤسسات، للانتقال إلى دولة تدير مصالح مواطنيها، أصبحت غاية بحد ذاته، وحلقة مفرغة، انتقال ينتج الانتقال، بدل أن يتطور، نحو ديموقراطية راسخة.  

وانهيار الحزبية والسياسة، ضمن عملية انتقالية تأكل نفسها، كانت تتمته الطبيعية، عند شعبوي مثل قيس سعيّد، ربح انتخابات الرئاسة، نتيجة عاملين، خوف التونسيين من وصول منافسه قطب الإعلام المتهم بالفساد نبيل القروي للسلطة، واليأس من الطبقة السياسية المنشغلة بالتوافقات التي لا تترك أي أثر على حياة الناس. واليوم، لا يوجد أفضل من الظروف الحالية حيث الأحوال الاقتصادية المتردية، وخروج “كورونا” عن السيطرة، وتصاعد النقمة على السياسيين، ليعلن سعيّد قراراته.

إقرأوا أيضاً:

من هنا، فإن، المعضلة في تونس حالياً، هي فشل في إدارة الفترة الانتقالية وقتلها بأولوية التوافق، وانفصال أحوال السياسة عن أحوال الناس، وظهور شعبوي سلطوي يقتنص الفرص للانقضاض على التجربة الدستورية الهشة أصلاً. بهذا المعنى “النهضة”، مسؤولة عن مشكلات البلد، ضمن مناخ سياسي واسع، وقائم على التوافق، غير أن الأخير، له مستوى آخر للفهم، غير ذاك المتعلق بالعلاقة التي أصابها الشلل بين السياسة والمجتمع في تونس. فهم يرتبط بتمايز الحركة عن أقرانها، من أحزاب الإسلام السياسي في المنطقة لا سيما مصر. فهي دخلت في تسويات سياسية، مع قوى مدنية، على عكس حزب “العدالة والحرية” في مصر الذي احتكر السلطة، بذريعة الشرعية، وحاول التوغل في مؤسسات الدولة، فضلاً عن أن علاقة النهضة بالعنف تكاد لا تذكر قياساً بحركات إسلامية أخرى في المنطقة، يضاف إلى ذلك وجود شخص مثل راشد الغنوشي، في قيادة الحركة، قام بمراجعات معمقة خلال وجوده في الغرب، وله مواقف متقدمة في قضايا كثيرة، غالباً ما تحرج أتباع الإسلام السياسي في العالم العربي، وتحرج أتباع الحركة أيضاً. أي أن الحركة تمارس التوافق، ضمن قواعد دستورية غير صلبة، ما يجعله إيجابياً لناحية قبولها بالآخر السياسي، وسلبياً لناحية الفاعلية وتحسين ظروف الناس.

وعليه، فإن استغلال ما يحدث، للتصويب على “النهضة” بهدف تصفيتها، انطلاقاً من كونها إسلاماً سياسياً، وليست جزء من منظومة حكم غير منتج، ستكون له نتائج سلبية، لناحية عدم الفرز بين تجارب الإسلام السياسي في المنطقة، وتقييمها انطلاقاً من قبولها بممارسة السياسة ضمن قواعد دستورية، ما يتيح معارضتها، وتغيير سلوكها. كما أن ذلك، لن يشكل حلاً لأزمات تونس، بل سيجعل الإسلاميين كبش فداء، لتأديب بقية القوى أو إعادة انتاجها في معادلة جديدة، تسلمه عبرها بنظام سلطوي على غرار مصر السيساوية.

لتجنب هذا السيناريو الأسود، يمكن التفكير بعيداً من شلل التوافقية، غير المنتجة، والتي تشترك فيها “النهضة”، ضمن مفارقة، ترتب سلبيات وإيجابيات، وكذلك بعيداً من حلول شعبوية يقترحها الرئيس قيس سعيد، لمنع سقوط التجربة الوحيدة، التي نجت من دول “الربيع العربي”. 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
مارسيل نظمي
منذ اللحظة الأولى لدخول مكتبه، لم ينظر إلي، شعرت كما لو كنت شفافة تماماً أو قطعة ممتدة لزجاج مكتبه، كان كلامه كله موجهاً إلى خطيبي، ظللت أتابع أسئلته فقط وأحاول التحكم في عضلات فمي لئلا أضحك وأفسد أي شيء أثناء حوارهما الأكثر غرابة وربما طرافة أيضاً.
Play Video

3:14

Play Video

3:28

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني