fbpx

النسوية والحراك في الجزائر: ثورة داخل الثورة

ينددن بعنف الشرطة، يتضامنن مع معتقلي الرأي ويرفضن ظروف سجن المعتقلين السياسيين وانتهاكات حرية الرأي، هكذا تحاول النسويات أن يجعلن قضيتهن شاملة، إذ يعتبرن أنفسهن مواطنات في بلد لا يستثني فيه التعسف والاستبداد أحداً.
تنشر هذه المادة بالتعاون مع المبادرة العربية للاصلاح ARI

بما أن النسوية لا يزال يُنظَر إليها على أنها تيار أقلية في الجزائر، لا يبدو أن النظام ولا المعارضة داخل الحراك يعتبران أن من مصلحتهما استيعابها وتوظيفها. وبدافع الانتهازية والمحسوبية ومن أجل الحفاظ على توازن بين النخب التقدمية والإسلاميين الموالين للسلطة، تتجنب الدولة اتخاذ موقف واضح بشأن المناضلات النسويات وتفضل استخدام بدل ذلك العبارات النمطية مثل “مكانة المرأة في المجتمع”، التي تكون في أغلب الأحيان ضمن إطار الاندماج الاجتماعي. 

أخذ المطالب النسوية في الاعتبار، يقتضي ضرورة إجراء إصلاحات قانونية، من شأنها أن تثير موجة اعتراض واسعة النطاق في البرلمان وبين جمهور الناخبين الذين يغلب عليهم الطابع المحافظ. وعلى الجانب الآخر، يبدو أن الحراك أيضا، بدافع الانتهازية، يسير وفق المنطق نفسه، إذ يعتبر أن دمج مطالب أيديولوجية، من النوع للذي يثير انقسامات كبيرة كما هو الأمر بالنسبة للنسوية، قد يقوّض الإجماع العام الحاصل ضد السلطة. وهذه الخصوصية التي تتميز بها النسوية، على عكس الهوية والقضايا الاجتماعية، لا يستغلها النظام، مما يجعل منها فرصة سانحة ونقطة ضعف في آن واحد. إنها فرصة ثمينة، لأن الحركة نظرا لـ “عدم شعبيتها” من غير المرجح احتواءها من قبل النظام، لكنها نقطة ضعف أيضا، من منطلق أن مساهمتها في بناء تحالفات استراتيجية داخل الحراك يبدو أمرا معقداً.

لهذه الأسباب من المهم تقديم بعض الإيضاحات: سوف نميز هنا، بين النساء اللواتي يشكلن جزءًا من الحراك الشعبي والنسوة اللواتي، بالإضافة إلى مشاركتهن في المسيرات ضد النظام الحاكم، يتجندن خصيصاً بصفتهن مناضلات نسويات. المنتميات إلى هذه الفئة الثانية، من خلال تجمعهن في “مربع نسوي”، أو سيرهن بشكل فردي وسط المتظاهرين، يحاولن الجمع في مطالبتهن بين دولة القانون والمطالبة بالمواطنة المتساوية بين الجنسين. وعلى مستوى الحراك، لا تزال اللافتات المعبرة عن المطالب النسوية تشكل أقلية. هذه الملاحظة التمهيدية ضرورية لتفادي الوقوع في فخ التفاؤل المتسرع، والذي من شأنه أن يرسّخ الخلط السهل بين المتظاهرات من الإناث والناشطات النسويات. في المقابل، لا يتعلق الأمر هنا، بتقديم رسم تقريبي يصور الكيانين في وضع متناقض، لذلك نفضل استخدام مصطلح “التواجد المشترك” لوصف المسارات الأنثوية و/ أو النسوية المختلفة وسط المتظاهرين.

الحراك باعتباره فرصة تاريخية

منذ الأسابيع الأولى للتظاهرات المطالبة بالديمقراطية، التحقت العديد من المنظمات النسوية بالحراك. في 22 مارس/آذار 2019، تأسس مربع نسوي في الجزائر العاصمة لجمع الناشطات النسويات تحت راية واحدة. قادت هذا العمل المدار ذاتياً وغير الحزبي والمستقل، مبادرة “نساء جزائريات من أجل التغيير والمساواة” التي تحمل الاسم المختصر (FACE)، وتضمّ مثقفات وناشطات وطالبات. وفي بيانهن الصحفي، تبنت الموقعات موقفاً لصالح الحراك وربطن النضال ضد النظام بالنضال من أجل المساواة.

نقلت الصحافة الوطنية والدولية صدى هذه النقلة النوعية من خلال تقديم مشاركة النساء “في الخطوط الأمامية” و “في طليعة” الحراك. إذا كان الواجب يفرض التعاطي بشيء من التحفظ مع حماسة المراقبين، فلا بد من الإقرار أيضا بأن حضور المناضلات النسويات لم يعد موضع شك أو نفي. على الرغم من أقليتهن عددياً، إلا أنهن يخرجن إلى الشوارع بصفتهن نسويات، يتحملن كامل المسؤولية عن انتمائهن دون خشية إظهار ذلك. إننا نشهد أيضًا هبّة من الأجيال الجديدة، التي أخذت مشعل المعركة وتبنتها بقوة، خاصة من الجيل الجديد من النساء الذي ينزع أحياناً إلى التطرف من خلال تعريف أنفسهن على أنهن “نسويات راديكاليات”، ومن خلال إثارتهن مسائل حساسة مثل مسألة علاقة النسويات بمؤسسة الشرطة والعدالة الجزائية.

منذ ذلك التاريخ، بدأ المربع النسوي ينظم تظاهرات أمام بوابة الكلية المركزية بالجزائر العاصمة، ومن منطق تناقل مشعل الكفاح من جيل الكبار إلى الأجيال اللاحقة، الوريثة الطبيعية، رفعت المتظاهرات لافتات تحمل صور جزائريات معروفات لدى المواطنين بكفاحهن الأسطوري ضد الاستعمار والإرهاب والعنف الأبوي. من بين هذه الشخصيات النسائية البارزة، نجد مقاوِمة الاستعمار الفرنسي لالة فاطمة نسومر (1830-1863)، وبطلة معركة الجزائر حسيبة بن بوعلي (1938-1957)، والمجاهدة باية التهامي المعروفة بـسم “الكهلة” (1936-2017)، والناشطة النسوية الجزائرية نبيلة جاحنين (1965-1995) التي اغتيلت خلال العشرية الدامية، وكذلك صورة أمينة مرابط، الشابة الجزائرية البالغة من العمر 34 عامًا التي أُحرقت حية في أحد الشوارع في آب/أغسطس 2016. حمل صور هذه المناضلات جاء لتأكيد الشرعية التاريخية للنضال النسوي وإدراجه في سياق ومسار استمرارية التمرد والثورية.

معظم الناشطات ينتهجن مقاربة قانونية هدفها الأساسي إلغاء قانون الأسرة الذي يعتبر غير دستوري، ويُنظر إليه على أنه قانون للأحوال الشخصية، ويكرس وضعية المرأة الجزائرية في مرتبة “قاصرة مدى الحياة”. وبذلك، يرسخ هذا القانون التوتر وسوء التفاهم الأصلي بين مؤيدي علمنة قانون الأسرة والذين يعملون على الحفاظ على قانون مستوحاة بنوده من الدين. بالنسبة لبعض الناشطات اللواتي ناضلن في الميدان منذ عقود ولاحظن تغيراً في مكانة المرأة، يبدو أن مثل هذا الخطاب قد تجاوزه الزمن، خصوصاً بالنظر إلى الدور المتنامي للمرأة في الجامعات وسوق العمل، بما ساهم في تحسين ظروف معيشتها المادية وفي إحداث تغيير اجتماعي متدرج لكنه حقيقي وملموس. ومع ذلك، فإن هذا الهوس بإلغاء قانون الأسرة الذي يسكن بعض الناشطات، لا يشكل علامة على الموجة النسوية الأولى التي لم يكن من الممكن أن تتكيف مع التحديات الجديدة التي تواجه المرأة، بقدر ما هو علامة على وجود فجوة صارخة بشكل متفاقم، بين أحكام التشريع الذي يحمله هذا القانون وتطور المجتمع. وبهذا الشأن، تطالب النسويات أيضًا بترسانة قانونية أفضل لحماية المرأة والمزيد من الوسائل للتنفيذ الفعال للقوانين وتطبيقها على أرض الواقع.

بهذه الطريقة، تصير المعادلة بسيطة: لا يمكن تحقيق تحرير جماعي بدون مساواة بين الرجل والمرأة. لكن من حيث الواقع، إذا كان الدستور الجزائري يكرّس المساوات القانونية بين المواطنين في المجال الخاص والفضاء العائلي، فالأحكام القانونية تواصل التمييز ضد المرأة؛ ومن بين المظالم الرئيسية لهذا التمييز، فرض وصي قانوني يبقي المرأة في مرتبة ثانوية. وقد يبدو هذا التركيز على المساواة من الناحية الرسمية، مطلباً مضى عليه الزمن، إذا قارناه بمستوى تطوّر النسويات في جميع أنحاء العالم وفي منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، بحيث بلغت جرأتهن حد التشكيك في جدوى الدولة القومية أو حتى النماذج السائدة المرتبطة بالجنس. ومقارنة مع ما يجري في تونس أو لبنان أو فلسطين، على سبيل المثال، تبدو مطالب النسويات الجزائريات محدودة وأقل جرأة. ورغم ذلك، فإن مجرد انتقاد قانون الأسرة  وجعله موضع تساؤل يثير ردود فعل قوية في المجتمع.

ومنذ 29 آذار/مارس 2019، بدأ المربع النسوي يتعرض لاعتداءات جسدية ولفظية من قبل أشخاص مجهولين وكذلك لحملات تشهير على الإنترنت. في إحدى مقاطع الفيديو، بلغت حدة العنف ذروتها، عندما حرض أحد مستخدمي الإنترنت الجزائريين (يقيم في لندن) متابعيه على رش الناشطات النسويات بالأسيد، فضلا عن التهديدات المباشرة للناشطات وتمزيق لافتاتهن. وأصبحت هذه المسألة سياسية في جوهرها بين الخصوم الرجعيين المعادين علناً لأي تغيير لصالح حقوق المرأة والذين يحاولون شد العصا من الوسط، عملا بالمثل القائل لا تجوّع الذئب (النسوي) ولا تغضب الراعي (الحراكي).

الحراك كاختبار لميزان القوى

إن هاتان الخشية والارتياب هما أيضاً نتاج تمثيلات راسخة بقوة في المجتمع. حتى يومنا هذا، لا تزال الأوساط النسوية تعاني من مخلفات وندوب ما بعد الاستعمار، التي تختزل حضورها في نادٍ مغلق، مخصص لأفراد البرجوازية الصغيرة الناطقة بالفرنسية والحضرية والمتعلمة. وباعتبار أن الوسط النسوي متهمٌ بالترويج لخطاب نخبوي، وغير ممثل لرأي الأغلبية، ينظر إليه على أنه منفصل عن واقع عموم الشعب ولا علاقة له بالظروف المعيشية المادية لغالبية النساء الجزائريات، فضلا عن اتهامه بالمساس بثوابت الأمة المتعلقة بالهوية. ولم يكن مفاجأ ربطهن أيضًا بالحركة النسوية الرسمية في ظل حكم الحزب الواحد، بسبب العلاقات الوثيقة المباشرة بين بعض الجمعيات مثل الاتحاد الوطني للمرأة الجزائرية (UNFA) وجبهة التحرير الوطني.

وبالتالي، إذا كان الحراك قد أتاح الفرصة لحركية الإناث وقلب الأعراف السائدة حتى الآن (احتلال الناشطات الأماكن العامة أيام الجمعة في نفس المواعيد وعبر نفس المسارات التي يسير عليها الرجال)، تبقى الحركة النسوية مع ذلك وإلى حد كبير، تمثل بالنسبة للمجتمع مشروعا “استعماريا”، يطمح إلى تجريد المجتمع الجزائري من شخصيته الأصيلة. وبهذا المعنى، يمكن اعتبار أن أحد النجاحات الأولى للحراك من هذه الزاوية، هو الترويج (الإيجابي أو التحقيري) لكلمة نسوية في الصحافة والإعلام الوطنيين. على نطاق أوسع، يُؤكد تعميم هذه الكلمة (النسوية) في المجتمع المدني والمناقشات التي يثيرها على شبكات التواصل الاجتماعية، مدى التقدم الأكيد المحرز في مجال الاعتراف بهذه الحركة.

ونشهد أيضا تعزيز وبلورة خطاب استعادة المواطنين شوارعهم كفضاء للتعبير. وإذا كان الحراك كفضاء عام وسياسي قد أفسح المجال ليقدم شكلاً من أشكال الاعتراف بالحركة النسوية، فإن هذا التنازل لا يرقى لمستوى الانخراط: تبدو الحركة في أفضل الأحوال شرعية، لكنها لا تحظى بعدُ بالأولوية. وهكذا، فإن القضية النسوية، على غرار القضايا الاجتماعية أو حتى الهوية التي لا تُعتبر “سياسية” بمعنى التغيير المؤسسي، أصبحت تشكل نوعا من الخميرة التي تهدد بانقسام الحراك، أو أبعد من ذلك مشكلة من الأحسن تأجيل حلها، في إطار الجمهورية الثانية.

ومع ذلك، لا يبدو أن الشعارات النسوية في حالة تناقص أو ضعف، رغم صداها المحدود للغاية مقارنة بشعارات الحراك عامة. تدعو الشعارات النسوية كل يوم جمعة، إلى الربط بين الكفاح من أجل المساواة في القانون والمطالب السياسية العامة: “مكاني في الحراك وليس في المطبخ”؛ “الديمقراطية ستتحقق مع النساء أو لن تتحقق!”

وتظل العملية محفوفة بالمخاطر، وعلى طريقة بهلواني الحبل المشدود، تسير الناشطات على حبل خطير، في سعيهن للحفاظ على توازن هش. وتحرص نساء “المربع” على تأكيد مكانتهن كجزء لا يتجزأ في النضال ضد النظام، وأن دورهن لا يقتصر على تقديم ضمان على التنوّع الجنسي للحراك أو استخدام حضورهن للأداء الجمالي فحسب.  وإذا كانت نساء الحراك استطعن بالفعل القيام بدور الحصن المنيع الذي حمى الحشود من المواطنين من عنف الشرطة أو لتعزيز الطابع السلمي للمسيرات، فإنهن يحرصن على عدم الوقوع في فخ استغلالهن لإضفاء طابع فولكلوري لمشاركتهن في الحراك.

تأكيد الاستقلال السياسي

على مواقع التواصل الاجتماعي، تركز “الجريدة النسوية الجزائرية (الجزايرية)” بشكل خاص على تغطية التطورات المتعلقة بالحركة النسوية في إطار الحراك. كما يتطوع الموقع الإلكتروني “جرائم في حق النساء في الجزائر” (لا لقتل النساء – الجزائر) للعمل على تحديد عدد الجرائم المرتكبة في حق النساء والسهر على توثيقها، كما يسمح الموقع للأفراد أن يعلنوا بنفسهم عن حالات قتل النساء. وتساهم الأنشطة التضامنية العابرة للحدود في توطيد روابط رمزية. نذكر على سبيل المثال عريضة “نسوية جزائرية لمساندة حراك الطالعات الفلسطينيات” التي حصدت مئات الإمضاءات. ومؤخراً، أثارت الحملة المصورة “ممثلات جزائريات متحدات ضد قتل النساء” الكثير من التعليقات، وصنعت قدرًا من الضجة تجاوز الحدود الجزائرية. استعارت الممثلات الجزائريات دفتر الشكاوى، واستخدمن اللغة الدارجة (اللهجة الجزائرية) للتنديد بالتناقضات المتعلقة بالأحكام القضائية التي تصدر في حق النساء والعنف المتأصل من نظام تعليمي أبوي.

النسويات وتقاطع الصراعات

ينددن بعنف الشرطة، يتضامنن مع معتقلي الرأي ويرفضن ظروف سجن المعتقلين السياسيين وانتهاكات حرية الرأي، هكذا تحاول النسويات أن يجعلن قضيتهن شاملة، إذ يعتبرن أنفسهن مواطنات في بلد لا يستثني فيه التعسف والاستبداد أحداً. تحول تلك المواقف بدورها بينهن وبين الاتهامات بحصر نضالهن في قضايا معينة.

بيد أن هذه الجهود غير كافية إذ تواجهها عراقيل متعلقة بالطابع المؤقت للمطالب. تواجه النسويات بالفعل عداءً متصاعداً، يزداد كلما ضاق الخناق على الحراك، وفي ظل مشهد يعتبر فيه كل اختلاف أيديولوجي محاولة لتشتيت صفوف الحركة واستقطاب النقاشات، بل والتعامل مع النظام. 

في الوقت الراهن، يرفض الخطاب المهيمن في الحراك إدراج القضايا النسوية في قائمة الأولويات، لأن أنصار الهرمية في النضال داخل الحراك، يصدرون قرارات مستبدة لا تختلف كثيرا عن تلك التي تصدرها الدول المستقلة حديثًا. إذ صادرت هذه الأخيرة الحريات الفردية والجمعية لشعوبها تحت شعار إعطاء الأولوية “للتنمية” قبل الديموقراطية. ومن ثم، يؤدي ذلك القمع للحريات الذي يختزل الديمقراطية في كونها شيئا محدودًا بدلاً من كونها ممارسة دائمة، إلى نزع صفة المواطنة عن النسويات.

من هنا، انتبهت الحركة النسوية لفخ الهرمية في المطالب السياسية التي برزت جلية أثناء الحراك. لكن بفضل قوتهن واستقلاليتهن، أبين الاستسلام للاستراتيجية التي تجعل من المطالبة “بالرحيل” أولوية تأتي قبل كل مقترحات التغيير الأخرى.

أظهرت المسيرات النسائية في 8 مارس/آذار 2021، بمناسبة الاحتفال بعيد المرأة، حجم القلق المتعاظم حول هذه القضية. ومع ارتفاع الهتافات الصاخبة “خرجنا للتغيير وليس للاحتفال”، حوّلت غالبية النساء حدث 8 مارس إلى فرصة كشفن خلالها أمام الجميع، حِراكا أنثوياً ومناهضاً للنظام، لم يتأخر الرجال طويلا عن الانضمام إليه. أما الناشطات النسويات، الأكثر تهميشاً وإقصاء من قبل المجتمع، فقد أصررن على تمسكهن بالشعارات التي تؤكد الرسائل ذات الطبيعة النسوية. كان من الممكن للتلاقي بين المسيرتين واندماجهن أن يبعث برسالة قوية في اتجاه التيارات التي تحاول الفصل بين الاثنين، لأن المسيرتين، حتى وإن أعربتا عن مقاومتهما للوضع القائم بطرق مختلفة، الا ان مطالب النساء فيهما عموما ليست متناقضة. لكن بدلاً من ذلك التلاحم عن طريق تجمع المسيرتين في نهاية المسار، برز خط فاصل، عزل النسويات اللواتي وجدن أنفسهن محاصرات، بصوت غير مسموع، في خضم مسيرة النساء. 

على الرغم من أن المجتمع المدني لا يزال يكابر قبل الاعتراف بالنسوية كنضال له قيمته وجدواه في الجزائر، إلا أن ذلك لم ينل من مثابرة الناشطات في الميدان ووفائهن للحراك، الذي يساهم بلا شك في تعزيز حضورهن السياسي الظاهر، ويبقى التحدي الماثل أمامهن هو اكتساب الشرعية من خلال التجذر الإقليمي. 

في الوقت الحالي، تذكرنا المواقف التي تراهن على الانتظار والترقب، والتي تدعو النسويات إلى الانصهار في الحشد الجماهيري، بمجموعة من القادة الجزائريين الذين كانوا يحثون المناضلين، في فجر الاستقلال، على التحلي بالصبر من أجل بناء الدولة الوطنية الجديدة. ومثل هذه النزعات الأبوية وتوجيه الأوامر للحث على استحقاق الاحترام، لا تقتصر على الناشطات النسويات. إن الهيمنة الذكورية، كونها عابرة للأيديولوجية وشاملة للطبقات الاجتماعية، فإنها تتوقع من جميع النساء التزام الأماكن المخصصة لهن من قبل النظام الأبوي. إذا أردنا أن نستخلص درسًا من هذه العلاقة بين الحراك والنسوية، التي تتسم أحيانا بالهدوء وأحياناً أخرى بطابع صدامي، يمكننا القول إن الحركة النسوية الجزائرية، التي لسعتها مرارة تجارب الماضي، لم تعد تسمح لنفسها بالانخداع بالخطب التي ترهن أي مطلب اجتماعي، بالتغيير المؤسسي أولا. يبقى على الذكاء الجماعي للحراك أن يستخلص من تصميم النسويات درساً في الكرامة السياسية.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
علي كريم إذهيب – صحافي عراقي
“الأرقام تبدو مشجعة بالنسبة إلى مشاركة النساء في الانتخابات حيث يمثلن 30 في المئة من المرشحين وهذا من شأنه تحقيق التوازن في صنع القرار”
Play Video
بعد 16 عاماً من توليها منصب المستشارة الألمانية، قرّرت أنغيلا ميركل مغادرة الساحة السياسية بسيرة ذاتية حافلة بالدفاع عن الحقوق المدنية وحقوق اللاجئين وانتقادات لمساوتها مع قوى استبدادية عالمية… من هي أنغيلا ميركل؟

2:52

Play Video
يكشف هذا التحقيق عمليات تجنيد الأطفال السوريين من قبل المليشيات الإيرانية وتلك التي تتلقى دعماً إيرانياً، وعمليات التضليل الإعلامي التي يتم استخدامها من قبل هذه المليشيات والمؤسسات الثقافية والدينية الإيرانية لهذا الغرض.

1:51

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني