fbpx

الدولة الفاشلة… لبنان 2021 هو العراق 2006 والكارثة تشبه الدائرة

أزمة في الوقود تعني أزمة في كل شيء، في الكهرباء، وفي المعامل، والمخابز، والدوائر الحكومية، أزمات متداخلة أدت إلى تعطل الحياة، فحينها لا شيء يزدهر غير الحرب، والموت، واللافتات هي أكثر الأشياء المتوفرة في المدن، لافتات القتلى، ومجالس العزاء.

“النظام منو نذل” وستيكر لكأس ويسكي وسيجارة، وكلام ساخر، وضحك يشبه البكاء. كابشن وضعه صلاح الشايب لصورة “سيلفي” التقطها في طابور طويل من الناس والدراجات النارية والمركبات في منطقة فرن الشباك، إحدى مناطق لبنان الذي يقف الناس فيه طوابير على كل شيء، طوابير على الوقود، وطوابير على الخبز، وطوابير على المصارف، وطوابير على الحياة.

عرفت صلاح في مدينة إسطنبول، عملنا معاً في قناة “الفلوجة” الفضائية، كان هو مدير قسم الغرافيك، وكنت أذهب إليه حين أريد لتقريري التلفزيوني تصميماً وصورة فيها لمسة “Creative”، وكنت أثق بذوقه وأحب النقاشات معه حول الصورة والتصميم. كان يمتلك خيالاً احترافياً في تخصصه، وكان يملك هدوء عجيباً في كادر أغلبه من العراقيين العصبيين والمتوترين دائماً، ورغم أن هذه النقاشات كانت قليلة، تركنا بعدها صلاح وعاد إلى لبنان، وما زال هناك، ينتظر في طابور.

لماذا يقف صلاح الآن في طابور طويل للحصول على بعض الوقود؟ لماذا ينشغل هذا العقل الجميل بالتفكير في أشياء لا يجب أن يفكر فيها أصلاً، الوقود، الخبز، الكهرباء! لماذا أصبح لبنان مصيدة لأبنائه؟ من فعل هذا به؟ من سرق الحياة والأحلام من الوجوه الهادئة، وأهدر حياة الناس في الانتظار، نعرف جميعاً من فعل هذا؛ إنها السلطة الفاسدة، ودولة الطوائف والأحزاب المسلحة، والجماعات متطرفة الولاء، لكن هذا الولاء لغير لبنان.

ضع كلمة لبنان بدل العراق… ولن يتغير شيء

ما يحدث الآن في لبنان، حدث في العراق عام 2006، عندما كانت الطوائف (وما زالت) تتقاتل على لا شيء، والأحزاب الفاسدة والمليشيات المسلحة تتمدد في الدولة وتتفشى حد أن صارت الآن وباءً قضى على العراق، وجعل الدولة ميتة سريرياً، مفلسة، وفاسدة، وغير صالحة للحياة البتة.

حينها، كان العراق يصدر 2.5 مليون برميل نفط يومياً، لكن محطات الوقود فارغة، والطوابير حولها تمتد إلى كيلومترات، وصهاريج الوقود التي تأتي إلى المحطات تُباع في السوق السوداء قبل أن تصل، ولا يحصل المواطن الذي ينتظر لمدة تصل إلى ثلاثة أيام أحياناً إلا على بضع عشرات من الليترات من وقود هو الآخر فاسد، إذ كان يُخلط بالماء، لتعويض الكميات المسروقة.

في أحد نهارات آب/ أغسطس الحارقة، كان طابور طويل جداً يقف منذ الفجر، أو قبل ذلك الوقت بكثير، أمام محطة وقود مغلقة، قيل حينها أنه ربما يصلها الوقود اليوم، وكان الناس ينتظرون ويعوّلون على هذه الــ”ربما” فبكل الأحوال لا شيء يفعله العراقيون حينها غير الانتظار، ينتظرون في البيت والدوائر الحكومية والشارع والأسواق، ينتظرون أشياء مثل الكهرباء والخبز والوقود والماء والأمن، فقط ليظلوا أحياء يوماً آخر، تماماً كما يفعل اللبنانيون الآن.

في ذلك الطابور الطويل، حدثت معركة، كانت معركة بالمعنى الحرفي للكلمة، كنت حينها أحتمي من الشمس في ظل سيارة العائلة، خرجنا منذ الفجر مجازفين بأرواحنا، فالجيش الأميركي قد يطلق النار على المركبات التي تتحرك في الظلام، وحدث هذا كثيراً، لكننا كنا نلاحق الوقود، وننتظر صهريج البنزين الذي كان مجيؤه يشبه مجيء غودو في مسرحية صمويل بيكيت، كانت المعركة في البدء بين شخصين على دور في الطابور، وسريعاً تحول الشجار بالأيدي إلى اشتباكات مسلحة بين عائلتي ذلكما الوغدين، وتكاثر الناس المشتبكون حتى هربنا خلف حائط المحطة، كنا قريبين من الموت حينها، لولا أن جاء رتل من “الهمرات” الأميركية، ولاذ المتقاتلون بالفرار.

بعد انتهاء المعركة، وإعادة ضبط الطوابير من قبل الجنود الأميركيين، عدنا من مخابئنا خلف جدار المحطة إلى مركباتنا، وواصلنا الانتظار، غابت الشمس ولم يطلع علينا صهريج الوقود، فقرر أبي أن ننام في الطابور، لا يستحق الأمر العودة إلى البيت والرجوع مرة أخرى مجازفين بحياتنا في الطريق المملوء بالعبوات الناسفة وأرتال الجيش الأميركي، فبتنا مع الكثير ممن كانوا مثلنا، لا يريدون تفويت أماكنهم في هذا الطابور الممتد لمسافة كيلومترات. حينها قلت: ربما هؤلاء الذين تقاتلوا وأطلقوا الرصاص على بعضهم اليوم، لو أنهم التقوا في مقهى أو حديقة، لتعارفوا وأصبحوا أصدقاء! لكن لا مقاهٍ في هذه المدينة، ولا حدائق! ولا بلاد.

الخوف والحر والبعوض كانوا رفقاء الليالي الرديئة في الشارع، لن تستطيع النوم إلا بحالة واحدة، أن يفقد جسدك السيطرة من التعب، فتنام بطريقة تشبه الموت، رغماً عنك، وهذا ما حدث في كل مرة اضطررنا أن نظل هناك في الطابور، ويا لها من مرات كثيرة.

إقرأوا أيضاً:

“الغالون” في لبنان و”الجليكان” في العراق

في الوقت الذي كان الوقود أعز من الذهب على العراقيين، كانت الأحزاب والميليشيات وتنظيم القاعدة على حد سواء، تهرّب النفط والوقود بكل مشتقاته وتتداوله في السوق السوداء، حتى ظهر مصطلح “البحّارة” حينها، وهم أشخاص يرتبطون بمتنفذين في الدولة يأخذون حصص المواطنين من الوقود ويبيعونها في الشارع. كانت شوارع العراق مكتظة بباعة الوقود، بسطات من الوقود تبيع للناس الذين لا يستطيعون الانتظار في طوابير على أبواب المحطات.

أزمة في الوقود تعني أزمة في كل شيء، في الكهرباء، وفي المعامل، والمخابز، والدوائر الحكومية، أزمات متداخلة أدت إلى تعطل الحياة، فحينها لا شيء يزدهر غير الحرب، والموت، واللافتات هي أكثر الأشياء المتوفرة في المدن، لافتات القتلى، ومجالس العزاء.

اللافتات على جدران محطات التعبئة كانت تقول: ممنوع الجليكان/غالون البنزين، وهنالك أطواق من الأسلاك الشائكة وقطع الكونكريت، حتى يخيل للرائي أن المكان قاعدة عسكرية، لا محطة تعبئة وقود، لكن هذا لم يمنع أصحاب النفوذ وأقارب المسؤولين وكذلك مقاتلي تنظيم القاعدة والجماعات المسلحة الأخرى من اقتحام المحطة في أي وقت، وتعبئة ما شاءوا، وحين تحدث مشكلة أو مشادة كلامية، يكون هذا من دواعي سرور أصحاب المحطة، يغلقونها على الفور، ويعلنون أن الوقود نفد، وعلى الجميع المغادرة، لبيع الوقود في السوق السوداء.

حين نعود من ذلك الانتظار، نرى الأرصفة غارقة بالوقود والجليكانات، البسطات تملأ الشوارع، وسعر اللتر الواحد أغلى بأربعة أضعاف على الأقل، من أين يأتي هؤلاء بالوقود؟ يأتون به من السلطة نفسها، ومن سماسرة تنظيم القاعدة والميليشيات على حد سواء، والناس كانوا قابلين للاشتعال مثل البنزين، الجميع يختصم مع الجميع، وأرواح البشر في أنوفها، والدماء تغلي في الأجساد المرهقة من الحرب والفقر.

“الوضع خرا”

مع فرق الظروف، والأماكن وتفاصيل الحرب، والزمن، بين عراق 2006 ولبنان 2021، الكارثة تشبه الدائرة، لبنان اليوم والأمس هو عراق الأمس واليوم، الطوائف التي أخذت العراق إلى الهاوية، هي ذاتها التي تأخذ لبنان، والأصابع التي تضغط على الزناد بصماتها متطابقة، والأزمات حيثما أدارت وجهها لها الملامح نفسها.

“إنها الفوضى، لا يريدون حل الأزمة، يريدوننا نقتل بعضنا، كس أختو لغالون البنزين الذي قتل شاباً مثل الوردة، الناس هنا لم تعد تحتمل كلمة، مقهورة الناس، وهذا حقها”، يقول مواطن لبناني يقف أمام محطة تعبئة مغلقة بسبب مشاجرة حدثت على تعبئة الغالونات، صاحب المحطة أغلق أبوابها لأن “الدولة” لا توفر الحماية له، والدرك لا يأتي لتنظيم الحشود الغاضبة.

لكن، عن أي درك، أو جيش يمكن الحديث؟ الجنود هم في النهاية مواطنون أيضاً، وهم لم يتسلموا رواتبهم بحسب تقرير لموقع “غلوبل ريسك إنسايتس” الذي كشف في تقرير بعنوان: “الفوضى في لبنان” أن قيادة الجيش “قلقة من عدم قدرتها على الانتشار في المناطق الضرورية، لأن الجنود لم يتسلموا رواتبهم، لذا، فهم يعانون إلى جانب الشعب، من سوء الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية”.

الجيش اللبناني يعاني نقصاً حاداً في الحليب والدقيق والأدوية والوقود، حدَّ أن تدخلت 20 دولة لتوفير هذه الحاجيات الأساسية للجنود، الجنود جائعون ولا قدرة لهم على بسط النظام والأمن في الشارع المنفجر، أو يكاد، لكن من البديل؟ المشهد لا يحتاج إلى استقراء عميق لمعرفة ذلك البديل، إنها الميليشيات وعلى رأسها “حزب الله”، الذي يسيطر أمنياً/عملياً على الوضع، تماماً كما يحدث الآن في العراق، الميليشيات هي التي تأخذ البلدين إلى “الوضع الخرا” على حد تعبير مواطن لبناني ملَّ من الانتظار.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني
لا شك في أن حفل الزفاف الباذخ هذا سيكون محطة في مسيرة “حزب الله” لا توازيها محطات كثيرة امتحنت فيها صدقية خطابه.
Play Video
لا تزال الصورة ضبابية في تونس، بعد قرارات الرئيس قيس سعيّد القاضية بعزل رئيس الحكومة هشام المشيشي وتجميد عمل البرلمان لمدة 30 يوماً، إذ توجت هذه القرارات أزمة سياسية حادة في البلاد.

3:31

Play Video
القضايا المتعلّقة بالكوارث البيئية الكبرى كنهب الموارد، ونهب الممتلكات، والتلوث، والاتجار غير المشروع في الحياة البرية، تخفي غالباً فساداً وراءها، تتورط فيه سلطات محلية أو شبكات مافيا أو شركات. ويفلت المسؤولون عن الكثير من هذه الانتهاكات والفضائح من الملاحقة القضائية كما تفلت الماء من بين الاصابع.

1:03:05

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني