fbpx

قضية “الفتنة” الأردنية :
أحكام تخفي الحقيقة خلف القضبان

يوليو 12, 2021
ما زال العديد يسأل عن مضمون القضية الحقيقي ومصالح المتهمين الرئيسيين في زعزعة أمن مملكتهم بالاشتراك مع "جهات خارجية" لم تحدد ما اذا كانت دولا أو أشخاصا وإن كانت هناك فعلا قضية ترتب المسائلة القضائية الجزائية!

أسدلت محكمة أمن الدولة الستار على ما سمي بقضية “الفتنة” التي شغلت وقسمت الرأي العام الأردني لارتباطها بالأمير حمزة بن الحسين، ولي العهد الأسبق والأخ غير الشقيق للملك عبدالله الثاني وغيره من الوجوه السياسية الهامة التي كانت ضمن ما يسمى بـ”عظام رقبة” الملك.

حكمت المحكمة، التي أنهت جلساتها الستة بسرية وبسرعة تامة، بالحبس لمدة 15 عاما بالأشغال المؤقتة على باسم عوض الله، رئيس الديوان الملكي الأردني الأسبق والشخصية المقربة من الملك عبدالله الثاني لعقد ونيف ولاحقا لولي العهد السعودي محمد بن سلمان، والشريف حسن زيد بن زيد، أحد أقرباء الملك عبدالله الثاني.

تلا رئيس المحكمة المقدم القاضي العسكري موفق المساعيد وقائع الدعوة والتفاصيل الكاملة للائحة الاتهام بحضور المتهمين ووكلاء الدفاع بينما احتشد عشرات الصحفيين والمراسلين في خيمة خارجية يتابعون قرار النطق بالحكم على شاشة تلفزيون كبيرة كانت صورتها أحيانا غير واضحة. وبثت فضائية المملكة الرسمية فقرات من جلسة النطق بالحكم بخلاف إفتتاح المحكمة الذي تم دون تغطية صحافية.

وزعت صور المتهمين لحظة دخولهم الى قاعة المحكمة بملابس السجن الزرقاء وتبدو عليهم علامات القلق والتوتر. وقال المساعيد “إن اركان الجريمة في قضية الفتنة كاملة ومتحققة، وتثبت قيام المتهمين بتدبير مشروع إجرامي لإحداث فتنة وتثبت تحريض المتهمين ضد الملك”.  وأشار إلى أن “المتهمين في قضية الفتنة يرتبطان بعلاقة صداقة، ويحملان أفكارا مناوئة للدولة والملك عبدالله الثاني، وسعيا معا لإحداث الفوضى والفتنة داخل المجتمع الأردني”.

وأضاف المساعيد “ان ما جرى هو عمل إجرامي ويحقق رغبات داخلية خاصة بالمتهمين ويستهدف نظام الحكم القائم وبيانات القضية أثبتت قناعة المحكمة بالجرم.” وتابع أنه “على ضوء اكتشاف الأجهزة الأمنية لمخطط الفتنة؛ وضعت أجهزة الاتصال الخاصة بالمتهمين تحت المراقبة بقرار من المدعي العام”.

“إن اركان الجريمة في قضية الفتنة كاملة ومتحققة، وتثبت قيام المتهمين بتدبير مشروع إجرامي لإحداث فتنة وتثبت تحريض المتهمين ضد الملك”.

القضية الأسرع منذ عقدين

كانت أسرع قضية تبت فيها المحكمة منذ 20 عاما بحسب صالح العرموطي، القانوني المخضرم وعضو مجلس النواب ونقيب المحامين الأردنيين الأسبق بعد أن انتهت الجلسة السادسة وشابها العديد من المثالب.

لم يسبق أن عاش الأردنيون تفاصيل مشابهة منذ تأسيس المملكة قبل مائة عام لناحية أطرافها وحساسية أماكنهم ومناصبهم وأدوارهم المهمة منذ إلقاء القبض عليهم ودخولهم قفص الاتهام ثم محكمة أمن الدولة وخروجهم منها. وأيضا حملة مبرمجة شاركت فيها وسائل الإعلام الرسمية وشبه الرسمية وكتاب زوايا.

أعصاب الأردنيين بقيت مشدودة منذ اليوم الأول للإعلان عن ما وصف أولا في صحيفة الواشنطن بوست صاحبة السبق انه كان محاولة انقلاب في القصر، ثم توصيف الحدث بالمؤامرة ببيان تلاه وزير الخارجية ايمن الصفدي وربط فيه الأحداث بالأمير حمزة وعوض الله وغيرهما، ثم وصف ما جرى بأنه “فتنة” وئدت بحسب ما اعلن الملك عبدالله لاحقا.

ما زال العديد يسأل عن مضمون القضية الحقيقي ومصالح المتهمين الرئيسيين في زعزعة أمن مملكتهم بالاشتراك مع “جهات خارجية” لم تحدد ما اذا كانت دولا أو أشخاصا وإن كانت هناك فعلا قضية ترتب المسائلة القضائية الجزائية! 

كل ذلك بسبب المثالب التي شابت إجراءاتها وتسريب ممنهج لوثائق وتسجيلات تدين شخوصها قبل محاكمتهم بالرغم من قرار منع نشر أي خبر يتعلق بالقضية والتحقيق فرضه المدعي العام للمحكمة.

كما دارت تساؤلات عن أسباب رفض الملك تحويل الأمير حمزة للمحكمة بعد سلسلة تصريحات ربطته بالفتنة المفترضة، في وقت جرى حل القضية داخل العائلة المالكة بوساطة عمه الأمير الحسن مقابل إعلان الامير حمزة عن ولائه التام للملك عبدالله الثاني. والأمير حمزة وضع قيد الإقامة الجبرية  في إبريل/نيسان الماضي وشوهد مرة واحدة علنا منذ انكشاف القضية، وقد نفى اتهامات التحريض ضد الملك وقال إنه يعاقب لانتقاده العلني للفساد.

إقرأوا أيضاً:

الافراج عن ابناء العشائر

ثمة سؤال آخر: لماذا أفرجت النيابة العامة في محكمة من الدولة يوم 22 أبريل/ نيسان عن 16 موقوفا في نفس القضية التي هزت البلاد وغالبيتهم من أبناء العشائر التي تعتبر العمود الفقري للنظام, بينما لم يتم الإفراج عن عوض الله والشريف حسن. عن هذه التساؤلات قال النائب العام لمحكمة أمن الدولة القاضي العسكري العميد حازم المجالي أن الاثنين اختلفا عن الـ 16 لناحية ” اختلاف ادوارهما وتباينها والوقائع المنسوبة إليهما ودرجة التحريض التي تختلف عن بقية المتهمين الذين تم الإفراج عنهم”.

كما لم تمكن المحكمة التي عقدت جلساتها خلف أبواب موصدة المتهمين من تقديم بينة الدفاع عن أنفسهم وسماع شهادة الشهود الذين طلبتهم هيئة الدفاع -وهي منتجة الدعوة – بما فيهم الأمراء حمزة وعلي وهاشم ورئيس الوزراء بشر الخصاونة ووزير الخارجية أيمن الصفدي وغيرهم مبررة عدم جدوى استدعائهم.

الدفاع كان تقدم بطلب الطعن بقرار المحكمة لدى محكمة التمييز ، وسيكون النظام القضائي الأردني على المحك ممثلا بمحكمة التمييز العتيدة، والتوقعات أنها قد تخفف سنوات العقوبة الشديدة مع الاشغال الشاقة إلى 10 سنوات في أحسن الأحوال.

فهل ستنظر محكمة التمييز بالقضية وتدقق في جميع تفاصيلها؟ أم أنها ستأخذ حكما مسايرا لسياسة الحكومة وموقفها من هذه القضية الحساسة كما عكست تفاصيل إدارة الملف من اليوم الأول قبل ثلاثة شهور.؟ 

في حال حصل السيناريو الأخير فسيسجل على الأردن أن نظام العدالة فيه مهتز الى حد كبير وخاضع لموقف السلطة والأجهزة السيادية الأخرى ما سيترك أثرا سلبيا على الاقتصاد والاستثمار نتيجة فقدان الثقة باستقلالية النظام القضائي وهي ثقة ضعيفة أصلاً. 

التسريبات الداخلية والخارجية كانت أدانت المتهمين قبل أن تبدأ محاكمتهم. 

شارك في الحملة  بعض من أهم صحافيي وكتاب الصحف الأميركية والبريطانية وأخرى ناطقة باللغة الانجليزية ومقربة من قطر صديقة الأردن، للتشكيك بالدور الذي لعبه ولي العهد السعودي في محاولة لزعزعة أمن واستقرار المملكة. 

بحسب التسريبات بدأت ملامح المخطط ترتسم بعد رفض الملك عبدالله الثاني صفقة القرن لتسوية القضية الفلسطينية التي وضعها صهر الرئيس الأمريكي السابق جارد كوشنر المقرب من بن سلمان ما أغضب رئيس الوزراء الاسرائيلي السابق بنيامين نتنياهو وترامب ودول خليجية أخرى كانت ترغب ببدء تطبيع دبلوماسي وسياسي مع إسرائيل.

ظروف تحرك بن سلمان بحسب التقارير كانت مواتية حيث حاول الاستثمار في سوء الأوضاع المعيشية والاقتصادية في الأردن وبخاصة بعد جائحة كورونا ورغبة الأمير في تصدر المشهد، والشكوى من تنامي شبهات الفساد وطريقة إدارة المشهد السياسي و شبهات تزوير الانتخابات  التشريعية الأخيرة والتضييق على النشطاء والصحفيين بصورة غير مسبوقة.

تداعيات الحكم لن تنتهي. بالطبع نتنياهو أيضا كان يعمل ضد الملك عبدالله لأن الأخير وضعه في مواقف محرجة في الكثير من الأحيان.

السفارة الأمريكية في الأردن كما السفارة السعودية تتابع القضية على قدم وساق، فعوض الله يحمل الجنسية الامريكية والسعودية والاردنية.

قد يفتح ملف شفافية إجراءات المحاكمة النقاش عندما يلتقي الملك عبدالله الثاني بالرئيس الأمريكي جو بايدن بعد أيام في البيت الأبيض ومع أعضاء من الكونغرس من الحزبين الجمهوري والديمقراطي. 

مايكل سوليفان، وهو مدع عام أمريكي سابق استعانت به اسرة عوض الله المقيمة في واشنطن، قال إنه بالإضافة الى مزاعم إساءة المعاملة، فإن المحاكمة المنعقدة “خلف أبواب مغلقة في محكمة أمن الدولة الأردنية غير عادلة على الإطلاق.

وقال في بيان اصدره بعد المحاكمة : “نظراً لغياب الشفافية عن الإجراءات القانونية الواجبة للمواطن الأمريكي باسم عوض الله ونظراً للمعاملة اللاإنسانية بما في ذلك  تعرضه للضرب والتعذيب النفسي لا نتفاجأ بالحكم. فمنذ لحظة إلقاء القبض على موكلنا واتهامه، تتضح هذه الحقيقة من خلال الإساءة الجسدية ومن خلال التهديدات المروعة التي تعرض لها باسم لإجباره على التوقيع على أوراق فارغة وملفقة بوصفها “دليل” على اعترافه. أجريت محاكمة باسم المزعومة من قبل محكمة عسكرية سرية حيث حُرم من الفرصة لدحض أي من أدلة الادعاء ولم يُسمح له باستدعاء الشهود الذين سيقدمون أدلة نفي عنه. باسم احتجز في الحبس الانفرادي لما يقرب من 100 يوم كما أن وصوله إلى مستشاره القانوني يحصل دائما في حضور النيابة. هذا الإجراء وسوء معاملة الأردن لموكلنا انتهاك للعدالة وحقوق الإنسان ويتعارض مع التزام الأردن المزعوم باتفاقية مناهضة التعذيب.”

كشف القضية بتفاصيلها قد يمس الأمن القومي ويحرج أطرافاً خارجية لا مصلحة لعمّان في إغضابها في الوقت الراهن بعد أن تمكنت من “قرص أذنهم” عقب سنوات من محاولة وضع الأردن على الرف الأميركي الاسرائيلي وتهميش دوره الإقليمي.

المسؤولون الأردنيون نفوا مزاعم إساءة المعاملة. مكتب مدعي عام محكمة أمن الدولة قال أن المحاكمة كانت عادلة وأنها تمت بما يتسق والقانون الأردني، وأضاف في بيان لوكالة (أسوشيتد برس) ان عوض الله “لم يتعرض لأي إساءة من أي نوع وزعمه التعرض لتعذيب من أي نوع، غير صحيح”.

يصعب فصل هذه التطورات عن وقائع حصلت مؤخراً، خصوصاً إعلان فيسبوك يوم 8 تموز/يوليو إيقاف شبكة محلية اردنية تعمل على بث معلومات مضللة تضم 35 صفحة و 3 مجموعات و 89 بروفايل (حساب شخصي) و 16 حساب انستغرام. وبحسب فيسبوك فإن بعض هؤلاء مواطنون أردنيون ومنهم من هو على علاقة بالجيش. وأضافت المؤسسة أنها أوقفت النشاط بسبب “سلوك زائف” عبر المنصات الالكترونية لهذه المجموعات. 

نشرت هذه المجموعات مضامين تؤيد الملك عبدالله الثاني وتدخلت للتأثير على حوارات منصة “كلوب هاوس” و”تيك توك” لصالح العرش ونشرت فيديوات محترفة على نطاق واسع تتهم الأمير حمزة بأنه مستعد للتخلي عن الوصاية الهاشمية على القدس في سبيل تنمية نفوذه الشخصي لتشويه صورته شعبياً. حدث كل ذلك بعد تفجر قضية “الفتنة” والتجاذب بين أنصار وخصوم الأمير في الفضاء الافتراضي.

بانتظار ما ستحمله الأيام والأسابيع القادمة في عمان وواشنطن والرياض، فإن التكهنات تشير الى أن مفاوضات وربما صفقة تمت خلف الكواليس لإخراج اسم السعودية من القضية بعد سلسلة التقارير الصحافية الغربية التي سلطت الضوء على دور بن سلمان ونتنياهو وترامب وكوشنر في محاولة زعزعة استقرار الحكم الذي قطع الطريق على تنفيذ تسوية صفقة القرن على حساب عمان.

الرياض عبرت علنا ومنذ اليوم الأول للكشف عن القضية عن دعمها الكامل للملك عبدالله، وأكدت أنه ليس لديها أي مصلحة في زعزعة أمن واستقرار الأردن.  ورفضت التكهنات التي أثيرت في بعض وسائل الإعلام الغربية حول وقوف المملكة وراء الخلاف العلني بين الملك عبدالله الثاني والأمير حمزة. 

النتيجة حالياً هي أن الأمير حمزة أُخرج من المشهد السياسي ولم يعد له أي ظهور علني شعبي قد يهدد الحكم. وعوض الله سيختفي لسنوات وراء القضبان كاتماً أسرار الملك عبدالله الثاني وغريمه محمد بن سلمان. لن يعرف أحد ما حصل فعلا منذ اليوم الأول لما وصف بـ”الفتنة” التي وئدت في مهدها.

كشف القضية بتفاصيلها قد يمس الأمن القومي ويحرج أطرافاً خارجية لا مصلحة لعمّان في إغضابها في الوقت الراهن بعد أن تمكنت من “قرص أذنهم” عقب سنوات من محاولة وضع الأردن على الرف الأميركي الاسرائيلي وتهميش دوره الإقليمي.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
مارسيل نظمي
التطرف لم يهبط علينا من السماء كمؤامرة مدبرة من بلدان خارجية للتفرقة بيننا، كما يتم الترويج في الإعلام والندوات الثقافية، لكنه نتاج تصورات مسمومة تسللت بشكل تراكمي عبر الكيانات الدينية والاجتماعية والسياسية في مصر حتى بات التطرف طبيعة يصعب حصارها.
Play Video

3:01

Play Video

5:49

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني