لبنان: “تفضلوا على القهوة” ولكن…!

العنصر الذي كان يحسن مزاج اللبنانيين سيصبح من الكماليات في وقت يسود فيه الإحباط والاكتئاب...

على قارعة الطريق يقف العم أحمد، يرتشف فنجان قهوته بسلام كما اعتاد في كلّ صباح، إلى أن يسقط الفنجان من يده فينحني أرضاً لالتقاطه، لعلّه يتمكّن من الاستمتاع بما تبقى فيه من “آخر رشفة”، ثم يصرخ  غاضباً “يلعن هالبلد وهيدي 4000 ليرة للكب عند هالصبح”.

لم يبدأ نهاري مع العم أحمد ولم تكن أحداثه روتينية كما جرت العادة. فحين خرجت  من منزلي لم تكن جارتي مريم في انتظاري عند الباب لتدعوني الى فنجان قهوة. بادرت بالخطوة الأولى وطرقت بابها “لنعمل صبحية قهوة” فتحت لي الباب وقالت: “ما في قهوة اليوم، خلصوا مبارح ما قلتلك؟”. ألقيت عليها السلام وأكملت طريقي إلى العمل حيث كان يجلس زميلي علي غاضباً.

يسكن علي (33 سنة) في حي السلم، قبل وصوله إلى العمل يشتري فنجان قهوة  صغير من أحد الأكشاك هناك ويشربه في طريقه. اليوم يدا علي كانتا فارغتين، وحين سألته عن سبب غضبه، أجاب “رفعوا الدعم عن القهوة بدنا نجرب نتعود نعيش بدونها”. يعتبر الشاب الثلاثيني فنجان القهوة من اساسيات بداية يومه وغيابها يؤثر في مزاجه “بفقد أعصابي  وبضل موتر إذا ما بشرب قهوتي الصبح، ما بقدر بلاها مزاجي بضل  سيئ كل النهار”، يعلّق.

علي ليس الوحيد الذي تأثر سلباً بعد رفع الدعم عن القهوة في لبنان. وبحسب أحد أصحاب محامص البن في الجنوب فإنّ “سعر كيلو البن لدى “بن نجار” ‏و”كاريوكا” و”ستار كافيه” ونوعيات أخرى ارتفع من 50 إلى 95 ألف ليرة لبنانية، والرقم قابل للارتفاع مع ارتفاع سعر الصرف”، ويضيف “المبيع انخفض بنسبة 20 في المئة منذ رفع الدعم. الناس عم تجي تسأل عن الاسعار وتفل، في وجوه بطلنا نشوفها وإذا بقي الوضع هيك نحنا ما بقى رح نشتري حتى نبيع”. 

ريما إحدى زبائن المحل حيث التقيناها، تؤكد أنها تفضل  النوم على معدة خاوية على أن تستيقظ ولا تشرب قهوتها، مشيرة إلى أنها تستهلك نحو 2 كيلو شهرياً بين استهلاك فردي وضيافة، إذ تجتمع مع جاراتها يومياً للتسامر أثناء ارتشاف القهوة، وتعلّق “نحن الصبح منقول تعي اشربي قهوة ما منقول تعي نقعد، القهوة أساس بقعدتنا يمكن بالايام الجاي اذا ضل في قهوة نقول كل وحدة تشرب قهوتها ببيتها. الوضع صار مزري! ناقص بعد الماي تصير كماليات بهالبلد”.

الأزمة التي على ما يبدو ستطيح  بالجميع ستنال من أصحاب المحال الصغيرة اولاً، وبخاصّة الأكشاك التي تعتبر مصدر رزق لعدد كبير من الشبان. فأحمد (25 سنة) أحد أصحاب أكشاك القهوة في الجنوب اللبناني، تأثر أيضاً بارتفاع الأسعار وبات يعاني جرّاء عدم قدرته على تأمين ما يحتاجه من البن مع ارتفاع سعره، وأوضح ذلك قائلاً “إذا بدي اشتري غالي وبيع غالي ما بقى حدا بيشتري، بالأساس البيع عندي صار خفيف”، وأضاف “اذا بقي الوضع هيك منسكر ومنقعد بالبيت”.

أمال (55 سنة)، إحدى بائعات القهوة المتجولات في شارع الحمراء تدور بين الأزقة حاملة محفظتها التي تعرف بـ”شنطة قهوة لبنان”. 

انتفاضة 17 تشرين كانت بمثابة الشرارة الأولى التي شجعت أمال على بيع القهوة في الساحات بعدما تركت عملها في بيع الألبسة. اليوم تقف السيدة الخمسينية شبه عاجزة أمام ارتفاع سعر القهوة، ما يهددها بخسارة مصدر رزقها الوحيد. وبذلك باتت “الإكراميات” المنقذ الوحيد للسيدة أمال من العوز.

القهوة التي تغنى بها الأدباء، والحاضرة على مكاتب غالبية الموظفين، ستصبح قريباً حكراً على المحظيين، بعدما أصبح معظم الشعب اللبناني تحت خط الفقر. رفيقة الجميع عند الصباح، الحاضرة دائماً في جميع المناسبات، الأفراح منها والأحزان، مهددة الآن بالاختفاء عن موائدنا وسهراتنا وجلساتنا. 

العنصر الذي كان يحسن مزاج اللبنانيين سيصبح من الكماليات في وقت يسود فيه الإحباط والاكتئاب في بلاد قد يُحرم المواطن فيها من ربع ساعة في اليوم كانت كفيلة بتحسين مزاجه وتجديد طاقته. لا نبالغ هنا بعلاقة القهوة بمحتسيها وأهميتها في تعديل المزاج، فقد أثبتت دراسة أجرتها جامعة  هارفارد ومستشفى «بريغهام النسائي» أنه كلما ازدادت كمية ما تستهلكه السيدة من كافيين يومياً، قلّت احتمالات إصابتها بالاكتئاب.  وقد حلل الباحثون بيانات تم تجميعها من عينة الدراسة شملت 51 ألف امرأة من غير المصابات بالاكتئاب. ورصد الباحثون آنذاك عدد السيدات اللاتي عانين من الاكتئاب بعد مرور عشر سنوات، آخذين في الاعتبار كمية الكافيين التي يتناولنها. واكتشف الباحثون أن هناك علاقة عكسية بين كمية الكافيين والمزاج فكلما زادت كمية الكافيين التي تناولتها  قلت احتمالات إصابتها بالاكتئاب.

لكن القهوة التي كانت مشروب الجميع في لبنان باتت عبئاً على محدودي الدخل، ورفاهية سنحسب لها ألف حساب.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
إيمان عادل- صحافية مصرية
لا نعلم أي إنسانية يحاول أبو تريكة حمايتها، وهو يعيش الآن خارج حدود بلاده ويعاني انتهاكاً ضارياً بعدما واجه الإقصاء والتحريض، فلماذا لا يشعر بمن تم اعتقالهم في مصر من المثليين جنسياً وتعرضوا للتعذيب والتهجير؟
Play Video

1:36

Play Video

42:22

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني