انقطاع المحروقات في لبنان: مسرحيات على هامش الأزمة

نمت على ضفاف الأزمة سوق سوداء لم يعد من الممكن السيطرة عليها، بوجود وسطاء يمتهنون وضع اليد على المواد المدعومة لبيعها لاحقاً في سوق موازية بأسعار مضاعفة، ما جعل نسبة كبيرة من هذه المواد تختفي بسرعة

ليس في الأجواء ما يبشّر بقرب انتهاء أزمة المحروقات: طوابير الذل زادت بعد إقفال المزيد من محطات الوقود، و”مؤسسة كهرباء لبنان” ما زالت تتحدّث عن توقيف معاملها تدريجيّاً بالنظر إلى شح المحروقات في خزاناتها. في الأحياء والمناطق، لم تعد المشكلة كامنة في طول فترات تقنين تغذية مؤسسة كهرباء لبنان وحسب، علماً أنها امتدت إلى حدود الـ22 ساعة يومياً في معظم المناطق، بل تصل المشكلة إلى ذروتها مع انقطاع كهرباء المولدات الخاصّة نفسها، في ظل صعوبة الحصول على المازوت للتشغيل. وفي المنازل التي يعتمد بعض أفراد أسرها على ماكينات الأوكسيجين للبقاء على قيد الحياة، صار التنقّل بين الأحياء بحثاً عن مصدر للكهرباء مسألة مألوفة، وخصوصاً في المناطق النائية عن العاصمة بيروت.

التداعيات الأخطر باتت في مكان آخر تماماً: ها هي المستشفيات الخاصة والحكوميّة تقيس قدرتها على الاستمرار بالساعات والليالي، فيما بادرت إداراتها لاستجداء المحروقات التي تحتاجها لتشغيل المولدات من هنا أو هناك، لضمان الحفاظ على حياة المرضى. أما ثمن هذه المحروقات، فكان في بعض الحالات اللجوء إلى الأحزاب الفاعلة والنافذة، والتنويه على وسائل التواصل الاجتماعي بعطفها وتكرّمها ببيانات مديح مذلّة، كمستشفى مرجعيون الحكومي الذي تقدّمت إدارته بالشكر والتقدير لـ”الحزب الديمقراطي اللبناني” لمساهمته بحلّ أزمة نقص مادّة المازوت الخاصّة بالمولد الكهربائي للمستشفى. هنا يختلط عجز الدولة عن تأمين أبسط حاجات مؤسساتها الرسميّة الأكثر حساسيّة، بسعي الأحزاب إلى تسجيل النقاط الشعبيّة على أعتاب الانتخابات النيابي، ما يجعل المسألة برمتها نوعاً من الابتزاز والاستثمار بعجز الدولة وفشلها.

وكأحجار الدومينو تداعت المشكلات الناتجة عن هذه الأزمة. مدير عام “أوجيرو” يتحدّث عن تقنين إجباري في الإنترنت لإراحة مولدات الشركة، في ظل انقطاع الكهرباء التي تؤمّنها مؤسسة كهرباء لبنان لفترات طويلة. “وإن ذهبت الكهرباء نهائيّاً ما الذي سيبقى على طبيعته؟” يسأل مدير عام المؤسسة عماد كريديّة، تاركاً للمواطن تخيل العصر الحجري الذي يمكن أن نعود إليه في هذه الحالة. وفي مكان آخر، كانت مؤسسات المياه الإقليميّة قد بدأت وضع جداول التقنين الخاصّة بها، بسبب انقطاع التيار الكهربائي المطلوب لتشغيل مضخات المياه، وعدم توفر المازوت لتشغيل مولدات المؤسسات الخاصّة. 

وحتّى الأفران، لم تتمكن من تجاوز الأزمة إلا بعد تلقيها مادة المازوت بشكل استثنائي من الجيش اللبناني في اللحظات الأخيرة، في حين أن “نقابة أصحاب الأفران والمخابز” أعلنت أن ما قدّمه الجيش بالكاد يكفي لأيام، فهذا يعني أن المقيمين قد يجدون أنفسهم قريباً في طوابير طويلة أمام المخابز والأفران بانتظار الحصول على الخبز.

مسرحيّة العهد وسلامة

وهكذا لم تعد الأزمة قابلة للاستيعاب وفق منطق شراء الوقت، الذي اعتاد عليه أصحاب القرار السياسي والنقدي منذ تشرين الأوّل/ أكتوبر 2019، وهو ما يطرح السؤال عن أفق الأزمة ورهانات المسؤولين وخططهم في ظل هذا الوضع الكارثي. 

فمنذ البداية، كانت المشكلة الأساسيّة في استنزاف ما يعتبره مصرف لبنان احتياطات قابلة للاستعمال لتمويل الاستيراد، وفي رفض الحاكم المساس بما تبقى من سيولة بحوزته، لكونها تمثّل الاحتياطات الإلزاميّة التي فُرض على المصارف إيداعها لدى المصرف المركزي كضمانة لأموال المودعين. لذلك، بدأت عمليّة تقنين معاملات استيراد المحروقات التي يوافق مصرف لبنان عليها، ما أشعل الأزمة الحاليّة بهذا الشكل. علماً أن عوامل أخرى، كتهريب المحروقات إلى سوريا وبيعها في السوق السوداء، كانت تدفع طوال الوقت باتجاه مضاعفة آثار هذه الأزمة، عبر تجفيف الأسواق من الكميات القليلة التي كان يتم استيرادها.

اجتماع بعبدا الذي تم تخصيصه لمعالجة هذه المسألة، قضى برفع سعر الصرف المعتمد لدعم استيراد المحروقات إلى مستوى 3900 ليرة مقابل الدولار، ما رفع سعر صفيحة البنزين إلى مستوى 71 ألف ليرة لبنانيّة وفقاً لآخر جداول الأسعار التي نشرتها وزارة الطاقة، أي بنسبة ارتفاع تخطت الـ73 في المئة. المعادلة التي تم ترويجها بعد الاجتماع، تمثّلت في فرض هذه التسعيرة المرتفعة مقابل عودة المحروقات إلى الأسواق، وهو ما ساهم بدفع الرأي العام إلى تقبّل هذا القرار. وفي اليوم ذاته، أصدر مصرف لبنان بياناً أوحى فيه باستعداده للاستمرار بتمويل الدعم بعد إيجاد “الصيغة القانونيّة المناسبة”، ما ثبّت أمام الرأي العام هذه المعادلة.

لكن أسئلة كثيرة لم تتضح الإجابة عليها بعد ذلك الاجتماع، وهو ما أشّر إلى أنّنا لم نكن أمام معالجة فعليّة للأزمة: كيف يصبح المس بما تبقى من احتياطات ممكناً بعد رفع سعر الدعم إلى 3900 ليرة للدولار، بعدما استحال ذلك وفقاً لسعر الصرف الرسمي القديم؟ وما علاقة سعر صرف الدعم بتوفّر الدولارات المطلوبة لاستيراد المحروقات؟

إقرأوا أيضاً:

وبالفعل، أكّدت تطورات الأيام التالية هذه الشكوك، بعدما استمر مصرف لبنان بعرقلة عمليّة فتح الاعتمادات المطلوبة لاستيراد المحروقات، معتبراً أن “الصيغة القانونيّة المناسبة” للمساس بالاحتياطات الإلزاميّة تحتاج إلى غطاء تشريعي من المجلس النيابي. مع العلم أن قذف الكرة إلى ملعب المجلس النيابي كفيل بالإطاحة بالصيغة المطروحة، نظراً إلى رفض معظم الكتل النيابيّة تحمّل المسؤوليّة الصريحة أمام الرأي العام عن تبديد ما تبقى من أموال المودعين في النظام المالي. 

وبعد العودة إلى نقطة الصفر، تبيّن أن ما أراده سلامة من هذه المناورة هو زيادة كلفة شراء الدولارات المدعومة، على رغم شحّها حاليّاً، لامتصاص المزيد من السيولة بالليرة اللبنانيّة من الأسواق، تمهيداً لتطبيق التعميم 158. الذي يقضي بتأمين سحوبات نقديّة شهريّة للمودعين، نصفها بالليرة اللبنانيّة وفقاً لسعر المنصّة الجديد. وهكذا، احتاج مصرف لبنان إلى امتصاص بعض السيولة بالليرة اللبنانيّة من الأسواق، لتفادي أي تضخّم كبير في كمية السيولة المتداولة بالعملة المحليّة في الأسواق بفعل السحوبات بالليرة، ما يمكن أن يسبب المزيد من الانهيار السريع في سعر الصرف.

أما فريق عمل العهد، فأراد من تلك الخطوة الإيحاء بوجود مبادرة ما للتعامل مع الأزمة، ولو كان يعلم أن النتيجة النهائيّة ستكون رمي كرة النار في ملعب المجلس النيابي، الذي سيرفض حتماً تحمّل مسؤوليّة القرار. 

إشكاليّات بقاء الدعم ورفعه

عملياً، الأزمة عالقة بين ألغام تحيط بالوضع النقدي من جميع الجهات. فمشكلة استمرار الدعم بشكله الحالي لا تتصل بكمية السيولة التي يتم استنزافها من الاحتياطات وحسب، بل بمسائل أخرى تجعل من توفّر المواد المدعومة تحدّياً أساسياً، حتى في حال تأمين السيولة. في ظل الفرق الشاسع بين الأسعار المدعومة للمحروقات، وقيمتها بالدولار النقدي بعد تهريبها إلى سوريا، ستظل أي معالجة للشح الناتج عن التهريب مستحيلة، خصوصاً بعد الارتفاع القياسي الأخير في قيمة الدولار مقابل الليرة. وفي الوقت نفسه، نمت على ضفاف الأزمة سوق سوداء لم يعد من الممكن السيطرة عليها، بوجود وسطاء يمتهنون وضع اليد على المواد المدعومة لبيعها لاحقاً في سوق موازية بأسعار مضاعفة، ما جعل نسبة كبيرة من هذه المواد تختفي بسرعة من السوق الشرعيّة بعد استيرادها مباشرةً.

أما أهم ما في الموضوع، فهو أن المستهلكين والتجار باتوا على علم بأن كل ما يقوم به مصرف لبنان لا يندرج إلا في إطار إدارة المرحلة الانتقاليّة قبل رفع الدعم لاحقاً، وهو ما يدفع الجميع إلى اكتناز المواد المدعومة تحسّباً لمرحلة رفع الدعم وارتفاع الأسعار لاحقاً. مع العلم أن مؤسسات كثيرة تقوم باكتناز هذه السلع أيضاً تحسّباً لانقطاعها مجدداً، وهو ما يجعل كلفة تأمين حاجة السوق حاليّاً مرتفعة أكثر من أي وقت مضى.

إلا أن الخروج من مرحلة الدعم لا يبدو متاحاً بهذه السهولة. فإلغاء أسعار الصرف المدعومة حالياً، والاتجاه نحو سعر صرف موحد وعائم، تقابلهما إشكاليّة فشل منصّة مصرف لبنان المخصصة للتداول بالعملات الأجنبيّة، وهي تحديداً الإداة التي راهن عليها سلامة للقيام بهذا الدور. وفي الوقت الحالي، يقتصر دور المنصّة على بيع الدولار للمستوردين من احتياطات مصرف لبنان بسعر مدعوم آخر، من دون أن تلعب هذه المنصّة أي دور على صعيد التداول بالدولار بيعاً وشراءً. ولهذا السبب، تشير التسريبات إلى أن مصرف لبنان قد يقدم على تجميد عمل المنصّة قريباً، على أن يقرر لاحقاً كيفيّة إعادة إطلاقها أو استبدالها بأداة أخرى لتوحيد أسعار الصرف في المستقبل.

في أي حال، من الأكيد أن ترك مسألة تأمين الدولارات لتمويل استيراد المحروقات للسوق السوداء وحدها، من دون وجود منصّة تداول ناجحة تسمح بتدخّل مصرف لبنان عند اللزوم، سيعني انهياراً مفاجئاً وكبيراً في سعر صرف الليرة، بالنظر إلى حجم الدولارات الكبير الذي سيطلبه مستوردو المحروقات من السوق السوداء محدودة الحجم. ولذلك، يبدو أن جزءاً كبيراً من العوائق التي تحول دون رفع الدعم ولو تدريجيّاً، يتعلّق بعدم نجاح مبادرة المنصّة نفسها.

الجزء الآخر من العراقيل التي تحول دون رفع الدعم في هذه اللحظة، يتعلّق تحديداً بعدم وجود آليات دعم بديلة، ما سيعني التسبب بانفجار اجتماعي لا يمكن استيعابه في اللحظة التي يتم فيها إلغاء الدعم كلياً. فالانتقال إلى استيراد المحروقات وفقاً لسعر الصرف الفعلي، سيعني ارتفاع معدلات التضخم بشكل جنوني، خصوصاً أن كلفة شراء المحروقات تدخل في أسعار السلع والخدمات والأنشطة الاقتصاديّة المختلفة. مع الإشارة إلى أن البطاقة التمويليّة التي وافق مجلس النواب عليها كان يفترض أن تمثّل أحد أشكال آليات الدعم البديلة، لكن هذا المشروع ما زال يواجه عراقيل كثيرة، أبرزها غياب التمويل. 

وهكذا يصبح من الواضح أن أزمة المحروقات اليوم لا تقتصر على مسألة شح السيولة المتوفرة في مصرف لبنان فقط، بل ترتبط بمجموعة من العوامل المتضاربة التي تجعل آليات الدعم الحاليّة غير قادرة على تلبية احتياجات السوق، في حين أن الدولة لا تملك حالياً أبسط شروط الخروج من مرحلة دعم الاستيراد. لذلك كانت النتيجة هذا النوع من المشاهد المذلّة والكارثيّة، والتي تشير إلى اقترابنا من مرحلة فقدان جميع مقومات الحياة الطبيعيّة. أما الأهم، فهو أن هذه الفوضى لم تكن قدراً محتوماً، بل كانت نتيجة للسير في طريق الانهيار العبثي بعد إسقاط جميع المعالجات والإصلاحات التي تضاربت مع مصالح النافذين في الحكم ونظام البلاد المالي، وبعد استبعاد جميع البدائل التي كان يمكن أن تحمي الناس من الوصول إلى ما نشهده اليوم.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
هديل الروابدة- صحافية أردنية
هذا المشهد، يحتاج إلى جلوس مكونات” الدولة الرسمية والسيادية، على طاولة حوار وطني، لتحديد العلاقة بينها، وبلورة هوية الإصلاح المنشودة، اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً، قبل الذهاب إلى تعديلات الدستور وقانوني الانتخاب والأحزاب”.
Play Video

0:46

Play Video

2:09

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني