عن الحياة والمجتمعات حين تزول الجائحة

يوليو 5, 2021
يُمكن النظر إلى جائحة "كوفيد- 19"، باعتبارها أزمة ثلاثية، طبية واقتصادية ونفسية. فقد تسببت في "تداعي الأبعاد الأساسية للحياة اليومية للملايين من الناس".

كيف يُمكننا فهم هذه الجائحة؟ ثمة تفسيرات أولية بدأت تُطرح في الآونة الأخيرة بهدف تحليل الوضع الراهن، على رأسها ما طرحه الفيلسوف والمُنظّر الثقافي سلافوي جيجِك الذي يتميز بغزارة إنتاجه الثقافي. فهو أول من أصدر مُجلداً يضم تأملات وتصورات حول الجائحة، بعنوان “الجائحة: كوفيد- 19 يهزّ العالم”، ونشرته دار “بوليتي” البريطانية (2020). 

يُشكك سلافوي جيجِك في أن هذا الوباء سيجعلنا أكثر حكمة، فيقول “علينا مقاومة إغراء التعامل مع الوباء الحالي باعتباره أمراً ذا مغزى أعمق”.

وعلى رغم هذه التحذيرات، ما زال يتعين علينا أن نجيب على سؤال مهم: “ما المشكلة التي يعاني منها نظامنا والتي تسببت في مباغتة هذه الكارثة لنا ونحن غير مستعدين لمواجهتها، مع أن العلماء حذّرونا منها لسنوات؟”، ويتعين علينا أيضاً قبول أن “من الواضح أن وباء كورونا ذاته ليس مجرد ظاهرة بيولوجية تؤثر في البشر. ولكي نفهم طبيعة انتشاره فعلينا إمعان التفكير في الخيارات الثقافية البشرية والاقتصاد والتجارة العالمية، وشبكة العلاقات الدولية الواسعة، والآليات الأيديولوجية للخوف والذعر”.

يبدأ جيجِك رحلته الاستقصائية في الصين، مشيراً إلى أن “الصين تقمع حريات مواطنيها”. وهو يؤيد وجهة نظر لي وين ليانغ، طبيب العيون الذي أسكتته السلطات في مدينة ووهان، واعتقلته بتهمة نشر معلومات حول “فيروس كورونا 2 المُسبب لمتلازمة الالتهاب الرئوي الحاد الوخيم” (SARS-CoV-2) الجديد، وهو الطبيب الذي توفي في وقت لاحق جرّاء الإصابة بهذا الفايروس؛ فيقول جيجِك: “يجب أن يكون هناك أكثر من صوت واحد في أي مجتمع سليم”. فقد تعاملت الصين بحزم ونجاح مع تفشي المرض في مدينة ووهان، ولكن بدون إتاحة “مجال مفتوح يسمح بتداول ردود أفعال المواطنين الانتقادية”، فبات من المستحيل استدامة الثقة المتبادلة بين الشعب والدولة. وهذا هو التحدي العظيم الذي تواجهه الصين. ولكن ما بالنسبة إلينا؟ “أخشى الهمجية ذات الطابع الإنساني”.

يُحوّل جيجِك تركيزه نحو المستقبل، قائلاً “حتى الأحداث المروعة يُمكن أن تكون لها نتائج إيجابية غير متوقعة”. فهو يرى إمكانية إقامة “مجتمع بديل” يساهم في تعزيز “التضامن والتعاون العالميين”. ومن الغريب اعتقاده أن “كورونا ربما سيدفعنا أيضاً إلى إعادة اكتشاف الشيوعية استناداً إلى الثقة في الشعوب والعلم”. بيد أنها ليست شيوعية على الطريقة السوفياتية، وليست مجرد “تضامن مثالي بين الناس”. ولكنها تلك الشيوعية التي تعترف بأن “الرأسمالية العالمية على وشك الوقوع في أزمة”. وهي تلك “الشيوعية التي تفرضها الضرورات لمجرد البقاء على قيد الحياة”.

ثمة حاجة إلى إحداث تغيير جذري، وتُشكل جائحة “كورونا” حافزاً لإحداث هذا التغيير. يقول جيجِك، “من شأن مثل هذا التهديد العالمي أن يتمخض عنه تضامن عالمي”. فضلاً عن أن الدولة “ستضطلع بدور أكثر فعالية”، وستتخلى عن “آليات السوق” باعتبار أن ذلك هو الحل لمعاناتنا. ومع أنه ليس متخصصاً في الصحة العالمية، يعتقد جيجِك أن هذا الوباء، الذي تسبب في “حالة من الحرب الطبية”، يمكن أن يؤدي إلى ظهور “شكل من أشكال من شبكات الرعاية الصحية العالمية”. (ويُمكن أن نُطلق على هذه الشبكة اسم “التغطية الصحية الشاملة”). وفضلاً عن قطاع الصحة، يرى جيجِك إمكانية “الانطلاق”، أي استخدام “الوقت المستقطع” و”لحظات الانقطاع” من أجل “تجديد تجربتنا الحياتية وإنعاشها”. فقد فرضت علينا إجراءات الإغلاق ضرباً من العزلة، لكنها أتاحت لنا الوقت الكافي “لكي نُمعن التفكير في (عدم) الشعور بمعاناتنا”.

يُمكن النظر إلى جائحة “كوفيد- 19″، باعتبارها أزمة ثلاثية، طبية واقتصادية ونفسية. فقد تسببت في “تداعي الأبعاد الأساسية للحياة اليومية للملايين من الناس”. بيد أن الدول بعد الإغلاق “يمكن أن تتغير، وأن تبدأ مجدداً بطريقة جديدة”. ويستشهد بكلام الفيلسوف الفرنسي برونو لاتور، الذي يزعم أن جائحة كورونا ما هي سوى تمرين تجريبي للأزمة التالية الناجمة عن تغير المناخ، إذ يقول إن “العامل المُمرِض الذي غيرت ضراوته الظروف المعيشية لكل سكان كوكب الأرض ليس هو الفايروس، على الإطلاق، بل هو البشرية نفسها”. بيد أن الرؤية المتفائلة التي يُقدمها جيجِك هي أننا “من خلال جهودنا لإنقاذ البشرية من التدمير الذاتي، فإننا نُرسِي الأساس لإنسانية جديدة. ولا يسعنا تصور وجود إنسانية موحدة إلا من خلال هذا التهديد المميت”.

والسبيل إلى تحقيق هذه الغاية يتمثل في إدراك أننا “مترابطون داخل تجمعات أكبر: وعلينا أن نصبح أكثر حساسية لمطالب هذه الجماهير، إضافة إلى أن الشعور المعادة صياغته بالمصلحة الذاتية يهيب بنا جميعاً للاستجابة لما يعانونه من محن”. فضلاً عن أن “الوباء يتيح فرصة سانحة للعلم ليثبت وجوده ويفرض نفسه”. ومع هذا، يختتم جيجِك تحليله بتحذير من أن “أولئك المسؤولين عن الدولة تنتابهم حالة من الذعر، لأنهم لا يعرفون أنهم لا يسيطرون على الموقف، وحسب، بل يعلمون أيضاً أننا – رعاياهم- أصبحنا ندرك ذلك. فقد بات الآن عجز السلطة واضحاً بلا أدنى شك”. غير أن “العواقب الأرجح التي قد تنجم عن الوباء هي أن تسود رأسمالية همجية جديدة”. هذه هي وجهة نظر جيجِك، وقد توافقه الرأي أو تختلف معه، إلا أنه قدم خدمة مهمة. فقد بدأ نقاشاً عالمياً حول ما يُمكن أن نفعله لاستثمار هذه اللحظة. وعلينا أن نواصل ذلك النقاش ونتعمق فيه. هذا ما ندين به لبعضنا بعضاً.

هذا المقال مترجم عن theatlantic.com ولقراءة الموضوع الاصلي زوروا الرابط التالي.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
نجلاء أبومرعي – كاتبة وإعلامية لبنانية
ما يبدو أكثر أهمية إلى حد كبير ويمكن البناء عليه بالفعل، هو الناخب الذي لم يستجب للدعوات التي أطلقتها المساجد للامتناع عن اختيار التغييريين، فرقعة الخوف من هاجس التحرر الفردي تنحسر شيئاً فشيئاً.
Play Video
فراس حمدان هو محامٍ لبناني نشط بالساحات خلال انتفاضة 17 تشرين وكان ثمن نضاله كبيراً. شرطة مجلس النواب أصابت فراس برصاصة من سلاحٍ محرم دولياً اخترقت قلبه بإحدى التظاهرات، وعلى رغم أن شظاية الرصاصة بقيت في قلبه، إلا أن فراس تحدّى وترشّح على الإنتخابات، وربح. ليعود إلى الساحة نفسها ولكن هذه المرة كنائب!

4:38

Play Video
“رح ننتخب أي حدا ضد المُعرقلين…”، 21 شهراً مرّ على انفجار مرفأ بيروت وأكثر من 4 أشهر على تجميد التحقيق. السلطة اللبنانية تُحاول عرقلة التحقيقات وطمس الجريمة، بل وتخوض الانتخابات بوجوه مُتّهمة بانفجار 4 آب، لكن أهالي الضحايا يصرّون على ثباتهم: العدالة تأتي بالتغيير.

2:49

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني