fbpx

دراما ملكية أردنية تتكشف فصولها في قاعة المحكمة: الأمير الذي يشكل محور أحداثها غائب

قُيِّدت تحركات الأمير واتصالاته منذ وضعه تحت الإقامة الجبرية في قصره بشهر أبريل/نيسان، ولكن لا يُتوقع أن تجري محاكمته، ربما لتجنب الإحراج الذي قد ينتج عن محاكمة شخصية ملكية بارزة.

في محكمة أمن دولة قديمة في أطراف العاصمة الأردنية، عمّان، انعقدت محاكمة استثنائية للغاية منحتنا فرصة نادرة لإلقاء نظرة خاطفة على العائلة المالكة المفككة، وتوتراتها مع جاراتها الأقوى في المنطقة، وعلى تحالفها مع الولايات المتحدة أيضاً.

تتمحور المحاكمة حول مؤامرة سياسية -لا يزال يكتنفها الغموض إلى حدٍ ما- ظهرت للعلن في أبريل/نيسان عندما شنّت السلطات الأردنية حملة اعتقالات واسعة النطاق بحق شخصيات بارزة، من بينهم الوريث السابق للعرش ورئيس الديوان الأردني الأسبق المقرب من ولي العهد السعودي، الحاكم الفعلي للمملكة العربية السعودية.

يُحاكم باسم عوض الله -المقرب من محمد بن سلمان- إلى جانب متهم ثانٍ من الأشراف الهاشميين، هو رجل الأعمال الشريف حسن بن زيد. وقد أنكر الاثنان التهم الموجهة إليهما، وهي “مناهضة نظام الحكم السياسي القائم في المملكة، والسعي لإحداث فتنة”، وسيواجهان في حال ثبوت التهم عليهما عقوبة السجن لمدة تصل إلى 20 عاماً. لكن الملفت هنا هو أن الأمير حمزة، الأخ الأصغر لملك الأردن، والذي يعد محور تلك الأحداث الدرامية لم يكن حاضراً في قاعة المحاكمة، بل ولم توجه إليه أيّ تهم.

لقد أصبحت المحاكمة استعراضاً للمنافسات الإقليمية واختباراً لتحالفات الولايات المتحدة مع حليفين مهمين في الشرق الأوسط، هما الأردن والسعودية. وتُعزَى تلك التوترات بين الجارتين، جزئياً، إلى اتفاقيات التطبيع التي أُبرِمت العام الماضي بين إسرائيل ودول الخليج.

في بدايتها، صدمت حملة الاعتقالات في قضية “الفتنة” الأردنيين، ودقّت ناقوس الخطر لدى الحلفاء الغربيين للأردن، تلك المملكة الصغيرة الواقعة بين إسرائيل والضفة الغربية وسوريا والعراق والسعودية. فقد تمكنت البلاد من الحفاظ على استقرارها مع استضافة موجات من اللاجئين النازحين بسبب الصراعات في مختلف أنحاء الشرق الأوسط، وبقيت في الوقت ذاته حليفة مخلصة للولايات المتحدة في مجالات التعاون الاستخباراتي والأمني ومكافحة الإرهاب.

وصلت القضية إلى المحكمة رغم الضغوطات الشديدة التي مارستها المملكة العربية السعودية، جارة الأردن الأقوى، من أجل عرقلة الإجراءات.

فور اعتقال عوض الله في أبريل/نيسان، أرسل السعوديون أربع طائرات حملت على متنها أربعة مسؤولين مختلفين من أجل المطالبة بعودته إلى السعودية، وذلك وفقاً لمسؤول غربي بارز عمل سابقاً في الاستخبارات، وطلب عدم الكشف عن هويته حتى يمكنه مناقشة تفاصيل المسائل التي اطلع عليها.

وأضاف المسؤول الغربي أن وزير الخارجية السعودي، فيصل بن فرحان، كان على رأس أولئك المسؤولين، الذين كان من بينهم أيضاً مسؤول كبير من مكتب ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، وانضم إليهم أيضاً رئيس المخابرات السعودية، الذي ظل في الأردن خمسةَ أيام محاولاً الضغط على المملكة للسماح لعوض الله بالعودة معه.

لكن المسؤولين السعوديين أكدوا حينها أن الوفد سافر جواً إلى الأردن من أجل التعبير عن تضامنهم مع الملك عبد الله الثاني، وليس سعياً منهم لإطلاق سراح عوض الله.

وقال بروس ريدل، الضابط السابق في وكالة المخابرات المركزية الأميركية (سي آي إيه)، “أعتقد أنهم مارسوا ضغوطاً لإطلاق سراح عوض الله، لأنهم كانوا يعرفون أن بحوزته معلومات تدينهم لهذا أرادوا عودته إلى السعودية”.

وأضاف ريدل أن الأردن تمكن من مقاومة الضغوط التي مارستها السعودية لاستعادة عوض الله بعد أن طلب ويليام بيرنز، رئيس وكالة المخابرات المركزية والسفير الأميركي السابق لدى الأردن، من البيت الأبيض التدخل. وقد رفضت وكالة المخابرات المركزية التعليق على تلك المزاعم.

وقد اتصل الرئيس الأميركي جو بايدن أيضاً بالملك عبد الله للتأكيد على دعمه حينما كان رئيس المخابرات السعودية في عمان. ومن المقرر أن يزور العاهل الأردني البيت الأبيض خلال الشهر المقبل.

هذا الدعم الذي قدمه البيت الأبيض في أبريل/نيسان، في ذروة الدراما، كان من المستبعد أن يتلقاه الأردن من الإدارة الأميركية في عهد ترامب، حينما وصلت العلاقات بين البلدين إلى أسوأ حالاتها منذ عقود.

فيما وجه الأردن اللوم لجهات خارجية مؤثرة لم يُسمِّها، عندما أعلن لأول مرة عن المؤامرة المزعومة، لكنه حرص منذ ذلك الحين على عدم استعداء المملكة العربية السعودية، حيث يعمل مئات الآلاف من الأردنيين الذين قد ينهار الاقتصاد الأردني في حال قررت السعودية ترحيلهم.

في يوم من الأيام كان عوض الله، الذي يعمل الآن مستشاراً اقتصادياً لولي العهد السعودي، أحد أوثق المقربين من الملك الأردني عبد الله الثاني، وعمل وزيراً للمالية في المملكة ثم رئيساً للديوان الملكي في عهد الملك عبد الله. ويحمل عوض الله الجنسيات الأردنية والأميركية والسعودية.

تُعقَد المحاكمة بشكل مغلَق أمام الجمهور. ولكن تم تسريب فيديو من قاعة المحكمة الاثنين الماضي، وظهر فيه عوض الله أشعثَ ويرتدي زي السجن الأزرق، ويداه مقيدتان خلف ظهره، مقتاداً إلى محكمة أمن الدولة عبر باب فيه أجزاء مفقودة من إطاره الخشبي.

وقال مسؤولون سابقون في المخابرات إن عوض الله، الذي يُوصَف بأنه اقتصادي شغوف وموهوب، لا يمتلك مجرد معرفة دقيقة بالسياسات المالية السعودية ولكن لديه اطلاع على الصفقات الاقتصادية الأردنية أيضاً.

وقال بروس ريدل، الذي كتب كتاباً سيصدر قريباً يتناول علاقة الأردن والولايات المتحدة، “لن أندهش إن كان هناك في النهاية صفقة ما، أو إذا أُدين عوض الله ثم نُفي إلى المملكة المتحدة ليحتفظ بأسراره لنفسه”.

يُتَّهم عوض الله بالتخطيط مع الأمير حمزة لزعزعة استقرار البلاد؛ لكن يبقى دافعه للقيام بذلك من الألغاز التي ما تزال عالقة في هذه القضية الغامضة.

عارض الأردن، الذي تقطنه غالبية فلسطينية، العناصر الرئيسية لاتفاقيات التطبيع التي رعاها الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب بين دول الخليج العربي وإسرائيل. وقد كانت من بين أكبر غنائم تلك الصفقات اتفاقية مع دولة الإمارات العربية المتحدة، الحليف الوثيق للسعودية. ويخشى الأردن أن تقضي اتفاقيات التطبيع على فرص إقامة دولة فلسطينية مستقلة كما تصورها الأردن في اتفاقيته للسلام مع إسرائيل في العام 1994.

كان هدف المخطط، كما تشير الاتهامات، زعزعة استقرار البلاد و”دعم فكرة أن يصبح الأمير حمزة حاكمًا للأردن”. وعلى الرغم من حديث الإعلام الأردني في البداية عن محاولة انقلابية، يقول مسؤولون في المخابرات إن المتهمين بهذا المخطط لم يقوموا بتجنيد عسكريين ولم يصلوا إلى حد محاولة الإطاحة مباشرة بالملك عبد الله الذي يحكم البلاد منذ العام 1999.

وقال المسؤولون السابقون في المخابرات إن عوض الله لم يتصرف إلا بموافقة كبار القادة في السعودية.

وقال المسؤول الغربي السابق إنه يعتقد أن هدف السعوديين كان تقويض دور الملك كلاعب محوري في الشرق الأوسط. لأن إضعاف الملك عبد الله يعني انخفاض درجة معارضة السياسات المتعلقة بإسرائيل والفلسطينيين التي يدعمها ولي العهد السعودي.

منذ صغره، اعتقد الأمير حمزة -الذي يبلغ من العمر 41 عاماً، وهو طيار في سلاح الجو- أنه وريث العرش الأردني.

قُيِّدت تحركات الأمير واتصالاته منذ وضعه تحت الإقامة الجبرية في قصره بشهر أبريل/نيسان، ولكن لا يُتوقع أن تجري محاكمته، ربما لتجنب الإحراج الذي قد ينتج عن محاكمة شخصية ملكية بارزة.

وبدلاً عن ذلك أعلن القصر الملكي عن اجتماع مصالحة في العائلة الهاشمية ترأسّه الأمير الحسن بن طلال، شقيق الملك حسين. وبُعَيد ذلك اللقاء أعلن الأمير حمزة تجديد مبايعته للملك عبد الله.

ووَفقاً للائحة الاتهام التي كشفتها وسائل إعلام حكومية، فقد شرع الأمير حمزة في حملة لتقويض سلطة الملك عبد الله، عبر لقائه واجتماعه مع رموز قبَلية ساخطة للتشجيع على الاحتجاجات ضد الملك.

كان حمزة، نجل الملك حسين من زوجته الرابعة والأخيرة نور الحسين المولودة في الولايات المتحدة، يُهيَّئ منذ أن كان طفلاً ليصبح وريث العرش الأردني. ولكن في العام 1999، حين كان الملك حسين يُحتضَر بسبب السرطان قام بتغيير ولي عهده من أخيه الأمير الحسن إلى أكبر أبنائه الأمير عبد الله الذي صار ملكًا بنهاية ذلك العام.

كان هذا التحرك يعني في الواقع أن الأمير عبد الله، الابن الأكبر، سيصبح في نهاية الأمر هو الملك بدلًا من الأمير حمزة. وفي العام 2004 جرَّد الملكُ عبد الله الأميرَ حمزة من ولاية العهد، ونقلها إلى ابنه الأكبر، الأمير الحسين.

ويقول الأردنيون إن الأمير حمزة تعمّد ترسيخ أنماط خطابية وسلوكيات تشبه أباه الملك حسين، ولم يتوقف عن التطلع للقيام بالدور الذي يصرّ هو ووالدته أنه قد ولد ليرثه.

وقال ريدل “يبقى السؤال هل هذه هي القضية؟ قطعاً سيدخل الأمير في مرحلة كمون في المستقبل القريب، ولكن لا أعتقد أن طموحاته ستختفي أو تتلاشى”.

هذه المادة مترجمة عن nytimes.com ولقراءة الموضوع الأصلي زوروا الرابط التالي.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
Play Video
يكشف هذا التحقيق عمليات تجنيد الأطفال السوريين من قبل المليشيات الإيرانية وتلك التي تتلقى دعماً إيرانياً، وعمليات التضليل الإعلامي التي يتم استخدامها من قبل هذه المليشيات والمؤسسات الثقافية والدينية الإيرانية لهذا الغرض.

1:51

Play Video
عشِق المسرح والحرية ولُقّب بـ”رمز الانتفاضة”… من هو زكريا الزبيدي أحد الأربعة الذين عاودت إسرائيل اعتقالهم بعد الهرب من سجن جلبوع؟

2:59

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني