كما الاحتلال : الذكورية “تقصف” حياة النساء في غزّة

تملك العادات والتقاليد القبلية والقروية وزناً بالغاً في البنى الثقافية والاجتماعية للغزيين، وتتضمن في باطنها نظرة تمييز ذكورية تمنح الرجال تفوقاً على المرأة، مقابل تحجيم وتصغير دورها...

بينما لا يزال غبار الحرب منثوراً في هواء غزة وشوارعها جراء عمليات إزالة ركام المباني المدمرة بفعل العدوان الإسرائيلي الذي أوقع مئات الضحايا وآلاف الجرحى والمشردين، تمعن آلة القتل الذكورية في استهداف النساء داخل القطاع المحاصر. 

فخلال أيام، وفي أعقاب وقف إطلاق النار بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية في غزة، قُتلت فتاة/ طفلة على يد زوجها في مدينة خان يونس، بعد تعرضها للتعذيب على مدار يومين، وبُعيد أيام قليلة من وقوع الجريمة، قُتلت سيدة على يد شقيقها في خلافٍ بين الأخوة على الميراث، وبين هاتين الجريمتين جرى تسجيل عدد من حوادث الطعن والاعتداءات الدموية على نساء نجون من الموت بأعجوبة. 

يُشكل العنف الأسري الوجه الأبرز للعنف الموجه ضد المرأة في غزة، وبوضعيات عديدة: القتل على خلفية “الشرف”، العنف النفسي ضد غير المتزوجات، تحرشات جنسية، عنف جسدي، إهانات لفظية ونفسية، حرمان من التعليم والعمل، الاغتصاب، ضرب الزوجات… ويعزز ذلك اعتبار الثقافة المجتمعية السائدة لهذا النوع من العنف “قضايا عائلية خاصة” لا ينبغي التدخل بشأنها، ولا تقع ضمن المسؤولية القانونية للمؤسسة الرسمية، إلى جانب الوصمة التي تلاحق المعنّفات إذا ما قررن اللجوء لطلب الحماية القانونية والاجتماعية. فنحو 66% من الفلسطينيات في غزة اللواتي تعرضن للعنف فضّلن السكوت عن العنف الذي تعرضن له من قبل أزواجهن، بحسب إحصاءات مركز المعلومات الفلسطيني.

طوق الموروثات

تملك العادات والتقاليد القبلية والقروية وزناً بالغاً في البنى الثقافية والاجتماعية للغزيين، وتتضمن في باطنها نظرة تمييز ذكورية تمنح الرجال تفوقاً على المرأة، مقابل تحجيم وتصغير دورها، مانحةً بذلك هيمنة وسلطة يُمارس الرجل من خلالهما العنف على الأنثى منذ صغرها، ويجري تعويدها على القبول بذلك والخضوع للسلطة الأبوية، سواء أكانت نابعة من الزوج أو الأب أو الأخ، وحتى آخر رجل في العائلة، بوصفها كياناً يرتبط وجوده الفيزيائي والنفسي بالرجل، مصدر الإعالة والحماية والتمثيل المجتمعي.

الواقع القانوني ليس بريء الذمة من وقوع المرأة كضحية لعنف الرجال، حيث أن القانون وُجد لحماية الحريات والحقوق، والتي من أهمها الحق في الحياة والحق في الاختيار، إلا أن قانون العقوبات الفلسطيني يتأثر بالموروث الثقافي، حيث أن الكثير من قضايا ما يسمّى بـ “الشرف” في المحاكم تنتهي إلى تبرئة الجناة، أو التخفيف من الأحكام القضائية بحقهم، عدا عن تعاظم دور السلطة العشائرية في حل القضايا، والتي تسعى في غالب الأحيان إلى التستر عن قضايا قتل النساء “خوفاً على سمعة العائلة”، وخلق مبررات للجاني.

إحصاءات جهاز الإحصاء الفلسطيني خلال سنة 2019 بشأن مؤشرات العنف الرئيسية، تبيّن أن مستويات العنف مرتفعة في قطاع غزة في المقارنة مع باقي المناطق الفلسطينية، إذ بلغت نسبة العنف الاجتماعي في القطاع نحو 41% في مقابل 20% في الضفة الغربية. 

وفيما يتعلق بالنساء اللواتي تعرضن للعنف من الزوج، بلغت نسبة العنف النفسي 76%، ونسبة العنف الجسدي 34%، أمّا العنف الجنسي فقد بلغت نسبته 14%.

مديرة مكتب هيئة الأمم المتحدة للمرأة في قطاع غزة هبة الزيان تقول إن “أزمة كورونا أثرت على النساء والفتيات في فلسطين وزادت معها معدلات العنف الأسري بشكل كبير خلال فترة الإغلاق التي فرضتها الحكومة الفلسطينية”.

خلال الأعوام الخمس الماضية، سجل مركز الإحصاء الفلسطيني 118 حالة وفاة تنوعت بين جرائم الشرف أو تسجيلها كانتحار. وفي عام 2020، سجل المركز 45 حالة قتل بحق النساء، وفي العام الجاري، سجلت 5 حالات قتل للنساء في قطاع غزة.

معطيات الواقع الغزّي اليومي للمرأة كما للرجل، بالغة التعقيد في ضوء الحالة الميدانية الصعبة التي عاشها القطاع خلال سنوات من الحصار والإغلاق، وموجات الحملات العسكرية من قبل الاحتلال الاسرائيلي ضد القطاع، والتي كان آخرها في أيار/ مايو الماضي، ما يضعنا أمام واقع سياسي واقتصادي متردي ينعكس على النواحي الصحية والاجتماعية والنفسية للغزيين، ومستوى الرخاء الاجتماعي والرفاه في حياتهم اليومية، وذلك كله يحتّم ضرورة العودة لتفسير ظاهرة العنف المجتمعي وحالة الاحتقان بين أفراد المجتمع.

استشاري الطب النفسي والمحاضر في كلية الطب في جامعة الأزهر في غزة فضل عاشور يقول إن مؤشرات العنف ضد المرأة ومحاولة تفسير دوافعها تبدو متداخلة ومركبة، فلا يوجد بحث علمي جاد وموثّق ولا يمكننا تشكيل رأي يربط بين التعرض لـ “جولة عدوان” على سبيل المثال، وارتفاع منسوب العنف الأسري أو الموجه ضد النساء بالخصوص، بناء على انطباعات وأخبار إعلامية بين الفينة والأخرى، ولكن العنف مرتبط بالدرجة الأولى بالواقع السياسي:”الفصائل تمارس عنفاً واسع النطاق ضد المجتمع في نهاية المطاف حفاظاً على بقائها ومن خلال ملاحظاتي باتت هناك إعادة صياغة للعلاقات الاجتماعية في غزة داخل المجتمع المحافظ بصورته التقليدية، على الرغم من أن الأمور مغطاة بخطاب سياسي وإعلامي يبدو متماسكاً، لكن المجتمع في داخله منهار، فالعلاقات الجنسية خارج الزواج نطاقها يأخذ بالاتساع وظاهرة الإدمان على المخدرات التي تترنح ما بين الصعود والنزول تجد لها محلاً في أوساط الغزيين، وهي مظاهر تكشف لنا لجوء الغزيين إلى الحلول الذاتية لكبح مشاعر الغضب الناتج عن الحرمان طويل المدى”.  

ليس مستغرباً في ظل هذه الظروف الوصول إلى درجة تؤثر على التماسك الأسري وبروز النزعة الشديدة نحو الخلاص الفردي، بحسب عاشور، حيث لا يوجد قضية كبرى تجمع الجمهور، فالإنسان حين يمر في ضائقة ناتجة عن حالة الحرمان الشديد يصبح فقط يفكر بنفسه وبقائه الشخصي ومن الصعب ان يفكر بقضايا جماعية، و”هنا يبرز تحدي غير متاح، في كيفية الوصول للتأقلم، وهو أحد الخيارات المحدودة غير الناجعة في غزة إذا ما أضيف إلى ذلك خيارا المواجهة أو الاستسلام”.

يشكّل العامل الاقتصادي نسبة 45% من أسباب حالات العنف ضد المرأة، بحسب إحصائيات وزارة شؤون المرأة؛ فبينما “تشرّع” العادات والتقاليد المحلية تعنيف الرجل للمرأة، لكونه معيلها، تزيد الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها الأسر الغزّية من أسباب الكبت والغضب والعنف، الذي يجد تنفيسه، غالباً في أجساد النساء والأطفال. 

بحسب بيانات صادرة عن وزارة التنمية الاجتماعية في غزة فإن نسبة الفقر بلغت ما يقارب 75%، وهذه النسبة تصيب فيما تصيبه فئة الشباب، حيث لا فرص عمل تساعدهم على إنجاز أي شيء، سواء الانفصال المالي عن الأهل أو تشكيل أسرة والزواج، فأغلب الشباب لا يمتلكون القدرة على تحقيق ذلك. ولا يوجد أي نوع من الاحتجاج الاجتماعي أو السياسي، وبات من المعروف أن مجرد التفكير في المواجهة سيكبدهم الاصطدام بقوى الأمر الواقع، في ظل غياب مؤسسات الدولة.

ولكن في سياق ضمني ومهم، يتجلى المشهد الأبرز للعنف في غزة بالحرب والاعتداءات الإسرائيلية، والتي تطال صدماتها النفسية مجموعة محدودة المدى من السكان الغزيين، فعددٍ معين يتعرض للصدمة، ويواجه آثارها وأمراضها الإكلينيكية الواضحة، ورغم كونها محدودة المدى والعدد، إلا أنها تندرج على المستوى العام كجزء من الآفاق المسدودة. 

لا شيء في غزة بإمكانه أن يشكّل انعطافاً في مسار الأحداث، وإنما تراكماً للحالة ممتداً منذ نحو عشرين سنة. فتكرار الحرب، يترك أعراضاً تصيب الشريحة الأكبر من الأفراد، تتمثل بشكل بارز في مظاهر القلق الشديد، والذي يعني تفكك العلاقات الاجتماعية التقليدية، ويعني شيوع تعاطي المخدرات والأدوية المهدئة، وأيضاً يغذّي نزعة العنف الفردية، حيث يصعب التفكير فيما هو أبعد من اليومي، وتختفي القدرة على الاندماج في قضايا جماعية، وتنخفض المشاركة والمساهمة فيها، ويخفت الحراك الذي يسمح بالانتقال من وضع إلى وضعٍ أفضل. والنساء بالدرجة الأولى من تدفعن الثمن.  

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
ندى محمد – باحثة في علوم الأحياء في جامعة اكسفورد البريطانية
تحرك الجهات المختصة السريع حول العالم لدراسة البروفيل الجيني للمتحور الجديد أظهر مفاجآت في المتحور لم تكن بالحسبان
Play Video

0:46

Play Video

2:09

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني