العراق: يد الدعم للأشخاص ذوي الإعاقة مبتورة
ومراكز تأهيلهم تحتاج إلى تأهيل!

يصارع هؤلاء لإدامة حياتهم في ظل بيئة لا تراعي حاجات "ذوي الاحتياجات الخاصة" وحكومة، كما يقولون، تتناساهم، ولا يهمها كيف يعيشون ويتدبرون قوت يومهم؟ أو أين يتلقون العلاج؟ وكيف يأمنون أطرافاً صناعية بديلة عن أطرافهم المفقودة؟

لم يعد بوسع حميد عبد الله (34 سنة) سماع وقع خطواته التي كان الصدى يضخّمها قبل سنوات وهو يمشي في الزقاق الضيق الذي يقع في نهايته منزله في شارع الفاروق بالجانب الأيمن لمدينة الموصل. “كانت تلك متعتي قبل أن تبتر رجلي اليسرى” يقول ثم يضرب عكازيه المعدنيين ببعضهما ليُصدر منهما فرقعة قوية “هذا ما تبقى لي الآن”!

في أواخر شهر آذار 2017، كان حميد مختبئاً مع أفراد عائلته في سرداب منزل قريبٍ لهم في منطقة (الساعة) هرباً من صواريخ وقنابل “حرب تحرير” المدينة من تنظيم داعش الذي كان يسيطر عليها منذ حزيران/يونيو 2014. ثلاث عائلات كانت تختبئ هناك. خمسة من افرادها دفنوا تحت أنقاض السرداب الذي تهاوى فوقهم. شقيقة حميد الصغرى وخالته كانتا من بينهم. رجله دفنت هناك أيضاً.

حميد يملك “بسطية” لبيع السجائر في منطقة المجموعة الثقافية وسط الموصل، هو واحدٌ من 6500  تسببت لهم حرب التحرير من داعش بإعاقات دائمة، يواجه معظمهم أوضاعاً صعبةً جراء افتقار المدينة الى البنى التحتية الصحية ومستلزمات دعم ذوي الإعاقة سواء المادية منها او النفسية. 

هذا العدد الكبير من ضحايا الحرب الأخيرة يضاف الى اعداد أخرى للحروب السابقة وأحداث العنف في نينوى التي شهدت آلاف التفجيرات بالعبوات والسيارات المفخخة طوال الفترة الممتدة بين 2004 و2014.

يصارع هؤلاء لإدامة حياتهم في ظل بيئة لا تراعي حاجات “ذوي الاحتياجات الخاصة” وحكومة، كما يقولون، تتناساهم، ولا يهمها كيف يعيشون ويتدبرون قوت يومهم؟ أو أين يتلقون العلاج؟ وكيف يأمنون أطرافاً صناعية بديلة عن أطرافهم المفقودة؟

المئات على لائحة الانتظار

المعمل الوحيد لإنتاج الأطراف الصناعية في نينوى شيدته منظمة الصليب الأحمر الدولي وافتتح في 14 تشرين الثاني/أكتوبر 2018  وهو يقتصر فقط على انتاج الأطراف لما “تحت الركبة”. 

سعد الله المتيوتي مدير مركز التأهيل البدني الذي يشكل المعمل جزءاً منه، يقول إن 1450 شخصاً مسجلين كمراجعين للمركز حصل نحو 900 منهم على أطراف صناعية أنتجها المعمل الذي تتولى منظمة الصليب الأحمر إدارته بكادر مشترك يضم موظفيها وفنيين عراقيين.   

ويشير إلى أن الطاقة الإنتاجية للمعمل تبلغ 28 طرفاً شهرياً وهذا يعني أن الأمر قد يستغرق سنوات عديدة قبل تغطية الحاجة الكاملة للأشخاص ذوي الاعاقة في المحافظة لذا فإن القادرين مادياً ممن بترت أطرافهم، يسافرون الى مدن عراقية أخرى كالسليمانية في إقليم كردستان للحصول على أطراف صناعية. 

يبلغ مجموع الأشخاص ذوي الاعاقة في نينوى، لأسباب حربية، 22500 شخصاً غالبيتهم العظمى فقدوا أطرافهم كاملة أو أجزاء منها خلال الحرب العراقية الإيرانية 1980-1988 والحربين ضد الولايات المتحدة الأمريكية 1991- 2003، وبعدها خلال حقبة سيطرة الجماعات المسلحة ومن بينها داعش، وصولاً إلى حرب تحرير العراق من سيطرة التنظيم الإرهابي.

غياب الدعمين المادي والنفسي

تمرر إسراء حمدون (23 سنة) يدها في الفراغ أسفل كتفها الأيمن وتقول بشيء من الحيرة أنها تشعر أحياناً بذراعها المبتورة وكأنها ما زالت في مكانها “حدث أنني أحاول مدها لالتقاط شيء والاستناد عليها للنهوض وأيضاً برغبة مستحيلة في أن التقط قلماً وأكتب مجدداً” .

أصيبت ذراع إسراء بشظية عبوة ناسفة من مخلفات مرحلة داعش انفجرت على مسافة قريبة منها في غربي مدينة الموصل عندما كانت ترافق أقرباء لها في نزهة للبرية ربيع 2018.

لم تجد إسراء الخريجة من كلية الآداب في جامعة الموصل العناية الطبية الكافية بسبب تداعيات الحرب التي دمرت خمس مستشفيات بالكامل مع العشرات من المراكز الصحية والمختبرات الطبية وجعلت نحو أربعة ملايين مواطن من سكان نينوى يفتقرون الى أبسط مقومات الرعاية الصحية.

إقرأوا أيضاً:

“الأمر لا يتعلق بضمادة للجرح أو قطعة بلاستيكية أضعها أسفل كتفي لسد النقص الحاصل في جسمي” تقول إسراء، “مشكلتي نفسية على نحو كبير، فلم أعد إسراء التي كنتها سابقا، تقلصت حظوظي في كل شيء، حلم العثور على وظيفة، الزواج، حتى الناس الذين أعرفهم أخذوا ينظرون إلي بطريقة مختلفة، نظرة عطف توحي بأنني كائن ناقص”.

الدعم النفسي الذي تفتقر اليه إسراء يكاد أن يكون معدوماً في نينوى، فلا أقسام نفسية في المواقع البديلة للمشافي، والمحافظة بأسرها ليس فيها، بحسب معلومات حصلنا عليها من دائرة صحة نينوى، سوى 12 طبيباً نفسياً أربعة منهم فقط اختصاصيون. 

وعلى نطاق تأهيل الأشخاص ذوي الإعاقة، فالقسم الوحيد المتخصص، والذي افتتح في آذار/مارس 2021 “يحتاج الى عادة تأهيل” كما يقول موظف يعمل فيه رفض الإشارة إلى اسمه.

فالقسم يفتقر إلى الأدوية والكراسي بمختلف أنواعها (المتحركة والثابتة وبمسند ذراع متحرك وبمسند ذراع ثابت) وغيرها من المستلزمات الأولية التي تتطلبها اعادة تأهيل الأشخاص ذوي الإعاقة.

يرجع السبب بحسب معنيين، الى عدم وجود مخصصات مالية كافية في مدينة خرجت من حرب ادت إلى تدمير 80% من بناها التحتية ونحو 11 ألف وحدة سكنية، قدرت تكاليف إعادة أعمارها في سنة 2017 بحسب المتحدث باسم وزارة التخطيط عبد الزهرة الهنداوي بما بين 50- 100 مليار دولار أمريكي. وقلة المخصصات المالية تسببت بتعثّر أو عدم الشروع بتنفيذ مشاريع اعادة إعمار للكثير من المرافق في نينوى كما يذكر محافظها نجم الجبوري.

ويقول الجبوري إن آخر تخصيص مالي من الحكومة المركزية هو 60 مليار دينار كان يفترض صرفها دفعة واحدة إلا أنه فوجئ مطلع حزيران/ يونيو 2021 بتقسيطه على شكل دفعات شهرية تبلغ الواحدة ملياري دينار، ما يعني أن الحصول عليها كاملة سيستغرق سنتين ونصف السنة. وعليه، يدعو الجبوري الحكومة العراقية الى التعامل مع نينوى بمسؤولية “تتلاءم مع حجم الضرر الواقع عليها جراء الحرب”.  

مدينة لا تراعي وجودهم

الباحث الجامعي عادل محمد، يعتقد بأن الإدارات المتعاقبة في نينوى ومنذ تأسيس الدولة العراقية قبل نحو قرن، لم تشمل الأشخاص ذوي الاعاقة في خطط تنفيذ تصاميم الشوارع والأرصفة وباقي المرافق العامة. فلا توجد مناطق مخصصة لعبور الكراسي المدولبة في الشوارع وعلى الأرصفة ولا يوجد أمكنة مخصصة لركن مركباتهم أو دورات مياه خاصة بهم كما هو معمول به في دول العالم المتحضرة. ويتساءل “كيف يمكن لمن فقد اطرافه ان يركب حافلة نقل غير مجهزة؟ او يراجع دائرة حكومية مؤلفة من طابقين أو ثلاثة من دون مصعد؟”.

ويرى بأن السبب الرئيس في ذلك هو المواطنون أنفسهم والثقافة السائدة بينهم جيلاً بعد جيل، إذ “لم يحدث أن خرجت تظاهرة شعبية واحدة تطالب بهذه الحقوق البديهية”. ويتهم محمد مؤسسات الدولة المعنية من الصحة والعمل والضمان الاجتماعي بالإتكال على ما تجود به المنظمات الدولية لدعم وإعانة وإعادة تأهيل الأشخاص ذوي الاعاقة، وهذا أقلّ واجبها، وفقاً لتعبيره.

 وتنص المادة 32 من الدستور العراقي على أن تراعي الدولة الأشخاص ذوي الإعاقة، وتتكفل بتأهيلهم بغية دمجهم في المجتمع، وتنظيم ذلك في قانون، وهو ما تمظهر في القانون رقم 38 لسنة 2013 الذي أقر حقوقاً يعدّدها المحامي ميسر مال الله سمير وهي: “صحية وتأهيل مجتمعي وتأمين التعليم بمختلف مراحله وتوفير فرص متكافئة في مجال العمل والتوظيف، وفق مؤهلات الأشخاص ذوي الاعاقة وتقديم معونات شهرية لغير القادرين على العمل منهم. إلى جانب انشاء المراكز والأندية الرياضية الخاصة بهم ودعمها وتخفيض أسعار تذاكر السفر الجوي لهم بمقدار خمسين في المئة ولمرتين في السنة مع تأمين السكن الملائم ومنحهم اعفاء بنسبة عشرة في المئة من ضريبة الدخل بالإضافة إلى قروض ميسرة. كما ينص القانون على تأمين راتب للمعين، وعقوبات جزائية على من يدّعون الإعاقة، او يستغلونها للتسول، مع استحداث هيئة لرعاية الأشخاص ذوي الاعاقة، تتمتع بالاستقلال المالي والإداري، وتضم عددا من الوزارات ذات العلاقة. لكن “معظم ما يحمله القانون من حقوق بقي حبراً على ورق”، يقول المحامي سمير، بسبب عدم تنفيذه من قبل الوزارات ذات الصلة “وفي كل سنة يخفق البرلمان العراقي في وضع حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة ضمن قانون الموازنة الاتحادي السنوي”.

يتقاضى معظم الاشخاص ذوي الاعاقة في العراق راتب الرعاية الاجتماعية الذي جرى اقراره سنة 2014 بمبلغ شهري مقداره 100 ألف دينار عراقي (نحو 75 دولاراً)، وهذا المبلغ لا يكفي لمراجعة اي مستشفى أهلي او عيادة خاصة للحصول على علاج بسيط لمرة او اثنتين في الشهر. وهم ينتظرون اقرار قانون جديد على أمل تحسين أوضاعهم الاجتماعية.

يغطي سالم حمدون (34سنة) رأسه بمنديل ليقي رأسه حرارة الشمس اللاهبة وهو يزاول عملهُ مستنداً على عكاز خشبي، يستلم التذاكر في مرآب عام للسيارات شرقي الموصل. توفر له وظيفته هذهِ بدل أيجار المنزل وتُسد جزءاً من نفقات المعيشة.

تسبب انفجار سيارة مفخخة في شهر آب/أغسطس 2007 ببتر قدمه اليسرى وفقد عينه اليسرى كذلك. يقول بلهجة ساخرة وهو يبتسم “منذ 2007 وأنا استمع الى وعودهم.. يقولون خاصة قبيل كل عملية انتخابية بأنهم سيحسنون اوضاعنا المعيشية، لكن ما يحدث أن أوضاعنا تسوء يوماً بعد يوم”. 

وزير العمل والشؤون الاجتماعية عادل الركابي يقول بأنه جادٌ في متابعة حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة وإدراجها ضمن قانون الموازنة الاتحادية لسنة 2021، من دون أن يبين الآلية التي سيتبعها. لكنه يقرّ بأن حقوقهم غير مضمونة بسبب عدم تطبيق قانونهم رقم 38 لسنة 2013، رافضاً أن تتحمل وزارته وحدها مسؤولية ذلك، “بل هي مسؤولية تكاملية تتحملها الدولة بمختلف اجهزتها”، كما يقول.  

أنجز التقرير بدعم من مؤسسة نيريج للتحقيقات الاستقصائية. 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
مارسيل نظمي
منذ اللحظة الأولى لدخول مكتبه، لم ينظر إلي، شعرت كما لو كنت شفافة تماماً أو قطعة ممتدة لزجاج مكتبه، كان كلامه كله موجهاً إلى خطيبي، ظللت أتابع أسئلته فقط وأحاول التحكم في عضلات فمي لئلا أضحك وأفسد أي شيء أثناء حوارهما الأكثر غرابة وربما طرافة أيضاً.
Play Video

3:14

Play Video

3:28

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني