fbpx

تركيا تضحّي بإعلاميي “الإخوان المسلمين” على “مذبح” السيسي

تطور واضح في العلاقات، بطله الأول الإعلام، وضحيته الأولى وجوه إعلامية اعتادت التربّح والبقاء "على الهواء"، على ذمة الصراعات المصرية في الإقليم، حتى باتت تلفظُ أنفاسها الأخيرة بالمصالحات والمناورات المصرية القطرية التركية...

يدفع الإخوان المسلمون في تركيا، وخصوصاً الإعلاميين الذين يدورون في فلكهم، ثمن التقارب المصري التركي. تبدي أنقرة حسن نيتها ورغبتها في إتمام مفاوضات التقارب مع القاهرة، وتطبيع العلاقات المتدهورة منذ سقوط الرئيس المصري المنتمي لجماعة “الإخوان المسلمين”، محمد مرسي. ولهذا، وكبادرة حسن نية، أوقفت الأذرع الإعلامية الإخوانية، معتز مطر ومحمد ناصر وحمزة زوبع والفنان هشام عبد الله، وأمرت بمنع جميع أنشطتهم على الفضائيات ومنصات التواصل الاجتماعي، بناءً على طلب مصري، طالما انهم متواجدون على الأراضي التركية.

جاءت هذه القرارات بعد شهرين من استغناء قناة “الشرق” عن مطر، وإحالة برنامج ناصر إلى فترة مفتوحة لتناول الشأن الدولي سياسيًا واجتماعيًا، وتغيير السياسة العامة لجميع القنوات الإخوانية التي تبث من تركيا، “الشرق” و”مكملين” و”وطن”، لتتحول إلى قنوات منوعات بعيدًا من النبرة السياسية الحادة ضد القاهرة.

هددت السلطات التركية، أيضًا، بعض النشطاء المتعاطفين مع الإخوان بالترحيل أو الإبعاد عن الأراضي التركية حال استمرارهم في الخطاب “الناقد” للشأن المصري. ومن بين هؤلاء الناشطة “السورية الأصل” غادة نجيب، زوجة الفنان المصري هشام عبد الله، التي أعلنت أن السلطات التركية أبلغت زوجها “بشكل رسمي” بمنعها من التدوين والكتابة على مواقع التواصل الاجتماعي.

ويبدو أن تلك الأذرع الإعلامية التي تطلّ عبر مواقع التواصل الاجتماعي تمثل إزعاجًا شديدًا للسلطات المصرية، دفعها إلى التراجع في الاتفاق حول عدة ملفات كانت تربطها بأنقرة مؤخرًا، كالملف الليبي وغاز شرق المتوسط، وذلك بعدما طالبت تدريجيًا بكتم تلك الأصوات، إذ تكشف مصادر مطلعة على الشأن التركي لـ”درج” أنّ سلطات أنقرة وجّهت تعليمات للفضائيات المصرية المعارضة بوقف أي برامج أو مداخلات تنتقد القاهرة. 

وأشارت المصادر إلى أن مصر وسّعت دائرة مطالبها للتقارب مع تركيا، بوقف حدة النقد الموجَّه لدول الخليج أيضًا، في محاولة لاحتواء غضب الإمارات والسعودية من القاهرة بعد التقدم وحدها في المفاوضات.

ما وراء “استراحة” معتز مطر: عودة قريبة من دولة أخرى

تدرّجَ غضبُ القاهرة من تركيا، وتبلور في تعليق الاجتماعات حتى إشعار آخر، فمصر اعتبرت ان أنقرة تتنصَّل من الاتفاقات السابقة بشأن تحجيم “الإعلام الإخواني” الذي يُبث من أراضيها، بعدما عاد بعض الإعلاميين لمهاجمة مصر بصيغة مبطنة وأخرى صريحة واستهداف شخصيات من رموز النظام المصريّ بعينها، كما أنّ مطر، الذي انقطع عن الظهور التلفزيوني، أعدّ “ستديو” خاص لبثّ برنامجه “مع معتز” عبر مواقع التواصل الاجتماعي و”يوتيوب” وتضاعف تأثيره بعد تركيزه على الدعاية الرقمية وارتفاع نبرته العدائية تجاه مسؤولين مصريين للوصول إلى عدد أكبر من المشاهدين.

مؤخرا تم إبلاغ معتز مطر بإيقاف بث برنامجه على يوتيوب أيضًا وهو ما يشير إلى أنّ تركيا تضحّي تدريجيًا بالإعلام المصري الذي تحتويه منذ نحو 8 سنوات لصالح حلّ ملفات أخرى متأزمة، أبرزها بقاء القوات التركية في ليبيا. مطر قال إن توقفه عن البث ليس سوى “استراحة محارب”، وهذا يعني على الغالب انه سيعود للبث لكن من دولة أخرى. وذكر موقع “العربية” الإخباري – حسب مصادره – أنّ “مطر سيغادر تركيا خلال أسبوعين من الآن ويرحل نهائيًا إلى دولة أخرى”. 

يبحث مطر ورفاقه منذ التضييق الأول على الإعلام المصري، الذي يُبث من تركيا، عن ملجأ جديد؛ دولة أخرى “لا تلتزم مع مصر بمعاهدات تسليم مطلوبين” لبث برامجهم منها، وتمحورت الخيارات المتاحة حول إسبانيا، بناءً على تجربة المقاول المصري الهارب محمد علي، لكن تكلفة المعيشة فيها أعاقت انتقال فرق العمل إلى هناك، وكان الخيار الثاني ماليزيا، باعتبارها ملجأً للعديد من العناصر الإخوانية، وميلها لنظام حكم إسلامي، وانتشار جمعيات وتنظيمات وشركات ذات طابع إسلامي ومستعدة للتمويل. فضلاً عن خيار التوجه إلى الولايات المتحدة “دون فريق عمله” والبث بإمكانيات بسيطة عبر قناته بـ”يوتيوب” ومواقع التواصل الاجتماعي، على غرار تجربة الناشط المصري علي حسين مهدي.

إقرأوا أيضاً:

الراعي الرسمي للإعلام المصري في تركيا “خارج الخدمة” مؤقتًا

ياسين أقطاي، الاسم الأكثر حضورًا في أوساط الإعلاميين المصريين في تركيا، هو مستشار الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، والمتحدث باسم حزب “العدالة والتنمية” الحاكم، والمسؤول عن ملف “حقوق الإنسان” بالدوائر الرئاسية والرجل الأكثر  كراهية لمصر “السيسي” في تركيا، كما تروّج الصحف المصرية.

يرتبط أقطاي بعلاقات صداقة مع أغلب الإعلاميين المصريين، وعلى رأسهم أيمن نور، المرشح الرئاسي الأسبق، وقد تولّى التنسيق بين الجهات المانحة والممولين والإعلاميين وعناصر الإخوان الهاربة من القاهرة لإنشاء قنوات “رابعة” و”الشرق” و”مكملين” و”وطن”، فكان يعتبر رئيس القنوات الفعلي، لقدرته على الحديث باللغة العربية، حتى أنه كثيرًا ما كان يطلُّ عبر شاشات تلك القنوات ضيفًا في برامج عدة. 

وكان أردوغان يعتبره حلقة الوصل بين السلطة التركية و”الطيور المهاجرة” من مصر، وهو ما منحه صلاحيات هائلة وشهرة كبيرة خلال المراحل الماضية من عُمر الصراع الدائر، إلا أنّ “أقطاي” أصبح عقبة في طريق تقدم المفاوضات بين البلدين، فمن بين مطالب القاهرة للتقارب بين البلدين تنحيته أو منعه من الحديث في الشأن المصري. 

يطلق أقطاي “قذائف” على القيادة المصرية وقراراتها السياسية، تحديدًا في مقالاته المتخصصة بالشأن الدولي. وكانت أحدث تلك “القذائف” ضمن مقال في صحيفة “يني شفق” التركية. أعاد استخدام قاموس المصطلحات والآراء التي أفسدت العلاقات المصرية – التركية قبل سنوات، واصفاً الثلاثين من تموز/يوليو بـ”الانقلاب العسكري في مصر”، وانتقد 12 حكمًا بالإعدام صدر بحق قيادات وعناصر من جماعة الإخوان المسلمين في القاهرة مؤخرًا، واعتبرها “قرارات إعدام جماعية وانتقامية وروتينية تتحول إلى جريمة ضد الإنسانية”، وذكر أن الإعدامات تزامنًا مع الملء الثاني لسد النهضة هي “محاولة لمنع ظهور قائد أو زعيم سياسي ما في الظروف الصعبة الراهنة، فهي إجراء احترازي لردع الكيانات السياسية الموجودة ومواجهة أي تحرك اجتماعي محتمل”، وتوقع تعرض مصر لخطر الجفاف الشديد والمجاعة. 

تتعارض رؤى أقطاي الأخيرة مع تصريحات تركيا “الدافئة” تجاه مصر، رغم كونه مسؤول رسمي كبير في سلطة أردوغان، وهو ما فسرته القاهرة باتباع أنقرة سياستين في مفاوضاتها، تضرب بيد وتصافح بالأخرى، فما كان منها سوى إبلاغ تركيا رسميًا رفضها التسامح مع تجاوزات ياسين أقطاي، الذي تحوّل إلى رجل غامض يسير ضد التيار التركي، لكن التضييق على الإعلام الناطق بالمصرية يُحسب تقليصًا لصلاحيات مستشار أردوغان، وتعطيلًا لـ”ترسانة قذائفه الإعلامية” التي يدير بها الأزمة مع مصر منذ سنوات. 

هددت السلطات التركية، أيضًا، بعض النشطاء المتعاطفين مع الإخوان بالترحيل أو الإبعاد عن الأراضي التركية حال استمرارهم في الخطاب “الناقد” للشأن المصري.

في تركيا، لم تتأثر سلطات أقطاي رسميًا، يحافظ على منصبه الحزبي والسياسي، يمارس أدواره تقريباً بشكل طبيعي، ولكونه أكاديمي وسياسي مخضرم، تشير توقعات إلى أنّ إقصائه “قرار مؤقت” لاحتواء الخلاف الراهن مع القيادة السياسية المصرية.

ويُرجَّح، في الفترة المقبلة، ان تهدأ نبرة أقطاي تجاه مصر وتكليفه بملفات أخرى حسّاسة أيضًا، فالرجل قريب من أردوغان منذ صعوده إلى السلطة، وأدار ملفات تضعه في مقدمة صفوف المسؤولين الأتراك. 

التقارب المصريّ القطري، الذي تجلّى في زيارات متبادلة على المستوى الرئاسيّ بين القاهرة والدوحة، يضع الإعلاميين المعارضين في العاصمة التركية في ورطة أيضًا، فلم تعُد القنوات الممولة قطريًا حلًا بديلًا لهم بعدما كانوا يتنقّلون بين منصات ومواقع وقنوات عدة ما بين لندن والدوحة وأنقرة، وجميعها بتمويل قطري أو تركي، لكن المتابعُ للقنوات الممولة قطريًا يعلم أنها توقّفت أيضًا عن توجيه النقد الشديد للقاهرة، أو احتواء أقلام وأصوات معارضة لمصر، وذلك منذ المصالحة الخليجية التي جرت في “قمة العلا” في السعودية. 

أعقب القمة الخليجية خطوات متسارعة للمصالحة بين مصر وقطر، زيارات لوزراء، ودعوات للقاءات بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وأمير قطر تميم بن حمد، وتوقف الصحف والقنوات المصرية عن الإشارة للدوحة أو ذكرها بشكل خبري أو تحليلي بعدما كانت لسنوات “الصيد الثمين” الذي لا يمرّ أسبوعًا دون إهالة التراب عليه فضائيًا وصحفيًا.

وكذلك، استضافت قناة “الجزيرة” التي تُبثُّ من الدوحة، وزير الخارجية المصريّ، سامح شكري، لتبرز في الخلفية صورته قبل 5 سنوات وهو يزيح ميكروفون الجزيرة بعيدًا لتعبر عن تغييرٍ وشيك يصاحبه تقليل لمساحات التغطية الإعلامية من مصر، واختفاء للنقد أو الضيوف الذين يعلقون على الشأن المصريّ الداخلي بـ”الجزيرة” ونوافذ أخرى ممولة قطريًا كـ”التليفزيون العربي” الذي يُبثّ من لندن، وصحيفة “العربي الجديد” ليبدو ما يجري الآن، في أحد أوجهه، حصارًا للإعلام الناطق بالمصرية في تركيا.

تطور واضح في العلاقات، بطله الأول الإعلام، وضحيته الأولى وجوه إعلامية اعتادت التربّح والبقاء “على الهواء”، على ذمة الصراعات المصرية في الإقليم، حتى باتت تلفظُ أنفاسها الأخيرة بالمصالحات والمناورات المصرية القطرية التركية، إذ أنها وفق الخبير الإعلامي المصري صفوت مصطفى، لم تكن وجوهًا “مهنية” حتى في معارضتها أو عملها التلفزيوني أو الصحفي: “التناول غير المهني، الذي يعتمد على الصوت العالي والإهانات من دون سند أو أدلة أو معايير ومواثيق إعلامية صحيحة، يحصر المؤدي أو القائم بالرسالة في بعض المنصات الممولة بمال سياسي بغرض التشهير بالأعداء أو استهدافهم، وأغلب تلك المنصات عمرها قصير، وتُغلق بمجرد حل الأزمة أو تسوية الخلاف الدولي”، بحسب مصطفى.

وفور إغلاق تلك المنصات، يتابع مصطفى، “يجدُ المذيع نفسه عاطلاً من العمل، ولا يجد عروضًا من قنوات بديلة، وينتهي أمره في الحال، لأن القنوات الإقليمية تريد وجوهًا ذات ثقل وتتمتع بالرقي والثقة مع المشاهد، كما أنّ “ما يقدمه من شتائم وادعاءات واتهامات قد يضع القناة تحت طائلة القانون في دولٍ مثل بريطانيا، إن كانت مرخّصة في لندن كما الحال مع كثير من القنوات العربية، وقد يؤدي أسلوبه (القائم على الاستهداف السياسي والشخصنة) إلى التسبب بدفع تعويضات هائلة، ولذلك نجد قنوات تابعة لدول تعادي دولًا أخرى بشدة، لكنها تتحسَّس جميع الأخبار والآراء والمعلومات قبل بثها، وتخضع جميع العاملين بها لمعايير وقوانين حسَّاسة للغاية، خوفًا من القضايا والتعويضات والإغلاق”. 

يشير مصطفى إلى أسلوب “التعبئة العامة” الذي يتَّبعه معتز مطر ومحمد ناصر وكثير من مقدمي البرامج المصريين في القنوات التي تبثّ من تركيا، ويخلص إلى أنه لم يعد لها بديل سوى مواقع التواصل الاجتماعي، “التي لا تدر ربحًا كبيرًا كما القنوات الممولة من دول وكيانات كبرى مهما بلغ عدد المتابعين والمشاهدات، وهو ما يعدّ أزمة بالنسبة لهم”، كما يقول. 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
علي كريم إذهيب – صحافي عراقي
“الأرقام تبدو مشجعة بالنسبة إلى مشاركة النساء في الانتخابات حيث يمثلن 30 في المئة من المرشحين وهذا من شأنه تحقيق التوازن في صنع القرار”
Play Video
بعد 16 عاماً من توليها منصب المستشارة الألمانية، قرّرت أنغيلا ميركل مغادرة الساحة السياسية بسيرة ذاتية حافلة بالدفاع عن الحقوق المدنية وحقوق اللاجئين وانتقادات لمساوتها مع قوى استبدادية عالمية… من هي أنغيلا ميركل؟

2:52

Play Video
يكشف هذا التحقيق عمليات تجنيد الأطفال السوريين من قبل المليشيات الإيرانية وتلك التي تتلقى دعماً إيرانياً، وعمليات التضليل الإعلامي التي يتم استخدامها من قبل هذه المليشيات والمؤسسات الثقافية والدينية الإيرانية لهذا الغرض.

1:51

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني