إبراهيم رئيسي: الطريق من “لجنة الموت” إلى الرئاسة الإيرانية

من المتوقع أن يواجه رئيسي عقبة قانونية كبيرة بعد أن تمكنت محكمة ستوكهولم، منذ أكثر من سنة، من اعتقال مساعد قاضي سجن كوهردشت حميد نوري، الذي شارك شخصيا في إعدامات عام 88، تنفيذا لأوامر رئيسي وقضاة "لجنة الموت".

منذ إعلان ترشحه ولاحقاً فوزه في الانتخابات الرئاسية الإيرانية، أثار الرئيس الإيراني المنتخب ابراهيم رئيسي، زوبعة من الاعتراضات داخل إيران وخارجها، ذلك أن اسمه يرتبط في أذهان فئة كبيرة من الإيرانيين والمنظمات الحقوقية في العالم، بما يعرف ب”لجنة الموت”.

هذه اللجنة كان شكلها الإمام الخميني من أربعة قضاة (ابراهيم رئيسي، حسين علي نيري، مرتضى إشراقي ومصطفى بور محمدي) في العام 1988، وكلفها قانونا وشرعا، بمحاكمة المعتقلين السياسيين المعادين للثورة، في كل السجون المقامة على أراضي الجمهورية الإسلامية، ردا على الهجوم المسلح (بحسب الرواية الرسمية) الذي شنته حركة “مجاهدي خلق” على مناطق في غرب إيران، انطلاقا من الأراضي العراقية، والتي انتهت بمذبحة قضت على مدى خمسة أشهر، على حياة حوالي 5 آلاف معتقل سياسي، على أقل تقدير (مصادر أخرى تؤكد أن عدد الضحايا وصل إلى 30 ألفا).

عدا كونه أحد أعضاء “لجنة الموت”، يحفل سجل رئيسي (المهني) بأحكام السجن والتعذيب والقمع والتنكيل بالمعارضين، على طول سنوات عمله في القضاء، وصولا إلى تعيينه في العام 2019 رئيسا للسلطة القضائية في إيران، خلفا لصادق لاريجاني، كما يرتبط اسمه، بانتهاكات لحقوق الإنسان ومحاكمات جائرة وإعدامات، بحق المعتقلين اليساريين في حقبة  الثمانينيات وناشطي انتفاضات 2009  و2017 و2019 واستخدام القوة المفرطة في قمع المحتجين السلميين.

خلال حملته الانتخابية، نفى رئيسي أكثر من مرة عضويته في “لجنة الموت”، وأكد أنه لا يتحمل أي مسؤولية في قضية إعدامات الثمانينيات، برغم أن مرشد الجمهورية السيد علي خامنئي، كان قد وصف هذه الإعدامات، في خطاب تنصيب رئيسي رئيسا للسطلة القضائية (2019) بأنها أعلى درجات الفخر لدى النظام، أما بعد فوزه بالرئاسة، فرد رئيسي على نابشي ماضيه الأسود، بطريقة غير مباشرة، خلال مؤتمره الصحافي الأول، الذي عقده في طهران منذ أيام، بأن كل ما فعله خلال توليه مناصب مختلفة في القضاء، هو من أجل أمن الجمهورية الإسلامية وأمان الشعب. 

يأمل أهالي الضحايا والناجون من إعدامات عام 88 في أن شهاداتهم ستؤثر على الوضع القانوني للرئيس المنتخب، ويتوقعون أن تحد من تعاطي الحكومات الأوروبية سياسيا معه ومع الجمهورية الإسلامية ككل

من هو رئيسي

ولد ابراهيم رئيس الساداتي المشهور برئيسي، في محلة نوغان، إحدى أقدم المناطق وأكثرها اكتظاظا في مدينة مشهد، لأبوين ينحدران من عائلتين دينيتين، فقد والده في سن الخامسة، وبسبب بيئته الدينية، التحق بالتعليم الديني في حوزة “نواب” في مشهد، بعدما أنهى المرحلة الابتدائية (الصف السادس)، وفي سن الخامسة عشرة، انتقل إلى قم لإكمال دراسته الدينية، متنقلا ما بين مدارسها، فدرس بداية في حوزة آية الله بروجردي، التي كان يديرها آية الله پسندیده شقيق الإمام الخميني، ثم انتقل للدراسة على يد آية الله علي مشكيني ثم آية الله أبو القاسم خزعلي ثم آية الله محمود هاشمي شاهرودي، وهو أحد أهم أستاذته.

لا يوجد في سيرته إشارة إلى أنه شارك في الثورة، فلم يرد اسمه في سجلات المعتقلين ولا المتظاهرين ولا حتى المعادين لنظام الشاه، اللهم إلا إشارة بسيطة حول اجتماعه بالمرشد السيد علي خامنئي حين نفاه نظام الشاه إلى مدينة إيرانشهر، مع عدد من طلبة العلوم الدينية، بعد الثورة، كان في عداد الطلبة السبعين، الذين دربهم آية الله محمد بهشتي، ليشكلوا فيما بعد الجسم القضائي للجمهورية الإسلامية، وهناك رواية تنفي هذه المزاعم، وتؤكد أن رئيسي كان تليمذ رجل الدين المتشدد أحمد جنتي، الذي يشغل حاليا رئاسة مجلس صيانة الدستور.

بعد أقل من عام على انتصار الثورة، شكل الإمام الخميني قواعد محاكم ثورية في عدد من المدن الإيرانية، قوامها من رجال الدين الثوريين، وكانت مهمتهم تسوية أوضاع المجموعات والشخصيات السياسية التابعة لنظام الشاه، وملاحقة الجماعات المعارضة لإقامة الجمهورية الإسلامية، ومنحهم سلطات غير محدودة، مما مكنهم في وقت قياسي من الاستيلاء على إدارات المدن، رئيسي كان الساعد الأيمن لممثل الخميني في مدينة مسجد سليمان، وكانت هذه المهمة أولى أنشطته القضائية.

إقرأوا أيضاً:

في السنة ذاتها، وبعد تنفيذ مهمته القضائية في مسجد سليمان، بإخلاص، وكان لم يبلغ العشرين من عمره بعد، شغل منصب مساعد المدعي العام لمدينة كرج، ثم ترقى بمدة وجيزة ليصبح هو المدعي العام للمدينة ومدينة همدان في الوقت نفسه، حيث توسعت صلاحيته في كلا المدينتين، فبسبب قرب الأولى من طهران، جعلها خاضعة لتأثيراتها الاجتماعية والثقافية والسياسية، فتحولت إلى معقل لمعارضي أسلمة الثورة، أما كون الثانية مركز المحافظة التي تحمل اسمها، فقد أتاح له ذلك أن يحكم المحافظة بأكملها، وينكل بمعارضي الثورة، بعدها، أصبح المدعي العام لمحاكم الثورة، فأكب على “دراسة” ملفات عناصر حركة “مجاهدي خلق” والجماعات الأخرى المعارضة، واتسمت هذه الفترة، بإصدار أكثر الأحكام قسوة في عمر الثورة، تزوج وهو في الثالثة والعشرين من عمره، جميلة سادات علم الهدى، الابنة الأولى لأحمد علم الهدى، إمام صلاة الجمعة في مشهد، ولديهما ابنتان، وكان لزواجه الأثر الأكبر في ما حصل عليه من مكتسبات، ووصولا إلى خطف كرسي الرئاسة.

أصبح رئيسي قاضيا وحاكما شرعيا قبل أن يحصل على شهادة عالية في الدراسة الدينية، عدا أن دراسته الأكاديمية لم تتجاوز عتبة المرحلة الأساسية، لكنه يروي في سيرته الذاتية أنه حين تعين في منصب المدعي العام  في كرج، بدأ في حضور دورات فقهية لدى آية الله مدرسي، واستطاع التوفيق بين دراسته الحوزوية ووظيفته قدر المستطاع، فكان يعمل صباحا في محافظة طهران وينتقل بعد الظهر إلى قم ليتابع محاضراته، وبعد إنهاء دراسته الدينية سجل رسالة ماجيستر في القانون الخاص، وكان عنوان رسالته “الإرث بلا وارث”، ثم اجتاز امتحان القبول للدكتوراه في جامعة مطهري، في قسم الفقه والقانون، إلا أنه خلال حملته الانتخابية، سرت شائعات تكذب تحصيله العلمي، وطالبه مرشحون مثل عبد الناصر همتي، بإبراز مستنداته إن كان صادقا، الشيء الذي لم يحصل!

بعد همدان، نُقل إلى طهران، وفيها تولى في البداية، محاكمة سجناء الرأي، كنائب المدعي العام لمحكمة طهران، ثم أصبح المدعي العام، في عام 1986، وتسلم مسؤولية استجواب المحتجين على فرض الحجاب والحركة الطالبية في الجامعات، وفي عام 1988، أصبح واحدا من القضاة الأربعة، الذين عينهم الإمام الخيميني في إطار “لجنة الموت”، للتحقيق بشكل مستقل عن القضاء الرسمي، مع متهمين بمحاولة القيام بثورة مضادة، ونفذ آلالافا من أحكام الإعدام شنقا أو رميا بالرصاص، أغلبها تم تنفيذه في طهران. 

انتهت حقبة الثمانينيات، ورست على أربع وقائع: مذبحة أبادت كل المعارضين الإسلاميين والشيوعيين وقوى اليسار، رحيل الإمام الخميني، انتهاء الحرب العراقية الإيرانية وتعيين السيد علي خامنئي مرشدا للجمهورية، على وقع هذه التحولات، اختار رئيسي أن ينتمي إلى التيار المحافظ، وتقرب كثيرا من المرشد

في الكثير من الأحاديث المسربة عنه، وعن قضاة “لجنة الموت” الآخرين، يدعي رئيسي أنه لم يكن لديه خيار حينها، سوى تنفيذ أوامر الإمام الخميني، وأنه وزملاءه حاولوا كثيرا إعدام أقل عدد من الأشخاص، لكنهم فشلوا، إذا إن الأوامر كانت صارمة، وأعمالهم كانت مراقبة، كما أنهم وجهوا اللوم إلى مجلس القضاء الأعلى، لعدم محاولته ثني الإمام الخميني عن تنفيذ الأحكام، وفي إحدى أحاديثه قال إنه حاول الاستقالة مرارا من اللجنة والعودة إلى حوزة قم، لكنه كان قد تورط، ولم يعد بإمكانه التراجع.

انتهت حقبة الثمانينيات، ورست على أربع وقائع: مذبحة أبادت كل المعارضين الإسلاميين والشيوعيين وقوى اليسار، رحيل الإمام الخميني، انتهاء الحرب العراقية الإيرانية وتعيين السيد علي خامنئي مرشدا للجمهورية، على وقع هذه التحولات، اختار رئيسي أن ينتمي إلى التيار المحافظ، وتقرب كثيرا من المرشد، الذي سرعان ما عينه في بداية التسعينيات، رئيسا للسلطة القضائية في طهران، ورئيسا لمجلس التفتيش المركزي، وظل في هذا المركز لمدة 10 سنوات، خلال هذه الفترة أيضا، شغل منصب الممثل الخاص للسلطة القضائية في مشهد، وهو منصب غير رسمي ومنفصل عن القضاء، لكن المرشد الذي يثق بقدرته على استنباط أحكام القتل، انتدبه إلى مشهد، التي كانت تشهد انتفاضة شعبية في ذلك الوقت، وهناك أمر بإعدام عدد كبير من المتحتجين من خلال محاكمات سريعة من خارج أطر القانون. 

في بداية الألفية الثانية، أصبح المعاون الأول للسطلة القضائية في البلاد، والمدعي العام للمحاكم على سائر الأراضي الإيرانية، خلال هذه الفترة ابتعد كليا عن الوسط السياسي، وقليلا ما كان يظهر في الإعلام، وتولى أيضا في هذه الفترة إدارة العتبة الرضوية المقدسة، وهي مؤسسة مالية تابعة للمرشد، تحصل أموال الخمس والزكاة والتبرعات التي يقدمها الشيعة في العالم، هدايا لمرقد الإمام الرضا (ثامن أئمة الشيعة الاثني عشرية)، بطلب من علم الهدى (والد زوجته)، وهنا بدأ يلمع اسمه كأحد الخلفاء المحتملين للمرشد.

في العام 2016 وعلى مقربة من دورة الانتخابات الرئاسية السابقة، تردد اسم رئيسي بكثافة، كمتهم أول بتنفيذ إعدامات الثمانينيات، وذلك بعدما صرح أحمد منتظري نجل رجل الدين المعارض الشيخ حسين علي منتظري، بأن ترشحه للرئاسة إهانة للشعب الإيراني، وأكد أنه “لا يمكن إنكار ضلوعه المباشر في مجزرة صيف 88″، وقال: “إذا قام أحدهم بطعن شخص بسكين، فلن يتمكن من تحصيل سجل عدلي نظيف، فكيف يمكن أن يترشح للرئاسة؟”، وفي الفترة نفسها، سرب منتظري الابن، ملفا صوتيا لوالده، يتهجم فيه على قضاة “لجنة الموت”، من بينهم رئيسي، ويتهمهم بارتكاب أقبح جريمة إبادة في تاريخ إيران، ويصفهم بأنهم حفنة من المجرمين، ويمكن سماع صوت رئيسي في التسجيل، إلا أنه في العام 2017، ترشح فجأة وبدون مقدمات بوجه حسن روحاني، لكن لم يحالفه الحظ، وكتبت عنه الصحافة حينها، أنه شخص لم يتقن خلال 38 عاما، سوى الإعدام والقتل تحت التعذيب وزج المعارضين في السجون، وبعد فشله بمنافسة روحاني، كافأه المرشد بتعيينه رئيسا للسلطة القضائية، ثم استكمل رحلة صعوده بفوزه بالرئاسة في 18 يونيو/حزيران الحالي. 

بعد جلاء غبار المعركة الرئاسية، أصدرت منظمة العفو الدولية بيانا، دعت فيه إلى التحقيق مع الرئيس الإيراني المنتخب، لتورطه بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، فيما نشط المعارضون الإيرانيون في الخارج، لتقديم وثائق وشهادات من ناجين وناجيات، للمنظمات الحقوقية حول دوره في إعدام آلاف السجناء، منذ بداية الثورة حتى لحظة انتخابه، مما سيؤثر على حركته الدبلوماسية وسيقيد رحلاته الخارجية، هذا إضافة إلى أن اسمه مدرج على لائحة العقوبات الأميركية، فكيف سيتعامل رئيسي مع هذا الواقع؟ 

في العام 2019 أدرجت وزارة الخزانة الأميركية اسم ابراهيم رئيسي وثمانية أسماء أخرى، على جدول عقوباتها المالية، واصفة إياهم بأنهم مقربون من خامنئي، في مقابل عدم مبالاة من قبل الاتحاد الأوروبي ومنظمات حقوق الإنسان في أوروبا بهذا الإجراء.

إقرأوا أيضاً:

الحقوقيون الإيرانيون في الخارج يعتبرون أن الفقرة، التي وردت في بيان وزارة الخزانة الأميركية، يجب أن تعمم على كل دول الاتحاد الأوروبي ومنظمات حقوق الإنسان، كإشعار رسمي بضرورة محاكمة رئيسي كمجرم حرب، وهي وفق ترجمتهم: “يرتبط اسم إبراهيم رئيسي بانتهاكات حقوق الإنسان في القضاء، ولا سيما من خلال عضويته في المجلس القضائي لإعدامات 1988، المعروف باسم لجنة الموت، ومع بقائه في القضاء، استمرت تجاوزاته، التي انتقدها نشطاء حقوق الإنسان، بما في ذلك الأحكام القاسية، والاعتقالات غير القانونية، والتعذيب وسوء المعاملة، كما كانت من قبل”، ويرى آخرون (متشائمون) أن هذه العقوبات ذات طبيعة سياسية، ومن الممكن رفعها بقرار سياسي مناقض أو يمكن تجاهلها بالكامل، كما فعل وزير الخارجية محمد جواد ظريف، حيث لم تتأثر رحلاته الدولية بالعقوبات، التي فرضتها عليه وزارة الخزانة الأميركية سنة 2019. 

لكن هذا لا يعني عدم وجود مشكل قانوني، لأن ملف رئيسي ليس سياسيا فقط، فمن المتوقع أن يواجه رئيسي عقبة قانونية كبيرة في المستقبل، بعد أن تمكنت محكمة ستوكهولم، منذ أكثر من سنة، من اعتقال مساعد قاضي سجن كوهردشت حميد نوري، الذي شارك شخصيا في إعدامات 88، تنفيذا لأوامر رئيسي وقضاة “لجنة الموت”، والذي ستبدأ محاكمته في آب/أغسطس المقبل وستستمر حتى آذار/ مارس 2022، وسيشارك فيها أكثر من 100 مدعٍ وشاهد وناجٍ، ويأمل أهالي الضحايا والناجون في أن شهاداتهم ستؤثر على الوضع القانوني للرئيس المنتخب، ويتوقعون أن تحد من تعاطي الحكومات الأوروبية سياسيا معه ومع الجمهورية الإسلامية ككل.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
مارسيل نظمي
منذ اللحظة الأولى لدخول مكتبه، لم ينظر إلي، شعرت كما لو كنت شفافة تماماً أو قطعة ممتدة لزجاج مكتبه، كان كلامه كله موجهاً إلى خطيبي، ظللت أتابع أسئلته فقط وأحاول التحكم في عضلات فمي لئلا أضحك وأفسد أي شيء أثناء حوارهما الأكثر غرابة وربما طرافة أيضاً.
Play Video

3:14

Play Video

3:28

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني