fbpx

الإيجارات في بيروت “أو ما يعادلها”: حق السكن حين يتحوّل إلى استثمار!

"حضر مالك المنزل مع إنذار بالإخلاء، والسبب أنه يريد تأجير منزله بالدولار الأميركي "الطازج"... تسلّل انهيار العملة اللبنانية إلى تفاصيل العلاقة التعاقدية بين المستأجرين والمالكين.

تسلّل انهيار العملة اللبنانية إلى تفاصيل العلاقة التعاقدية بين المستأجرين والمالكين.

فكما أزمات الوقود والكهرباء وحجز الودائع، باتت مسألة الإيجارات مسألة معقدة مع وجود ثلاثة أسعار صرف للدولار الأميركي مقابل الليرة (السعر الرسمي 1500ل.ل، وسعر المنصّة 3900 ل.ل، وسعر السوق السوداء تجاوز 15000 ل.ل).

فجأة وجد المؤّجر كما المستأجر أمام قرارات صعبة، فتفاوتت أسعار الإيجارات بين مالك وآخر، في ظل غياب أي قانون يضبط التسعير الذي بات يخضع لمزاجية المالك. 

أزمة السكن والإيجارات القديمة مشكلة قديمة تمتد إلى فترة ما بعد الحرب الأهلية اللبنانية، ولم تحلّ إلى الآن، على الرغم من إصدار قانون جديد للإيجارات. لكن الأزمة الحالية وضعت كثيرات وكثيرين في معضلة البحث عن بيت للإيجار يلائم القدرة الشرائية لمعظم اللبنانيين الذين خسروا نسبة كبيرة من قيمة رواتبهم بعد انهيار الليرة.

الحكايات كثيرة، وتتشابه كثيراً، وكلّها تصب في محاولة تأمين لبنانيات ولبنانيين أبسط الحقوق: السكن. 

بيروت

هيفاء داوود، عانت كثيراً في عملية البحث عن منزل في بيروت. تقول إن “الأصعب من البحث عن بيت في بيروت، هو أن تكون امرأة تبحث عن بيت في بيروت”. تحكي عن معاناتها مع صديقاتها الخمس: “كنا ندفع 375 ألف ليرة لقاء ايجار الفراش في بيت طالبات في برج أبي حيدر، أسكنه مع زميلاتي الخمس، وارتفع السعر تدريجياً إلى 450 الف ليرة، وكانت هذه أهون المصائب، إلى أن وقعت الواقعة”. 

نهاية الشهر، حضر مالك المنزل مع إنذار بالإخلاء، والسبب انه يريد تأجير منزله بالدولار الأميركي “الطازج”: “حاولنا التواصل معه لزيادة الأجار بالليرة، إلا أنه أصر على مبلغ 600$ أو ما يعادلها في سعر صرف السوق السوداء، وهذا ما لا نستطيع دفعه”.

هنا بدأت رحلة الطالبات الست في البحث عن مكان يؤويهن: “وضعنا منشورات على الفيسبوك، واتصلنا بسماسرة”، تقول هيفاء. لكن ما كان مفاجئاً تعامل المجتمع مع فكرة بحث المرأة عن بيت للأجار: “وصلتنا رسائل من نوع: “يلا انتوا ست بنات، كل وحدة بكرا بتلاقي شاب يدفع عنها الأجار”، و”يلا بكرا بتسكنوا معي إذا بدكن، أنا أعيش وحدي في فيلا”.

كشفت رحلة البحث عن منزل للإيجار، لهيفاء، عن انحدار أخلاقي ومالي في التعاطي مع مسائل مماثلة. كثر باتوا يلجأون الى تسعير كل شيء بالدولار الطازج. يبحثون عن المال، ويرفعون الأسعار والمضاربات من دون أي معايير ومن دون أي التفات إلى الوضع العام. يروي شاب كان يبحث عن منزل في بيروت، “مالك أحد المنازل قال لي أنه سيأجرنا منزله ويخرج المستأجرين الحاليين منه، لأننا دفعنا أكثر. وضعتُ نفسي مكانهم. كان مستعداً لرميهم في الشارع لأننا دفعنا أكثر. وحينما سجلت له امتعاضي من اسلوبه، قال لي: “أنا أيضاً مستأجر بيت آخر، وقد زادوا عليّ الإيجار، فماذا أفعل!؟”.

عملية ابتزاز أم حق مشروع؟

في صيف العام الماضي، استأجرت قمر وهبة وهي شابة لبنانية تسكن وتعمل في بيروت، شقة صغيرة في شارع الحمرا. مدة العقد سنة واحدة وبدل الإيجار الشهري 750 الف ليرة لبنانية، من ضمنها كلفة الكهرباء. قبل خمسة أشهر تقريباً طلب المالك زيادة 100 ألف ليرة على بدل الإيجار بسبب غلاء المعيشة. وافقت قمر سريعاً لأنها وجدت مطلبه محقاً. ومثلها فعله المستأجرون الباقون. لكن في الشهر التالي، طلب المالك زيادة على بدل الإيجار و بررها بأنه لم يعد مربحاً، وبأن “المولّد الخاص زادت تسعيرته”، ثم رمى “قنبلته”: “اذا لم يعجبك اتركي البيت آخر الشهر!”. خضعت قمر للأمر الواقع ودفعت له ما يريد، حتى لا تجد نفسها في الشارع.

كثر باتوا يلجأون الى تسعير كل شيء بالدولار الطازج. يبحثون عن المال، ويرفعون الأسعار والمضاربات دون أي معايير أو التفات إلى الوضع العام.

لكن الأمر لم ينته عند هذا الحد. في الشهر التالي، تكرر السيناريو نفسه: “أخذت له 950 ألف ليرة كما اتفقنا، فقال انه يريد ان يخلي البناية ويطرد الجميع فالربح قليل، وتشاجرنا وقلت له لا تستطيع إخراجي قبل إنتهاء العقد في تموز”. علا الصراخ بينهما، وبعد جدال قبل ان تبقى قمر في البيت حتى نهاية تموز/يوليو، شرط ان تدفع مليون ليرة بدل إيجار، أو “أقطع عنك الكهرباء”. فأجابته: “عندما أجد منزل أغادر ولكن لا يمكنك الضغط عليي بهذه الطريقة”. 

هذا الشهر قام بالسلوك نفسه. طلب مليون ومئة ألف ليرة هذه المرّة وهدّد مجدداً بقطع الكهرباء وصرخ في وجه قمر “وأقفل الباب في وجهي ولم أره من يومها”.

 الشهر الحالي قام بنفس الشيء وطلب مليون و100 ألف ليرة وهدد بوقف الكهرباء: “هذا السيناريو يحدث معي ومع  مستأجرين(2) آخرين غيري، والخلاصة أن بدل الإيجار زاد خلال أربعة أشهر 350 الف ليرة لبنانية، هذا إذا وضعنا جانباً الإهانات والتهديدات بقطع الكهرباء”. 

لا يمكن للمرء إلا ان يتعاطف مع المستأجرات والمستأجرين حين يسمع حكاياتهم، لكن وجهة نظر المالكين تبدو منطقية بدورها، في ظل الإنهيار في العملة الذي طال الجميع. أحد المالكين يقول لـ”درج” إنه يملك شقتين في بيروت، كان يتقاضى بدل إيجار عن الأولى 700$ والثانية 800$. هذا كان قبل الأزمة الاقتصادية. أما الآن، أصبح الإيجار يساوي حوالي 80$ استناداً إلى سعر الصرف في السوق السوداء. يقول إنه حتى الآن لم يرفع الأسعار، مراعاة لأوضاع المستأجرين، لكنه لن يستطيع الاستمرار هكذا لوقت طويل. 

“حق السكن ليس للإستثمار”

في الشق القانوني، تقول  المديرة التنفيذية لمنظمة SEEDS المحامية ليال صقر لـ”درج” إن عقد الإيجار يمكن أن يكون مكتوباً أو شفهياً، طالما أن الدفع يتم بشكل منتظم ومع إيصالات. ولا يحق للمالك أن يرفض القبض بالليرة حتى ولو كان العقد بالدولار، “فبحسب قانون النقد والتسليف وقانون التجارة، العملة اللبنانية هي عملة إبراء، وبالتالي لا شيء يمنع من تسديد الإيجار بالليرة، ولكن على أي سعر صرف، هنا المشكلة”. 

في النزاعات القانونية، يجتهد القضاة في تفسير عبارة “أو ما يعادلها” على سعر صرف معين، إذا ما واقع الخلاف بين المستأجر والمالك على قيمة دفع الإيجار بالليرة أو ما يعادل قيمة المبلغ المتفق عليه بالدولار، أما الحل، بحسب صقر، “فلا يمكن أن يكون في الوقت الحالي إلا باتفاق بين المالك والمستأجر يرضي الطرفين وأن يكون الدفع بالليرة، لأن معظم الأشخاص يتقاضون رواتبهم بالليرة”.

وتشير صقر إلى مسألة إنسانية تأتي في صلب المقاربات القانونية، وهي ان “حق السكن ليس للاستثمار، بل هو حق للجميع وعلى الدولة أن تضع حداً لقيمة الإيجارات وأن لا تكون عالية ومفتوحة بهذا الشكل. وتقترح صقر أن تضع الدولة ما تسميه Rent control على غرار الـ capital control لدراسة قيمة الإيجارات وتحديدها، و”يجب علينا تفسير عبارة “ما يعادلها” الإشكالية بعدل، فإذا كان ايجارك 1000$، وسعر السوق السوداء 15000 ليرة للدولار، فبالتالي يصبح قيمة الإيجار شهرياً 15 مليون ليرة، فيما لا يتعدى راتب أكبر موظفي الدولة من وزراء وقضاة 12 مليون ليرة، فماذا عن عامة الناس؟!”.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني
لا شك في أن حفل الزفاف الباذخ هذا سيكون محطة في مسيرة “حزب الله” لا توازيها محطات كثيرة امتحنت فيها صدقية خطابه.
Play Video
لا تزال الصورة ضبابية في تونس، بعد قرارات الرئيس قيس سعيّد القاضية بعزل رئيس الحكومة هشام المشيشي وتجميد عمل البرلمان لمدة 30 يوماً، إذ توجت هذه القرارات أزمة سياسية حادة في البلاد.

3:31

Play Video
القضايا المتعلّقة بالكوارث البيئية الكبرى كنهب الموارد، ونهب الممتلكات، والتلوث، والاتجار غير المشروع في الحياة البرية، تخفي غالباً فساداً وراءها، تتورط فيه سلطات محلية أو شبكات مافيا أو شركات. ويفلت المسؤولون عن الكثير من هذه الانتهاكات والفضائح من الملاحقة القضائية كما تفلت الماء من بين الاصابع.

1:03:05

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني