“تيك توك” منصة سوريين للهروب من الخدمة العسكرية

إن هذه الخدمة قد تُعتبر بمثابة "الملاذ الآمن" لأولئك الذين لا يرغبون في الانضمام إلى الجيش ولا يمكنهم تحمل رسوم الإعفاء التي بلغت في الفترة الأخيرة نحو 8 آلاف دولار.
بقلم: لارا دعمس من “مشروع الإبلاغ عن الجريمة المنظمة والفساد” (OCCRP)، مع محمد بسيكي من “الوحدة السورية للصحافة الاستقصائية – سراج” (SIRAJ)

هل تخشى التجنيد الإجباري الذي يفرضه نظام الأسد؟ هل تريد أن تبدأ حياة جديدة في أوروبا؟

تصفح الإنترنت قليلاً، وستجد أن محادثة سريعة مع الأشخاص المناسبين قد تحل مشكلتك.

لجأ مهربو البشر في سوريا بشكل متزايد خلال الشهور الأخيرة إلى تطبيق “تيك توك” للإعلان عن خدماتهم، التي تشمل “السفر بلا حدود” في مركبات فاخرة، تنتقل بسهولة عبر نقاط التفتيش العسكرية المنتشرة على الطريق الجبلي السريع من دمشق إلى بيروت.

ومقابل 3000 دولار أميركي، يمكن لأحدهم اصطحابك في “رحلة خاصة” من بيروت إلى اليونان؛ البوابة الرئيسية لأوروبا. 

يتباهى أحد المقاطع الترويجية المنشور على المنصة، التي تحظى بشعبية كبيرة بين الجمهور الأصغر سناً ويستخدمها أكثر من 800 مليون شخص حول العالم، بأن “مصداقيتنا هي سر نجاحنا”، مؤكداً للعملاء المحتملين، بما في ذلك أولئك المطلوبون من قبل النظام- بأن أنشطتهم تقع “في إطار القانون”.

في أحد مقاطع الفيديو، تمكن رؤية صف من السيارات الفارهة تسير بمنتهى الحرية على الطريق الجبلي الممتد عبر الحدود اللبنانية- السورية. ويظهر في إحداها سائق يبدو أنه يرتدي زيّاً عسكرياً أسفل عبارة إعلانية عن السفر “من حمص إلى بيروت، ذهاباً وإياباً”.

ويظهر في مقطع آخر ضابط على الحدود يحيّي سيارة أثناء مرورها عبر نقطة التفتيش. بينما يعلن مقطع ثالث عن السفر إلى اليونان من بيروت، مع صورة سفينة شحن في وسط المحيط.

ولم نتمكن من التواصل مع مسؤولين من الجيش السوري للتعليق على الخبر.

وفقاً لمشاهدة “مشروع الإبلاغ عن الجريمة المنظمة والفساد” (OCCRP) في 3 شباط/ فبراير، أعلن أحد الحسابات المعروف بـ”سفريات الخال” (Al-Khal Travels)، عن إمكان السفر إلى بيروت من المناطق التي يسيطر عليها النظام، مثل حمص، مقابل 150 دولاراً أميركياً، ومن المناطق التي تسيطر عليها المعارضة، مثل مدينة عفرين الشمالية القريبة من الحدود التركية، مقابل 800 دولار أميركي.

إلا أن منصة “تيك توك” قد حظرت هذا الحساب عقب ذلك، وفقاً لمتحدث باسم الشركة.

صرّح رامي زيدان، رئيس قسم الفيديو والمحتوى الإبداعي لدى “تيك توك” في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لـ”مشروع الإبلاغ عن الجريمة المنظمة والفساد” (OCCRP) بأن الشركة تمنع “تصوير الأنشطة الإجرامية أو الترويج لها أو تسهيلها، بما في ذلك الاتجار بالبشر واستغلالهم (أو تهريبهم)”.

وأضاف: “نسعى جاهدين للتأكد من أن تيك توك لا يسمح بتمكين الأنشطة التي تنتهك القوانين أو اللوائح”.

إلا أن البحث على “تيك توك” عن الوسوم العربية المستخدمة بواسطة الحساب المحظور حالياً، مثل #السفر#بلا#حدود، أسفر عن اكتشاف حسابين آخرين، أحدهما لا يزال نشطاً، يقدمان خدمة السفر عبر الحدود السورية- اللبنانية “دون اختبارات طبية”، فيما يبدو محاولة لمساعدة المسافرين على عبور الحدود من دون تقديم نتائج اختبار فايروس “كورونا” لشرطة الحدود.

ويعرض الحساب النشط أيضاً خدمات السفر إلى تركيا واليونان، المحطتين الرئيسيتين على طريق اللاجئين والمهاجرين الساعين إلى طلب اللجوء في أوروبا. ويعرض أحد الحسابين لقطة لأشخاص يحملون أمتعتهم وهم يتدافعون على طريق ترابي، إضافة إلى ترويجه إمكانية السماح للعملاء “بالدفع بعد الوصول”.

إقرأوا أيضاً:

وفي مقطع فيديو آخر نُشر في أيار/ مايو 2021، يعلن المهربون، الذين يشيرون لأنفسهم باعتبارهم “ملوك الطريق العسكري”، عن أسعار أرخص للعملاء “المدنيين” الراغبين في الهروب إلى خارج سوريا، مقارنةً بـ”المطلوبين” من قبل النظام.

منذ عام 2011، تسببت الحرب الأهلية في سوريا في نزوح أكثر من 6.6 مليون شخص إلى خارج البلاد، لجأ حوالى 5.5 مليون منهم إلى البلدان المجاورة، مثل تركيا ولبنان والأردن والعراق، وفقاً لبيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

وخلال السنوات الأخيرة، شدد لبنان، الذي يستضيف أكثر من 850000 لاجئ، القيود المفروضة على دخول السوريين إلى البلاد، وأصبح عليهم الآن استيفاء شروط ومعايير معينة لمنحهم تأشيرة موقتة.

بعد الاتصال بالأشخاص الذين يعرضون خدمات التهريب، أُبلغ مراسلون تابعون لمشروع الإبلاغ عن الجريمة المنظمة والفساد (OCCRP)، بأن الرحلة “المباشرة” من دمشق إلى بيروت ستُكلف 250 دولاراً. وأوضح المهرب أن الخدمة متاحة للأشخاص المطلوبين للتجنيد العسكري أو ضمن القوات الاحتياطية، لكن ليس للهاربين من الخدمة العسكرية أو أعضاء المعارضة.

وستقل سيارةٌ العميلَ من دمشق في الساعة 9 أو 10 صباحاً، لتصل إلى بيروت بحلول الرابعة مساءً.

تُعتبر الأسعار المعلنة عبر هذه الحسابات على تطبيق “تيك توك” منخفضة للغاية مقارنةً بالأسعار التي يتقاضاها المهربون للسفر عبر الجبال أو غيرها من الطرق غير المشروعة، فضلاً عن أن الخدمة تفتخر بما تقدمه من سلاسة في ما يتعلق بمواقع الالتقاء وطرق السير.

قال كرم شعّار، المحلل السياسي في “معهد الشرق الأوسط”، وهو مركز أبحاث مقره الولايات المتحدة، لوحدة “سراج”، إن الإعلانات التي تنتشر على وسائل التواصل الاجتماعي، مثل تطبيق “تيك توك”، بهذه الأسعار المنخفضة تشير إلى أي مدى  ازدادت “سهولة” عمليات التهريب.

وأضاف، “هناك مجموعة من الترتيبات التي يتعين تنسيقها بين الأشخاص المنتسبين للنظام السوري لتهريب شخص عبر الحدود، من أجل غض الطرف عن الشخص الذي يتم تهريبه والسائق الذي يقوم بعملية التسليم”.

وأردف قائلاً إن تزايد انتشار مقاطع الفيديو هذه على مواقع التواصل الاجتماعي في بداية هذا العام قد يكون مرتبطاً بالضغط المتزايد على الشباب السوري للانضمام إلى الجيش بعد مرور أكثر من عقد على اندلاع الصراع.

وتابع بقوله إن هذه الخدمة قد تُعتبر بمثابة “الملاذ الآمن” لأولئك الذين لا يرغبون في الانضمام إلى الجيش ولا يمكنهم تحمل رسوم الإعفاء التي بلغت في الفترة الأخيرة نحو 8 آلاف دولار.

في 25 كانون الثاني/ يناير 2019، أصدرت وزارة الدفاع السورية قوائم بأسماء أكثر من ربع مليون مطلوب للتجنيد الاحتياطي، وعُمّمت على شُعب التجنيد في مُختلف المُحافظات السورية. وتعتبر هذه القوائم الأخيرة التي صدرت ذلك الشهر هي الثالثة منذ مطلع عام 2019.

صرح العميد إلياس بيطار، رئيس فرع الإعفاء والبدل في مديرية التجنيد العامة، في مقطع فيديو نشرته وزارة الإعلام السورية في شباط/ فبراير الماضي، أنه بموجب تعديل صدر أخيراً، بإمكان السلطات مصادرة أملاك “المتهربين من الخدمة” الذين يتخلفون عن دفع الغرامات.

وقد أدانت منظمة “هيومن رايتس ووتش” القانون، وأوضحت أنه “لا يخالف القانون ضمانات الإجراءات الأساسية الواجبة وحسب، بل يضع أيضاً عقبات إضافية أمام السوريين الذين يفكّرون بالعودة إلى وطنهم”.

وأضافت “ليست هذه سوى الخطوة الأخيرة في سلسلة من القوانين والسياسات المصممة لمعاقبة المعارضين السياسيين المفترضين والسوريين الذين هربوا، وإغناء الحكومة المترنّحة من أموال السوريين المحبطين الذين يواجهون بالفعل وابلاً من الأزمات”.

في حين يُشير موقع وزارة الخارجية والمغتربين على شبكة الإنترنت إلى أنه “عند امتناع المكلف عن الدفع بعد انتهاء المهلة الممنوحة له تنظم له إضبارة بدل فوات الخدمة وترسل إلى الجهات المالية المختصة لتحصيلها، وفق قانون جباية الأموال العامة وينشر في النشرة الشرطية وتعلم الجهات المختصة لإحالته إلى القضاء”.

علاوةً على ذلك، يسمح قانون الخدمة العسكرية أيضاً بالحجز على الأصول المملوكة لزوجة الشخص أو أطفاله إذا لم يكن قادراً على الدفع.

لم تترك هذه الضغوط لكثيرين أي خيار سوى محاولة البحث عن مخرج من ذلك المأزق.

وقال أحد الأشخاص الذي تحدث إلى مشروع “الإبلاغ عن الجريمة المنظمة والفساد” (OCCRP)، بشرط عدم الكشف عن هويته إنه هرَّب ابنه البالغ من العمر 20 عاماً من دمشق إلى بيروت العام الماضي. فقد ألقي القبض على الصبي حين كان قاصراً لمشاركته في الاحتجاجات المناهضة للنظام عام 2011. وعندما أطلق سراحه كان والداه قد هربا بالفعل إلى أوروبا.

ولإنقاذ ابنه من التجنيد الإلزامي، اتصل الرجل بمُهرب ينقل الأشخاص المطلوبين من قبل النظام السوري إلى لبنان مقابل أجر يزيد على ألفين دولار. وقد استغرقت الرحلة سيراً على الأقدام عبر الجبال ثلاثة أيام.

وفي ما يتعلق بالسعر والسرعة والراحة، فإن الخدمات المعلن عنها في تطبيق “تيك توك” تدعي أنها تعتني بهذه الترتيبات بصورة مذهلة.

ورداً على أحد المستخدمين الذي سأل عما إذا كانت هناك إمكانية النقل من مدينة حمص، أجاب صاحب أحد هذه الحسابات: “إمكانية النقل متاحة من أي مكان تريد”.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
علي نور الدين – صحافي لبناني
كل ما يحصل اليوم على مستوى توجيه أصابع الاتهام إلى خفايا السوق الموازية والتطبيقات الإلكترونيّة، لا يعكس سوى تهرّب حاكم مصرف لبنان من مسؤوليّته تجاه الأزمة وفوضى أسعار الصرف.
Play Video

1:36

Play Video

42:22

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني