fbpx

النظام الصحي العراقي يترنّح: إعياء شديد ونقص في أوكسيجين التمويل

"لا يمكن أن نتركه هناك حيث الزحام وضعف الخدمات"... طوال نحو عام ونصف العام من عمر الجائحة ركن الاتجاه العام إلى تجنب المصابين المستشفيات الحكومية "فاللجوء إليها نهايته موتٌ محتم".

في مطلع نيسان/ أبريل 2021 وبعد ثلاثة أيام من اكتشاف علي حسن (38 سنة) إصابة والده السبعيني بفايروس “كورونا”، قرر إخراجه من مستشفى حكومي في العاصمة بغداد ونقله الى مستشفى أهلي بعد اشتداد الأعراض عليه، في ظل معاناته من أمراض مزمنة.

الشاب الذي يعمل في متجر للهواتف النقالة اضطر إلى الاستدانة لتأمين متطلبات العلاج: “لا يمكن أن نتركه هناك حيث الزحام وضعف الخدمات… ساعة واحدة تجعلك تكتشف حجم الفوضى وقلة المستلزمات والأدوية والتلكؤ في معاينة المصابين”، يقول وهو يسرع متوجهاً إلى صيدلية أهلية لشراء أدوية وصفها الطبيب لوالده.

قبلها بنحو عام، وتحديداً في السادس من آذار/ مارس 2020 ضجت وسائل الإعلام المحلية ومواقع التواصل الاجتماعي بخبر هروب عثمان (35 سنة) المصاب بفايروس كورونا من محجر صحي جنوب العاصمة بغداد. برر الشاب فعلته بافتقار المكان إلى أبسط مقومات البيئة الصحية.

كان ذلك الخبر كفيلاً بإثارة الهلع بين الناس إذ كانت سيرة الفايروس الغامض في بداياتها. وقتها صبّ المؤمنون بخطر الجائحة جام غضبهم على المؤسسة الصحية العراقية التي تفتقد إلى البنى التحتية والمستلزمات والكوادر المتخصصة، وتعجز  عن تكون محل ثقة المرضى. 

لاحقاً تصدرت قصص وفاة شخصيات عراقية بارزة في المستشفيات كلاعب كرة القدم الدولي أحمد راضي الذي توفي في مستشفى النعمان في العاصمة في حزيران/ يونيو 2020، قائمة “الأدلة الشعبية” على نقص الخدمات العلاجية وسوء الرعاية في المؤسسات الصحية فضلاً عن اتهامات للعاملين فيها بسوء معاملة المرضى.

طوال نحو عام ونصف العام من عمر الجائحة ركن الاتجاه العام إلى تجنب المصابين المستشفيات الحكومية “فاللجوء إليها نهايته موتٌ محتم”.

لا يتعلق تجنب العلاج في المستشفيات الحكومية بمرضى “كورونا” فقط، بل هي حالة عامة ظهرت مع انحدار مستوى الخدمات الطبية، في ظل تهالك البنية التحتية الصحية والافتقار للأدوية والمستلزمات والأجهزة الطبية الحديثة نتيجة قلة تخصيصات القطاع الصحي إلى جانب تعطيل إنشاء مستشفيات جديدة. وهناك منشآت طبية كان يفترض أن تفتتح قبل عشر سنوات لكنها لا تزال تنتظر  إنجازها بسبب الفساد وسوء الادارة، كما يقول مسؤولون وسياسيون باستمرار.

التمويل والفساد

في 30 حزيران 2020 وفي ظل ضعف قدرات المستشفيات لمواجهة الجائحة التي وصلت إلى العراق، موّلت الحكومة وزارة الصحة بمبلغ 50 مليار دينار من احتياطي الطوارئ، فوق ما خصص لها في الموازنة السنوية.

لكن تلك الأرقام التمويلية لا تعني شيئا بالنسبة إلى منتقدي واقع القطاع الصحي، وسط اتهامات مستمرة توجّه الى إدارات المؤسسات العامة بالفساد وسيطرة أحزاب سياسية نافذة عليها واستغلالها لمصالحها المالية، مستشهدين بأمثلة عدة أبرزها ملف تعطل إنشاء 9 مستشفيات في بغداد منذ 2008 (تتراوح سعة الواحد منها بين 200 و400 سرير) وعدد آخر في محافظات أخرى، نتيجة الفساد وسوء الإدارة، على رغم توفر الأموال.

يقول الطبيب محمود حسين إن الواقع المزري للمستشفيات الحكومية “معروف منذ سنوات طويلة ولا يختلف عليه اثنان، لكن كورونا كشف حجم أزمة القطاع الصحي وأظهر مقدار عجزه وعدم ثقة المرضى به”.

ويضيف، “أعداد السكان تضاعفت مرتين، فيما المستشفيات هي ذاتها التي بنيت في القرن الماضي. وتلك التي تم التخطيط لبنائها قبل 15 عاماً، التهم الفساد تخصيصاتها ولم تكتمل، الأدوية نادرة والمستلزمات الطبية الحديثة المنقذة للحياة قليلة. بعض المرضى عليهم الانتظار أسابيع لإجراء عمليات قد يؤدي تأجيلها الى موتهم”.

طوال نحو عام ونصف العام من عمر الجائحة ركن الاتجاه العام إلى تجنب المصابين المستشفيات الحكومية “فاللجوء إليها نهايته موتٌ محتم”.

وتحولت القناعة بعجز المؤسسة الصحية الحكومية وتخلفها إلى إيمان مطلق لدى معظم العراقيين، إثر الحريق الذي اندلع في 24 نيسان 2021 في مستشفى ابن الخطيب بالعاصمة بغداد وأدى إلى مقتل 82 شخصاً وجرح 110 آخرين، معظمهم كانوا مصابين بكورونا ويرقدون هناك لتلقي العلاج. 

يقول خبير المناعة العامة والفايروسات الدكتور ماجد العاني، إن الارتفاع في أعداد المتوفين جراء الإصابة بفايروس كورونا في المؤسسات الصحية العراقية سببه “التعامل مع بروتوكولات علاجية خاطئة أضعفت عمل القلب وميعت الدم، وبعضها أدى إلى التهاب بكتيري عند المصابين”.

العاني الذي ينتقد باستمرار إجراءات وزارة الصحة في تعاملها مع “كوفيد- 19″، يقول إن هناك علاجات كــ”هيدوكسي كلوروكوين والميرونيم” كانت تصرف للمرضى في المشتشفيات الحكومية على رغم أنها ممنوعة دوليا، وتسببت بقتل المصابين لا الفايروس”.

ويضيف أن بعض الأدوية كــ”الكلورفين والديكادرون ساهمت بتدمير أعضاء داخلية لبعض المصابين  كالكبد الذي يعد من أهم الأعضاء المصنعة للبروتينات المناعية وأضعفت جهاز المناعة بنحو عام وسمحت بتنشيط الفايروس وتدمير الرئة وحدوث التجلطات القلبية ومن ثم الوفاة”.

وفي تقرير صدر في 16 تشرين الأول/ أكتوبر 2020 حددت منظمة الصحة العالمية، أربعة أدوية قالت إنها غير صالحة في التعامل مع الفايروس في المستشفيات، من حيث فاعليتها في تقليل عدد الوفيات، وهي عقاقير بعضها لا يزال معتمداً في البروتوكول العلاجي داخل مستشفيات العراق. لكن المتحدث باسم وزارة الصحة العراقية سيف البدر، يؤكد أنَّ العلاجات المستخدمة في العراق لمصابي “كورونا” يتم تحديثها باستمرار “وهي نفسها التي استخدمت لمعالجة حالات الإصابة بكورونا في الدول المتقدمة”.

ويوضح البدر، أن “العراق كان لديه خبرات علمية متقدمة ومتراكمة من الأطباء المختصين خلال الأشهر الماضية”، لافتاً إلى أن “الوزارة حدثت البروتكولات العلاجية أكثر من مرة، اعتماداً على المراجعات العلمية والمعطيات المستجدة”.

نقص الاوكسجين

ويعدُّ النقص الحاد في تجهيز الأوكسجين الطبي، والذي تكرر في الكثير من المستشفيات الحكومية في طول البلاد وعرضها خلال عام 2020، من بين المؤشرات المرصودة على تردي الواقع الخدمي في المؤسسات الصحية. 

لا يستطيع معاون مدير صحة واسط سعدون الأمير نسيان ليلة 21 تموز/ يونيو 2020 حين نفدت قناني الأوكسجين المجهزة لمستشفى الزهراء المخصص لحجر المصابين في محافظة واسط.

ووفقاً للأمير، لم يكن بوسع الملاكات الصحية في رئاسة صحة المحافظة سوى إطلاق نداء استغاثة، داعيةً الأهالي الى مساعدة المرضى الراقدين، وبالفعل تبرع “مُحسنون” بـ400 اسطوانة أوكسجين في تلك الليلة.

يفاقم المشكلة اعتماد المستشفيات الحكومية على معامل أهلية لتجهيزها بالأوكسجين، بحسب الأمير، وهي معامل غير خاضعة لإشراف لجان مختصة لمراقبة جودة ونقاوة الأوكسجين المنتج، واصفاً الأمر بالتخبط والإرباك في الإجراءات الصحية المتبعة لمواجهة الوباء.

ويرصد الأمير مشكلات أخرى مثل “نقل أجهزة الأوكسجين التي هي عرضة للتلوث من مريض إلى آخر، في ظل ندرة مستلزمات الوقاية والعلاج والافتقار إلى النظافة”.

أفضل من المستشفى

مع تدهور الواقع الخدمي في المؤسسات الصحية، يقول بسيم ناهي (39 سنة)، أحد الذين تأكدت إصابتهم بـ”كورونا” ورقد في مستشفى مدينة الطب، بأنه شاهد خلال الساعات التي أمضاها هناك، مصابين يفترشون الممرات لعدم كفاية الأسرِّة يستنجدون بالممرضين لمعاينة أوضاعهم وإلى جانبهم أعداد كبيرة من المرافقين ما يعني “حتمبة انتقال العدوى إليهم”. 

ناهي الذي غادر المستشفى على مسؤوليته الشخصية تاركاً خلفه وثائق المعاينات الطبية، يقول إنه فضل البقاء 17 يوماً محجوراً في غرفة صغيرة داخل منزله المتواضع في حي البياع شرق بغداد، على  رغم الأعراض الشديدة التي عانى منها وخطر نقل العدوى إلى عائلته والحر الخانق جراء انقطاع الكهرباء الى جانب مصاريف العلاج الباهظة، على البقاء داخل المستشفى. 

قلة الكوادر المتخصصة

وفق شهادات لمرضى ومراجعين وبعض الكوادر الصحية، تشكو غالبية المؤسسات الصحية الحكومية من غياب الأطباء الاختصاص عن ردهات الطوارئ، ويتم الاعتماد بنحو شبه كامل على الطبيب الممارس أو الكادر التمريضي.

غياب الكوادر المتخصصة وشح الأدوية في صيدليات المستشفيات والافتقاد لبعض الأجهزة الحيوية وغياب النظافة وقلة الاهتمام، إلى جانب التباين الكبير في تعامل الطبيب مع المريض في ردهات المستشفيات وعيادته الخاصة، كلها أسباب تدفع لفقدان ثقة المواطن بالمؤسسات الصحية الحكومية، مقارنة مع المستشفيات الأهلية (الخاصة) التي تتميز بخدمات أفضل. وهذا ما يجمعون عليه.

يكشف تقرير للجهاز المركزي للإحصاء في العراق تدني نسبة الأطباء مقارنة بعدد السكان، إذ إن لكل ألف عراقي هناك 20 ممرضاً وممرضة، و3 صيادلة، وأقل من طبيب واحد.

وبحسب تقرير للبنك الدولي عن مؤشرات التنمية العالمية، فإن نسبة الأطباء إلى مجموع السكان في العراق لا تتعدى 0.08 في المئة، أي أقل من طبيب لكل ألف نسمة (مقابل 1.57 طبيب لكل ألف كمعدل عالمي).

لا ينفي المتحدث الرسمي باسم صحة الكرخ زياد حازم وجود هذه المشكلات التي تضع القطاع الصحي الحكومي في موضع انتقاد دائم، لكنه يردها الى ضخامة المسؤولية الملقاة على الأطباء والكوادر التمريضية في ظل قلة الإمكانات “على رغم الجهود المضنية التي يبذلونها” وفقاً لتعبيره.

يقول حازم “لا يمكن وصف النظام الصحي في البلاد بمعزل عن المحيط الدولي وتداعيات كورونا، التي شهدنا خلال فترة انتشار الفايروس انهيارها في أغلب الدول”.

ذلك الواقع هو ذاته الذي دفع خلية الأزمة النيابية في الحادي والعشرين من أيار/ مايو 2020، إلى إطلاق جرس الإنذار والتحذير مما وصفته “بانهيار النظام الصحي” في العراق في حال لم تتخذ الجهات المعنية إجراءات صارمة لمواجهة جائحة كورونا، في ظل عدم التزام المواطنين بمتطلبات مكافحة الفايروس من ارتداء الكمامات وتجنب المناطق المزدحمة ووقف الزيارات العائلية”.

نظام صحي متهالك

يعتقد وزير الصحة العراقي حسين التميمي بأن أداء الكوادر الطبية “جيد ومطمئن للغاية وقد توج بانخفاض مستوى الوفيات وتصاعد نسب الشفاء من الإصابة بالوباء”.

ويعزو التميمي ما سماه “إخفاقاتٍ غير مقصودة” إلى افتقار النظام الصحي في العراق للكثير من مقومات البناء وتطوير الإمكانات والمؤهلات، موضحاً أن البلاد كانت منعزلة عن العالم إبان الحصار الدولي الذي فرض عليه في تسعينات القرن المنصرم واستمر زهاء 13 عاماً، “ولم يتمكن ولا حتى طبيب عراقي واحد خلال تلك الفترة من الحصول على فرصة تطوير امكاناته خارج البلد على عكس الأطباء في البلدان الأخرى الذين حظوا بفرص تدريب في الدول المتقدمة”. 

بحسب التميمي، العراق لم يشهد منذ عام 1986 ولنحو عشرين عاماً بعدها “افتتاح مستشفى واحد، بسبب الحصار، كما ولم تفتتح الى اليوم مؤسسات صحية تخصصية جديدة وعانينا من ميزانيات هابطة، فحصّة الفرد الواحد من الميزانية الصحية خلال السنة لا تتعدى 156 دولاراً”، في حين أنها تصل في الإمارات العربية إلى 1300 دولار للفرد الواحد. 

ويرى التميمي أن مستشفيات العاصمة بغداد تعاني من ضغط كبير، بسبب ما يصلها من حالات مستعصية من المحافظات الأخرى، فيما لا تمتلك سوى 13 ألف سرير وهي غير كافية.

وبحسب تقديرات البنك الدولي بشأن عدد الأسرّة، فإن العراق يمتلك 1.3 سرير لكل 1000 شخص، في حين أن المعدل في العالم العربي يبلغ 1.38، بينما المعدل العالمي يبلغ 2.9 سرير لكل 1000 شخص.

عدم الاهتمام بالقطاع الصحي تؤكده الأرقام الرسمية، فعلى رغم ارتفاع الموازنات الاتحادية للعراق بين عامي 2010 و2016 من نحو 85 تريليون دينار الى نحو 105 تريليونات دينار، إلا أن ميزانية وزارة الصحة انخفضت من نحو 6 تريليونات دينار عام 2010 إلى نحو 5 تريليونات دينار  عام 2016. وتراجع التخصيص الى 3 تريليونات دينار فقط عام 2019، على رغم زيادة الموازنة العامة إلى نحو 133 تريليون دينار.

إقبال ضعيف على اللقاحات

ما زال العراق يسجل نحو 4000 إصابة يومية بالفايروس، على رغم تعطل الدوام في المدارس والجامعات ومرور أشهر على بدء إعطاء اللقاحات في المؤسسات الصحية. 

ويؤكد أطباء وعاملون في مختبرات فحص المصابين، أن الأعداد الحقيقية لمرضى “كورونا” تتجاوز الأرقام المعلنة بكثير، بسبب عوامل عدة، منها نقص إجراء الفحوص وعزوف نسبة من المصابين عن إجرائها خصوصاً الشباب.

عدم إقرار موازنة 2020 وتأخر إقرار موازنة 2021 جعل العراق يكتفي باستلام لقاحات متبرع بها من دول ومنظمات دولية، كانت أول دفعة منها مصدرها الصين بـ50 ألف جرعة من نوع “سينوفارم”، وفي شهر آذار/ مارس 2021 استلم العراق 336 ألف جرعة من نوع “أسترازينيكا” ممولة عبر آلية “كوفاكس” المخصصة للدول الأكثر فقراً. وعبر الآلية نفسها تتوقع بعثة الأمم المتحدة في العراق استلام وزارة الصحة 1.1 مليون جرعة وأن يتم تطعيم نحو عشرين في المئة من السكان بحلول نهاية العام الحالي.

يرصد الإعلامي عامر ممدوح كريم، ما يصفه بفقدان ثقة المواطنين بالمؤسسة الصحية بسبب ضعف الخدمات التي تقدمها والفساد المستشري فيها، ويشمل ذلك حتى خطة التطعيم العامة ونوعية اللقاح.

ويرى في ذلك سبباً لتردد المواطن العراقي ولأشهر عدة في التسجيل للحصول على اللقاح، خلالها ضج الشارع بشائعات كثيرة عن صلاحية اللقاح وجدواه وآثاره الجانبية، بينها الشائعة الأكثر رواجا بأن اللقاح يسبب العقم. يقول عامر: “حتى العزوف عن أخذ اللقاحات لم تواجهه المؤسسات الحكومية كما ينبغي، ليظل المواطن وحيداً في معركة غير متكافئة مع الجائحة”. 

أنجز التقرير بدعم من مؤسسة “نيريج” للتحقيقات الاستقصائية 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
Play Video

7:16

Play Video

5:28

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني