“أنقذوا مسيحيي الشرق”… وإن بالسلاح!

منظمات مثل "أنقذوا مسيحيي الشرق" تساهم في تبييض صورة نظام الأسد أمام "الأوروبي"، ما يعني تهديداً للاجئين والمهجرين، وهذا ما نراه حالياً، فاحتمالات ترحيل المُهجرين أصبحت أمراً واقعياً.

نشرت مجلة “نيو- لينز” تحقيقاً صحافياً بعنوان “أدلة جديدة تربط مؤسسة مجتمع مدني يمينيّة فرنسية بجرائم الحرب في سوريا”، والمقصود هنا منظمة “أنقذوا مسيحيي الشرق”- SOS Chrétiens d’Orient، المعروفة بتطبيعها مع نظام الأسد ووقوفها إلى جانبه في دعاية حماية مسيحيي الشرق والأقليات، المهددين من قبل طيف واسع من “الأعداء” بحسب هذه الدعاية، في تجاهل تام لكذب النظام، وما تعرضت له الأقليات (وكل السوريين)  من عنف وقتل وتهجير. 

أنجز التحقيق كل من إنياس ضيف، صحافية مستقلة تغطي شؤون سوريا والعراق، وستيفان كينيش، صحافي مستقل يغطي شؤون حقوق الإنسان والصراعات في العراق وسوريا، ونقرأ في العنوان الفرعيّ أن الأدلة الجديدة تظهر أن المؤسسة، المتعاونة مع وزارة الدفاع الفرنسيّة، تُمَوِلُ سِراً ميليشيات داعمة للأسد، ومتهمة بقتل السوريين وتعذيبهم. 

لا بد من الإشارة قبل الخوض في التحقيق إلى أن هذه المنظمة لطالما حامت حولها الشبهات وتهم عنصريّة، ناهيك بأن أعضاءها وممثليها لهم زيارات متعددة إلى مدن سوريا المختلفة، كما أنها معروفة بدعمها اليمين الفرنسي المعادي للاجئين، والذي يرى في الأسد محارباً للإرهاب الإسلامي، وحامياً للأقلية المسيحية من شرّ الذبح والتهجير المتوقع من قبل “المسلمين”. 

هذا الشكل الاقتصادي القائم على جمع التبرعات وتهريبها إلى سوريا هو جزء يعي الأسد بدقة أهميته، ودوره في الاقتصاد السوري، إذ يترك النظام الكثير من المناطق لمنظمات المجتمع الدولي من أجل تمويلها وبنائها وتوفير المال والغذاء. 

يشير التحقيق الحصريّ، إلى أن ما تقوم به المؤسسة ينتهك القانونين الفرنسي والدولي، والمقصود تمويل ميليشيات مسلحة متهمة بارتكاب جرائم حرب، ويتوقع تحركات قضائيّة مستقبلية كون التحقيق والأدلّة عرضت على محامين فرنسيين وجدوا أنها كافية لرفع دعوى أمام القضاء. 

جمعت الأدلة على مدى 18 شهراً، ومن بلدان عدة، وتحوي وثائق مسربة وشهادات سريّة  إلى جانب الاستعانة بالبيانات مفتوحة المصدر، وبعد تمحيصها تبين لمنجزي التحقيق، وجود “علاقة عمل قريبة ودعم مستمر وجمع تبرعات تقوم بها المنظمة في فرنسا، لمصلحة ميليشيات داعمة للأسد منذ عام 2014″، كما تتضمن الأدلّة، ملاحقة للأموال وحركتها إلى حد يكفي لإدانة المؤسسة ومحاكمته تحت القانون الفرنسي. 

يذكر التحقيق أن المنظمة متهمة بكونها على علاقة مع منظمة “الجيل الهوياتي” التي تم حلها في فرنسا هذا العام، والمتهمة بالإرهاب الأبيض والميول “النازيّة -الجديدة” والعنصريّة، الأهم، أن واحداً من مؤسسي الجيل الهوياتي هو أيضاً واحد من مؤسسي “أنقذوا مسيحيي الشرق”،  كل هذه الشبهات والتهم تزداد أهميتها بسبب شراكة مؤسسة “أنقذوا مسيحيي الشرق” مع وزارة الدفاع الفرنسيّة التي قالت بعدما راسلها منجزو التحقيق بأنهم أنهوا الشراكة معها. 

يشير التحقيق أيضاً إلى فرانسواز أكسافير جيكل، مدير العمليات في المنظمة، والمفصول من حزب “الجبهة الوطنيّة” اليميني المتطرف في فرنسا، وذلك بعدما ظهر في صورة وهو يقوم بتحية نازيّة، وهذا ما يزيد الشكوك حول المؤسسة نفسها ودورها السياسي، كما يشير التحقيق إلى أن المنظمات المسيحية نفسها في سوريا  وخارجها تتهم “أنقذوا مسيحيي الشرق” بالتلاعب بالأموال، التي لا تنتهي في الأماكن المفترض أنها قدمت لأجلها، أي مساعدة المنكوبين والمهجرين، ناهيك برهان المؤسسة على إشعال الطائفية بين السوريين. 

تعاون معدو التحقيق مع سميرة مبيض، نائبة رئيس منظمة “سوريون مسيحيون لأجل السلام”، التي تشير إلى الشبهات حول المنظمة وعدوانيتها وأحياناً عنصريتها وتلاعبها بالمشاعر الطائفيّة، وتضيف “نلاحق المال الذي جمعته المنظمة في فرنسا لأجل مستشفى مثلاً، وحين نراجع المستشفى، نكتشف أن نسبة قليلة من المال والمعدات قد وصلت إليه”، وهذا ما يؤكده الشهود الذين تحدث معهم معدو التحقيق. 

إقرأوا أيضاً:

أشارت الفواتير والحوالات المالية الآتية من فرنسا إلى مكاتب المنظمة في العراق ولبنان، أن “أنقذوا مسيحيي الشرق”، تعمل على تفادي العقوبات المالية على نظام الأسد، و هذا ما تقوم به حقيقة كل المنظمات العاملة في سوريا، إلا تلك التي لا تجد مناصاً من العمل في ظل هذا النظام، لكن في حالة “أنقذوا مسيحيي الشرق”، لا تصل الأموال إلى الناس، بل  إلى ميليشيات داعمة للأسد في حماة منذ عام 2013. 

 تبين في جلسة التدقيق المالي العلنيّة التي خضعت لها “أنقذوا مسيحيي الشرق” في فرنسا، وبالمقارنة مع الفواتير والوثائق، أن المنظمة أوصلت ما يقارب 50 ألف دولار نقداً إلى سيمون الوكيل في محردة في ريف حماة، والمعروف أن الوكيل يقود ميليشيات “الدفاع المدني” هناك، وهو لا يقود المعارك إلى جانب النظام، وحسب، بل يتحكم بمعيشة الأشخاص والحركة اليوميّة وله يد في عمليات خطف  في المنطقة، ويلقب أحياناً بـ”وكيل الأسد” في المنطقة، ناهيك بعلاقته مع الحرس الثوري الإيراني، فصور سيمون مع قاسم سليماني موجودة علناً إلى جانب صوره وهو يكرّم بميدالية من الجيش الروسي، وكمية  الدلائل ضده تجعله قابلاً للمحاكمة أمام القضاء الفرنسي لارتكابه جرائم ضد الإنسانيّة. 

كما يطرح التحقيق أسئلة عن إمكانية وجود علاقة بين الوكيل وأعضاء المؤسسة العسكريين المتقاعدين، فهل قدموا للميليشيات نصائح استراتيجيّة وعسكرية خلال الحرب؟ 

يشير التحقيق إلى الدعايات الكاذبة التي بثتها المنظمة من أجل جمع التبرعات في فرنسا منذ تأسيسها عام 2013، إذ ادّعت أن المسيحيين في سوريا يتعرضون لقطع الرأس والتهديدات بالقتل، إلى جانب توظيفها رسائل موجهة للفرنسيين تدعوهم إلى دعم المقاتلين كونهم يضحون بحياتهم للدفاع عن أنفسهم وأسرهم، وهذا ما نراه بوضوح في الرسالة المسجلة التي نشرت على لسان سيمون وكيل نفسه، والتي يحيي فيها الشعب الفرنسي ويطلب مساعدته. 

لا بد من الإشارة نهاية، وبعيداً من عنصرية المنظمة ودعاياتها، إلى أن هذا الشكل الاقتصادي القائم على جمع التبرعات وتهريبها إلى سوريا هو جزء يعي الأسد بدقة أهميته، ودوره في الاقتصاد السوري، إذ يترك النظام الكثير من المناطق لمنظمات المجتمع الدولي من أجل تمويلها وبنائها وتوفير المال والغذاء. 

هذه المنظمة لطالما حامت حولها الشبهات وتهم عنصريّة، ناهيك بأن أعضاءها وممثليها لهم زيارات متعددة إلى مدن سوريا المختلفة، كما أنها معروفة بدعمها اليمين الفرنسي المعادي للاجئين، والذي يرى في الأسد محارباً للإرهاب الإسلامي، وحامياً للأقلية المسيحية من شرّ الذبح والتهجير المتوقع من قبل “المسلمين”. 

الإشكاليّة أن منظمات ومن ضمنها “أنقذوا مسيحيي الشرق” تساهم في تبييض صورة نظام الأسد أمام “الأوروبي”، ما يعني تهديداً للاجئين والمهجرين، وهذا ما نراه حالياً، فاحتمالات ترحيل المُهجرين أصبحت أمراً واقعياً، فالتقارير الرسمية وغير الرسمية التي تصف المناطق  في سوريا بـ”الآمنة” تهدد أولئك الذين يعلمون أن الخطر لم يزل، ناهيك بأن “أنقذوا مسيحيي الشرق” ليست المؤسسة الوحيدة التي تقوم بذلك، فهناك اتهامات كثيرة تدور حول عدد من المنظمات الأخرى. 

يمكن تلخيص تقنيّة العمل المتهمة بها المنظمة بالشكل التالي: أموال أوروبية (تبرعات، منح، حملات…) ، تنقل إلى بلد مجاور بصورة رسميّة أو باليد، بعدها  يتم تهريبها إلى داخل سوريا بحجة مساعدات إنسانية يتم إثباتها بالصور والفيديوات أمام الممولين والمتبرعين، لكن نكتشف لاحقاً أن نسبة كبيرة من هذه الأموال، انتهت بيد فصائل مسلحة، وميليشيات مشبوهة. 

هذه الدورة تتكرر في سياقات كثيرة، والإشكاليّ أن الأدلّة لإثبات هذه الشبهات دوماً منقوصة، كوننا في مناطق حروب، في مواجهة أشخاص لا يمكن بدقة التأكد من “أخلاقيتهم”، ووثائق من السهل التلاعب بها، ناهيك بأن المعلومات من المصادر المفتوحة لا تمتلك دائماً قيمة قانونية كدليل إدانة أو شبهة. 

الأهم، تهمة التعامل مع النظام السوري أيضاً إشكاليّة، فمنظمات المجتمع المدني أمام خيارين، إما تخضع لمظلة النظام وتقدم مساعدات لمؤسساته غير الحكوميّة التي لا يمكن التيقن بدقة ما الذي ستفعله بها أو النسبة التي ستعود  من النقود إلى النظام، أو تعمل مع وسطاء من الصعب  التيقن من طبيعة عملهم ومدى جدواه. 

هذه “الحفرة السوداء” تكشف لنا طبيعة تحرك الأموال داخل سوريا وخارجها، والكم الكبير من الغافلين بشكل كليّ عما يحصل بتبرعاتهم، فبدل أن ينتهي الأمر بإكساء عائلة أو إطعام أخرى، ينتهي بشراء رصاص أو أسلحة لقتل آخرين أو المشاركة في ماكينة القتل التي يديرها النظام السوري. 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
أحمد عاشور – صحافي مصري
تكشف “وثائق باندورا” عن استمرار شركات رجل الأعمال سمير حسن في جزر العذراء البريطانية، على رغم العقوبات التي طاولته منذ بداية الثورة السورية، بل إنه أسس شركة جديدة عام 2015، متخصصة في العقارات، أحد مجالات عمله في سوريا.
Play Video

0:46

Play Video

2:09

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني