ساعة في محطة البنزين

الوجوه التي رأيتها كانت متعبة، الكآبة كانت تملأها، حتى تلك الوجوه المبتسمة، لم تستطع إخفاء خيباتها، لقد شعرت بذلك.

“الحياة هنا ليست سهلة”، قالت صديقتي الفرنسية في رسالة قصيرة، وأرفقتها بإيموجي بوجه خائف. هي جملة قصيرة، نرددها منذ سنوات. إنما في لحظة ما، تتوقف لبرهة وتنظر إلى ما حولك. تتوقف عن الإنكار وتجرؤ على القول: “كلا، هذا ليس طبيعياً. نحن نعيش في تروما!”. تروما تفرض علينا الانتظار لساعات في الطوابير لتعبئة سياراتنا بالبنزين، تروما تجعلنا نتأقلم مع واقع انقطاع الكهرباء، وتبسيط حقيقة أن أموالنا سُرقت وانتهى الأمر…

كنت أتجول في الشوارع، من بيروت إلى زحلة، أشاهدها تعجّ بالسيارات المتزاحمة في الطوابير، بانتظار حصّتها من البنزين، التي قد لا تكفي ليصل المرء إلى بيته أو ليقلّ أولاده إلى المدرسة.

الوجوه التي رأيتها كانت متعبة، الكآبة كانت تملأها، حتى تلك الوجوه المبتسمة، لم تستطع إخفاء خيباتها، لقد شعرت بذلك.

قلت لصديقتي الفرنسية، التي أتت إلى لبنان من أجل إجازة، إنها لن تعيش هذه التجربة في أي مكان آخر في العالم.

“إنه بلد أكشن”، قلت لها. ثم ضحكنا، ضحكة غاضبة، ضحكة تخفي خلفها شعوراً بالرعب. نحن اللبنانيين، عشنا مع الرعب لوقت طويل، حتى صرنا أصدقاءه. كل واحد منا، يذهب مساءً إلى سريره والرعب يرافقه. لم ننم لوحدنا قط. لم ننم بأمان قط.

“إنه بلد أكشن”، قلت لها. ثم ضحكنا، ضحكة غاضبة، ضحكة تخفي خلفها شعوراً بالرعب.

والرعب يأتي من اتجاهات الكثيرة، المستقبل، الأزمات المتلاحقة، الشيخوخة، العتمة، الحب، خسارة العمل أو المال أو العائلة أو كلها معاً، مقابل الحصول على بعض الأمان في مكان آخر.

كل ما نريده هو مكان للمكوث، للعمل، للضحك، للحب، للزواج، ثم الموت بسلام.

كنت أقف في الطابور الطويل بانتظار البنزين حين صرخ رجل: “هيا أسرع، علينا أن ننتهي من هذا القرف!”.

رددت الجملة في رأسي. نعم علينا أن ننتهي من هذا القرف! علينا أن نجد طريقة للتعامل مع الحياة غير العادلة التي نعيشها. قدت السيارة إلى الأمام، نظرت حولي، كانت هناك نحو 50 سيارة قبلي في الطابور. الرجل واصل الصراخ. شعرت بأنني مستنزفة وبائسة.

تركت خط الانتظار، رفعت صوت الموسيقى. كانت داليدا تغني “حلوة يا بلدي”. غنينا معاً لدقائق، قبل أن أصل إلى البيت، وأتّخذ قراري بعدم الخروج منه قبل انتهاء أزمة البنزين الراهنة.

اتصلت أختي من بروكسيل، قالت إنها ستزور بيروت خلال أسابيع. سألتني أي هديّة أفضل. أجبتها: “لا شيء، برميل نفط وحسب”.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
محمد إبراهيم
بينما يفتش أحدهم محتويات المطبخ، عثر على زجاجة بيرة في الثلاجة، ثم خرج بها ليخبر الضابط بكل ثقة: “مش إخواني يا باشا، لاقينا في تلاجته بيرة”.
Play Video
فراس حمدان هو محامٍ لبناني نشط بالساحات خلال انتفاضة 17 تشرين وكان ثمن نضاله كبيراً. شرطة مجلس النواب أصابت فراس برصاصة من سلاحٍ محرم دولياً اخترقت قلبه بإحدى التظاهرات، وعلى رغم أن شظاية الرصاصة بقيت في قلبه، إلا أن فراس تحدّى وترشّح على الإنتخابات، وربح. ليعود إلى الساحة نفسها ولكن هذه المرة كنائب!

4:38

Play Video
“رح ننتخب أي حدا ضد المُعرقلين…”، 21 شهراً مرّ على انفجار مرفأ بيروت وأكثر من 4 أشهر على تجميد التحقيق. السلطة اللبنانية تُحاول عرقلة التحقيقات وطمس الجريمة، بل وتخوض الانتخابات بوجوه مُتّهمة بانفجار 4 آب، لكن أهالي الضحايا يصرّون على ثباتهم: العدالة تأتي بالتغيير.

2:49

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني