لبنان: يوم جازف رياض سلامة بـ175 مليون دولار

تكمن الإشكاليّة الكبرى في المجازفة التي قرر حاكم مصرف لبنان أن يتورّط بها بأموال المودعين، في ظل عطش البلاد لكل دولار تمكن المحافظة عليه في هذه المرحلة تحديداً.

حين احتُفي بإطلاق مشروع صندوق “سيدر أوكسيجين” منذ أكثر من سنة، كانت الخطّة أن يودع مصرف لبنان في ذلك الصندوق نحو 175 مليون دولار أميركي من احتياطاته كنقطة انطلاق، على أن يتمكّن القيّمون على المشروع من استقطاب استثمارات إضافيّة ترفع قيمة سيولته إلى نحو 750 مليون دولار. كانت الفكرة في ذلك الوقت، تقوم على توظيف هذه الأموال في قروض يمكن أن تستفيد منها المؤسسات الصناعيّة اللبنانيّة، بقيمة يمكن أن تصل إلى حدود الملياري دولار سنويّاً. القيّمون على الخطة بأسرها راهنوا على دوران السيولة، أي إعادة توظيف الـ750 مليون دولار نفسها في قروض جديدة بعد سداد القروض الممنوحة، للوصول إلى مستوى الملياري دولار من القروض كل سنة.

اليوم، وبعد أكثر من سنة على إطلاق المشروع، تشير تقارير مصرفيّة إلى أن الصندوق فشل في تأمين أي استثمارات جديدة تُضاف إلى الـ175 مليون دولار التي وضعها مصرف لبنان بعهدة الصندوق. أما حجم القروض التي تم الإعلان عن الموافقة عليها، فلم يتخطَّ مستوى الـ22 قرضاً، بقيمة لا تتجاوز 45 مليون دولار، في ظل نفور الصناعيين من فكرة الصندوق وطريقة عمله. باختصار، لم يتمكّن الصندوق من استقطاب الاستثمارات التي استهدف تأمينها يوم أغدق المصرف المركزي عليه السيولة من دولارات المودعين، ولم يتمكّن من الوصول إلى حجم القروض السنويّة التي وعد بمنحها للقطاع الصناعي. 

الحديث عن الصندوق الذي تورّط به حاكم مصرف لبنان العام الماضي، لا ينطوي على أي قدر من الشماتة أو الانتقاد لأصحاب المشروع، الذين حرصوا على تسجيله منذ البداية في لوكسمبورغ كمؤسسة استثماريّة خاصّة تملك أهدافها الربحيّة، وتُدار بقدر كبير من الاستقلاليّة والمهنيّة في الخارج. هؤلاء، يملكون حق المجازفة بصندوقهم واستثماراتهم، فيما تكمن الإشكاليّة الكبرى في المجازفة التي قرر حاكم مصرف لبنان أن يتورّط بها بأموال المودعين وما تبقى من احتياطات، وفي طريقة اتخاذه هذا القرار بالتحديد. أما الحديث عن المشروع اليوم، فيكتسب أهميّة استثنائيّة في ظل الأرقام والنتائج الهزيلة التي تم الإعلان عنها، وفي ظل عطش البلاد لكل دولار تمكن المحافظة عليه في هذه المرحلة بالذات.

إشكاليّة النموذج

إشكاليّة الصندوق منذ البداية، كمنت في النموذج الذي ارتكز عليه حاكم مصرف لبنان لدعم المؤسسات الصناعيّة. فالصناعيون، كحال جميع المقيمين، عانوا منذ بداية الانهيار من حالة التعثّر في القطاع المصرفي، وتحديداً من القيود التي فرضتها المصارف على سيولتهم العالقة لديها، في ظل حاجتهم إلى الدولار النقدي لاستيراد المواد الأوليّة. وبدل العمل على رؤية ما، تضمن تمكين المؤسسات الإنتاجيّة، ومنها الصناعيّة، من استعمال سيولتها العالقة في النظام المصرفي، يقوم النموذج الذي أراده سلامة على استثمار أموال المودعين– التي وضعتها المصارف لدى مصرف لبنان- في صندوق أجنبي، هو سيدر أوكسيجين، ومن ثم الطلب من المؤسسات الصناعيّة الحصول على قروض بالدولار الطازج من هذا الصندوق لاستيراد المواد الأوليّة. وكما ابتدع سلامة مفهوم “الفريش دولار” أو الحسابات الجديدة للودائع، سيكون قد ابتدع أيضاً مفهوم قروض الدولار الطازج المنفصلة عن النظام المالي القديم.

بالنسبة إلى المودعين من أصحاب المؤسسات الصناعيّة، يبدو النموذج بأسره أقرب إلى البهلوانيات الماليّة التي لا ترتكز على أي معيار أخلاقي أو اقتصادي، خصوصاً كونها لا تأتي من ضمن أي رؤية شاملة لكيفيّة التصرّف بالاحتياطات المتبقية وتوظيفها بما يضمن حد أدنى من العدالة لأصحاب الودائع. لكن فلنضع المسألة الأخلاقيّة جانباً، طالما أن من ابتلع بحر الهندسات الماليّة وتعاميم ما بعد الانهيار، لن يغص بساقية “سيدر أوكسيجين”. فالهدف من الحديث عن هذه النقطة بالتحديد، ليس سوى الإشارة إلى الملامح الأولى التي تكفي لتنفير الصناعيين من فكرة المشروع، وهو ما أدّى إلى فشله لاحقاً. 

الشفافيّة المفقودة

الإشكاليّة الثانية تكمن في طريقة اتخاذ القرار. هل سمع أحد في أنحاء الجمهوريّة باستدراج ما للعروض أو منافسة، لاختيار الشركة أو المؤسسة الاستثماريّة– أياً يكن شكلها- التي ستحظى بـ175 مليون دولار من أموال المصرف المركزي لتنعش القطاعات الانتاجيّة؟ كيف تم اختيار هذه الشركة بالتحديد؟ لا بل كيف تم اختيار هذا النموذج الاستثماري دون سواه؟ هل ناقش مصرف لبنان هذه الفكرة مع المؤسسات الدستوريّة الأخرى، في حين أن مسألة إدارة السيولة المتبقية في مصرف لبنان ترتبط بملفات أخرى شديدة الحساسيّة كالدعم وأموال المودعين وإعادة هيكلة القطاع المصرفي وغيرها؟ هل بهذه الخفّة أدار حاكم مصرف لبنان مسألة بهذه الحساسيّة؟

القيّمون على المشروع يقولون إن الفكرة تضمن لمصرف لبنان حق استرداد المبلغ لاحقاً، لأنه مكتتب بسندات دين في المشروع لا مساهم فيه كشريك. لكنّ الصندوق مسجّل عملياً كشركة محدودة المسؤوليّة في لوكسمبورغ، وعمله في مجال الإقراض يعرّضه لمخاطر خسائر الإئتمان الناتجة عن تعثّر المقترضين، والتي يمكن أن تصل إلى حد تعثّر الصندوق بأسره. وبالتالي، فمجرّد الانخراط في هذا النوع من الاستثمار، وبهذا الحجم من السيولة، وفي ظل الأزمة القائمة التي يمثّل شح الدولارات عنوانها الأساسي، كان يقتضي قدر أكبر من الشفافيّة مع الرأي العام، وخصوصاً أصحاب الودائع الذين تعود لهم هذه الأموال. علماً أن طبيعة الصندوق، تفرض على مصرف لبنان سداد 1.75 في المئة من قيمة الاستثمار سنويّاً للصندوق بالدولارات الطازجة، بمثابة رسوم مطلوبة لإدارة العمليات، ما يعني أن الفكرة بحد ذاتها تنطوي على كلفة ستتكبدها ميزانية المصرف المركزي.

الحلول المجتزأة

أبرز مشكلات الصندوق، والتي أدّت إلى تعثّر الفكرة اليوم كما يبدو واضحاً من الأرقام، تكمن في أنّه كجميع القرارات التي اتخذها حاكم مصرف لبنان مجرّد حلول مجتزأة، لا تندرج ضمن خطة واضحة أو متكاملة للمعالجة. فالرهان على استفادة الصناعيين من هذه القروض لتنشيط القطاع وتعزيز الصادرات، بدا منذ البداية رهاناً عبثياً في ظل معاناة الصناعيين لتأمين أبسط مقومات العمل محلياً، مثل الكهرباء لتشغيل المعامل والفيول لتشغيل المولدات الخاصّة. وانكشاف الصناعي على قروض بالدولار الأميركي، في ظل ارتباط جزء من مبيعاته بالعملة المحليّة في لبنان، بدا أيضاً مسألة مقلقة للصناعيين في ظل الانهيارات المتتالية في سعر صرف الليرة اللبنانيّة. علماً أن حجم الانكماش الاقتصادي المسجّل محلياً، بفعل استمرار الأزمة الماليّة واشتداد وطأتها، لم يبشّر بأي انتعاش في القطاعات الانتاجيّة، بمعزل عن توفّر القروض التي سيتم منحها من خلال الصندوق بالدولار الطازج.

من ناحية أخرى، كان حذر المستثمرين من إيداع أموالهم في الصندوق، مجرّد إشارة إلى حجم المخاطر المرتبطة بعملياته، وعدم تناسب العائدات مع حجم هذه المخاطر، وهو ما يدل على نوعيّة الورطة التي دخلها سلامة بأموال المودعين في النظام المصرفي. كما كان انكفاء المستثمرين وعدم استقطاب أي دولار منهم، على رغم استهداف الصندوق الحصول على 575 مليون دولار من الاستثمارات الإضافيّة، دلالة فاقعة على سوء تقديرات الحاكم وعدم واقعيّة خطّته. مع العلم أن الحصول على أموال المؤسسات الدوليّة، لتوظيفها في الصندوق بدل استثمارات القطاع الخاص، ما زال خيار متاح أمام إدارة الصندوق، لكن هذا الاحتمال يصطدم برفض جميع الجهات الدوليّة التورّط في دعم مالي وازن لبنان قبل التأكد من وجود خطة تصحيح مالي شاملة، باستثناء المساعدات الانسانيّة التي يتم تقديمها حالياً. 

في الخلاصة، من المؤكّد أن مؤسسي الصندوق عملوا منذ البداية على تأسيسه وفق معايير إداريّة عالميّة، من حيث طريقة توزيع القروض والضمانات المرتبطة بها، وطريقة الإفصاح عن استثماراته. المشكلة الأساسيّة ليست في المشروع نفسه، الذي يُعد اليوم مشروعاً خاصاً يتحمّل أصحابه ومن يشاء الاستثمار فيه، مسؤوليّة نجاحه أو فشله. الإشكاليّة الكبرى، هي استسهال حاكم مصرف لبنان اتخاذ خيار ضخم بحجم توظيف 175 مليون دولار في صندوق كهذا، واعتباره من الأدوات الماليّة التي يمكن استخدامها في مواجهة الأزمة الحاصلة اليوم، وتحميله احتياطات مصرف لبنان كلفة هذا النوع من المجازفات. مع العلم أن هذه الإشكاليّة تنبع من مشكلة أكبر، هي عدم وجود رؤية كاملة للدولة اللبنانيّة لكيفيّة التعامل مع هذه الأزمة بجميع عناصرها، إلى إعطائها حاكم مصرف لبنان الهامش الخاص لإدارة مسائل بهذه الحساسيّة من دون أي تدخّل من أحد.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
أحمد عاشور – صحافي مصري
تكشف “وثائق باندورا” عن استمرار شركات رجل الأعمال سمير حسن في جزر العذراء البريطانية، على رغم العقوبات التي طاولته منذ بداية الثورة السورية، بل إنه أسس شركة جديدة عام 2015، متخصصة في العقارات، أحد مجالات عمله في سوريا.
Play Video

0:46

Play Video

2:09

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني