fbpx

“القائمة لن تُخفي الشرخ”… مؤسسة الزواج تبتلع نفسها في مصر

البديل الوحيد هو إطلاق سراح الزواج من قيود صورته التقليدية ليتحول إلى علاقة متكافئة بين فردين، وليس إلى تبادل سلعة في مقابل مادي.

“من يؤتمن على العرض، لا يُسأل عن المال”، أصبحت هذه العبارة من الأكثر رواجاً راهناً، ليس على مواقع التواصل الاجتماعي وحسب، إنما على صفحات المواقع الصحافية وشاشات بعض القنوات التلفزيونية أيضاً. 

بدأ الأمر بمنشور على “فايسبوك”، يحتوي على صورة لورقة عنوانها “قائمة منقولات زوجية”، وشغلت العبارة المذكورة معظم مساحة الورقة وقد كتبت بخط عريض متكلف وأعقبتها أيضاً عبارة “اتق الله في كريمتنا”. أما قصة القائمة، التي ليست بقائمة، فهي حول أب قرر ألا يستكتب عريس ابنته القائمة التقليدية التي تتضمن مجمل مفروشات عش الزوجية والأجهزة الكهربائية وربما تضاف إليها الشَبكة أيضاً.

 ليس معروفاً على وجه التحديد لماذا قرر الأب كتابة عبارته بهذا الشكل اللافت، فقد كان بإمكان الاتفاق على عدم وجود القائمة شفهياً، وهو ما يحدث بالفعل في حالات كثيرة. ولا نعرف أيضاً من قرر نشر صورة القائمة/ نفي القائمة في “فايسبوك” ولماذا. ولكن المنشور حظي باهتمام متوقع، حتى أن بعض المواقع الصحافية سعت إلى إجراء حوار مع الأب والعروسين، ونشر أحدها مقطع فيديو من حفل الزفاف.

الاهتمام بتخلي الأب عن قائمة منقولات ابنته والطريقة التي أعلن بها عن ذلك، لم يتخذ شكل الحفاوة في جميع الحالات بالطبع. كان ثمة الكثير من التعليقات الغاضبة والمستنكرة التي اتهم بعض أصحابها الأب بالتفريط في حقوق ابنته، في المقابل دافع البعض عن فكرة التخلي عن قائمة المنقولات، مشيرين إلى أن هذا النوع من الربط بين الزواج والالتزامات المالية هو شكل من أشكال تسليع المرأة، ولم تفت آخرين، أو بالأحرى أخريات، الإشارة إلى أن الذكور المصريين لا يذكرون مسألة تسليع المرأة إلا في حالات الرغبة في التخفف من التزاماتهم كأزواج، أو لفرض سلطتهم كرجال. ومن جانب آخر، كان “الترند” فرصة مستحقة بالنسبة إلى أقلية، لطالما ضاع صوتها في ضجيج الشجار الاعتيادي، للحديث عن مجمل واقع مؤسسة الزواج التقليدية في مصر.

شؤون الزواج واحدة من الموضوعات التي لا يكاد يمر يوم من دون شيوع الحديث عن أمر يتعلق بها، سواء كان ذلك في مواقع التواصل الاجتماعي أو في وسائل الإعلام التقليدية. وبينما طالت هذه الحوارات والمناقشات الساخنة حينا والحادة إلى حد المعارك الساخنة حينا آخر، أغلب ما يمكن تصور تناوله حول مؤسسة الزواج، إلا أن أحداً، على حد علمي، لم يتناول الحقيقة الواضحة إلى حد أن الجميع يتجنب ملاحظتها، وهي أن مؤسسة الزواج التقليدية في مصر تمر بأزمة يتسع نطاقها ويزداد عمقها كل يوم منذ وقت طويل.

“من يؤتمن على العرض، لا يُسأل عن المال”، أصبحت هذه العبارة من الأكثر رواجاً راهناً.

تصنف معظم النقاشات حول الزواج على أنها تندرج تحت عناوين قضايا المرأة، العنف، والتمييز ضدها، إهدار أهليتها القانونية والاجتماعية، وإهدار حياتها أيضاً. وهذا بالتأكيد أكثر من مشروع، ففي النهاية تتبدى ذكورية المجتمع، واختلال موازين القوى الاجتماعية ضد النساء، بأسوأ صورهما من خلال وضع المرأة في مؤسسة الزواج. 

من الطبيعي، والضروري أيضاً، أن تكون أولوية اهتمامنا بواقع هذه المؤسسة هي وضع المرأة فيها. ولكن قد يكون من المفيد أيضاً أن نلتفت إلى أن هذه المؤسسة تمر بأزمة حقيقية، لا تتعلق بوضع المرأة فيها وحسب، ولكن أيضاً بوضع المؤسسة نفسها في ظل ضغوط التغيرات الاجتماعية، التي تزداد حدة طوال نحو نصف قرن. 

تحت وطأة هذه الضغوط، يبدو أن المؤسسة الاجتماعية الأكثر أهمية، والتي لا تتميز بكثير من المرونة، قد بدأت تعاني من تشققات تزداد عمقاً واتساعاً مع الوقت. وفي اعتقادي توفر مسألة قائمة المنقولات الزوجية زاوية مناسبة للنظر إلى هذه الأزمة وأبعادها.

جهاز العروس هو من أهم الموضوعات التي لا مفر من مناقشتها خلال جولات المفاوضات المضنية التي تسبق الاتفاق على إتمام الغالبية الساحقة من الزيجات التقليدية في مصر. الجهاز والمهر والشبكة، أي الأعباء المالية الرئيسية التي تفرضها الأعراف والتقاليد، أكثر مما تفرضها الشريعة الدينية، هي ساحات كر وفر بين طرفي الاتفاق (أو الخلاف) حول إتمام الزواج، والتي يبدو فيها أن كل طرف حريص على إحداث أكبر قدر ممكن من الضرر المالي بالطرف الآخر. 

الأعراف ذريعة للتهميش والظلم

وفق العرف قديماً، يدفع العريس مهراً للعروس، يستخدمه أبوها أو من يقوم مقامه لشراء مفروشات بيت الزوجية، ثم أصبح السائد أن يتقاسم الطرفان تحمل قيمة الجهاز مقابل تخفيض قيمة المهر أو التخلي عنه. وبما أن منقولات بيت الزوجية هي، نتيجة لذلك، تكون مساهمة من العروس، بشكل أو بآخر، فوفق العرف أيضاً تعتبر هذه المنقولات ملكاً لها، وأمانة يؤديها الزوج إليها، متى طلبتها، أو في الواقع العملي في حال الطلاق فقط. القائمة في هذه الحالة هي الوثيقة (إيصال الأمانة) الذي يتضمن سرداً للمنقولات وقيمتها، ويلزم الزوج بردها.

افتقار الأعراف والتقاليد الخاصة بالزواج التقليدي إلى المرونة، يظهر بوضوح في قدر الأعباء المالية التي يتطلبها توفير منقولات الزوجية التي يحكم عناصرها الضرورية وقيمتها مظهر أسرة العروس الاجتماعي قبل أي اعتبارات عملية، وثمة شواهد لا يمكن إنكارها على أن نسبة هذه الأعباء مقارنة بمتوسط الدخل تتزايد عند الطبقات الأكثر فقراً، وتعكس ذلك بوضوح ظاهرة الغارمات، وهن الأمهات اللاتي قادهن الاخفاق في سداد ديون تجهيز بناتهن إلى السجون. 

مؤسسة الزواج التقليدية إذاً يتجاذبها تزايد الشعور بالعجز بين الذكور الذين تنحصر منجزات معظمهم في كونهم رجالاً، مع تدني فرص تحقيق الذات من خلال المستقبل المهني أو غيره.

يمكن الربط بين تصاعد وطأة الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها الأسر محدودة الدخل في مصر، وبين تزايد التمسك بقائمة منقولات الزوجية، فثمة العلاقة المباشرة، حيث تشعر أسرة العروس بأن الأعباء المالية الضخمة التي تحملتها لا ينبغي أن تضيع هباءً في حالة الطلاق. ولكن ثمة العلاقة غير المباشرة أيضاً، فالتمسك المتزايد بقائمة المنقولات مرتبط بتزايد معدلات الطلاق بصورة ملحوظة، ولا شك في أن الأزمة الاقتصادية الخانقة هي من مسببات الارتفاع في معدلات الطلاق.

وهناك وجه آخر بخلاف الأزمة الاقتصادية التي تجعل الشعور بوطأة تكاليف الزواج أكثر وضوحاً، هذا الوجه يتعلق بضآلة الحماية القانونية لحقوق الزوجة في مجتمع لا تزال معظم النساء فيه يفتقدن إلى الاستقلال المادي عن أزواجهن. قائمة المنقولات تكاد تكون السلاح الوحيد للمطلقة، والتي يمكنها أن تلوح بها لإرغام طليقها على أداء حقوقها المالية بعد الطلاق.

الأعباء الاقتصادية هي أحد أهم العوامل الضاغطة على مؤسسة الزواج التقليدية، في جانب ارتفاع التكلفة المبدئية للزواج، والذي يؤدي إلى رفع متوسط سن الزواج لكثيرين في الطبقة المتوسطة، وإلى رفع الأعباء التي تتحملها الأسر في ظل عدم قدرة أبنائها على القيام بها، أو المساهمة في تحملها بنسبة كافية، بالنسبة إلى الأسر الأكثر فقراً. 

هذه الأعباء تضغط على طبيعة العلاقة الزوجية التقليدية، التي تفترض انفراد الزوج بامتيازات كثيرة. وفي حين أن هذه الامتيازات كانت ولا تزال مبررة نظرياً بمفاهيم التفوق الذكوري المحصن بالثقافة السائدة وكذلك بالموروث الديني، فقد كانت ضمناً مبنية على شرط إعالة الزوج أسرته بشكل كامل. 

مع استمرار الأزمات الاقتصادية وتزايد حدتها يجد معظم الرجال أنفسهم عاجزين عن تحقيق هذا الشرط، وهذا يقدم واحداً من تفسيرات تزايد التمسك العنيد وربما إلى حد الهوس بالضمانات الثقافية والدينية لامتيازات الذكور داخل مؤسسة الأسرة. والذي نراه واضحاً في التعبيرات بالغة الحدة التي يستخدمها كثر من الرجال عند محاولتهم تأكيد استحقاقات ربما لا يتوافر لمعظمهم القدرة على تحصيلها عملياً، مثل “الحق في التعدد”، أو المطالبة بالمعاشرة الجنسية في أي وقت بغض النظر عن رغبة الزوجة، ورفض توصيف إرغامها بـ”الاغتصاب الزوجي”. وبالطبع ليس الاغتصاب الزوجي المظهر الوحيد أو الأكثر شيوعاً للعنف ضد النساء في إطار العلاقة الزوجية، والذي تزايدت معدلاته أيضاً في السنوات الأخيرة.

مؤسسة الزواج التقليدية إذاً يتجاذبها تزايد الشعور بالعجز بين الذكور الذين تنحصر منجزات معظمهم في كونهم رجالاً، مع تدني فرص تحقيق الذات من خلال المستقبل المهني أو غيره. في الوقت نفسه، تفتقر هذه المؤسسة إلى المرونة، ليس بفعل الأعراف والتقاليد أو التصورات الدينية السائدة وحسب، ولكن بصفة أساسية بسبب تقادم القوانين المنظمة لها ورجعيتها، والتي تعكس التقاليد والمفاهيم الدينية في صورة نصوص قانونية، من دون أي اعتبار للواقع العملي ومقتضياته. ومع افتقارها إلى المرونة لا يسع مؤسسة الزواج بوضعها الحالي أن تتوافق مع مقتضيات الواقع وتسمح بحلول مناسبة لها، وهو ما يهدد بأن تتمزق تحت وطأة التجاذبات التي تتعرض لها.

جوهر أزمة مؤسسة الزواج التقليدية في مصر هو أنها تحاول أن تعكس صورة لها يستحيل عملياً تحقيقها، أو الحفاظ على مظاهرها.

 هذه هي صورة الأسرة الأبوية التي تنشأ بنقل الوصاية على امراة من الأب أو من يقوم مقامه إلى زوج يدفع في مقابل حيازتها، (وبالمصطلح الشرعي استحلال فرجها، واستيلادها أبناء له)، بتقديم مهر كعربون ومؤخراً ونفقات معيشة. هذه الصورة في حاجة إلى أن تختفي من خيال الذكور، وأن تختفي معها المظاهر المختلفة التي تحمل الزواج أعباء تحكم عليه في معظم الأحيان بالفشل، في حال استمراره أكثر منه في حال انتهائه.

لإطلاق سراح الزواج!

البديل الوحيد هو إطلاق سراح الزواج من قيود صورته التقليدية ليتحول إلى علاقة متكافئة بين فردين، وليس إلى تبادل سلعة في مقابل مادي. هذا الهدف بالطبع يتطلب تغييرات اجتماعية عميقة يصعب أن تتحقق في المدى القريب، ولكن تعديل الإطار القانوني هو أولاً شرط لإزالة أحد المعوقات الأساسية أمام تحقيقه، وهو ثانياً حافز مهم لدفعه. 

المطالبة بقانون مدني للأحوال الشخصية تظل في مقدمة أولويات من يهمه تشجيع التحولات الاجتماعية الضرورية، لأن تكتسب مؤسسة الزواج المرونة الكافية لمواجهة تحديات الواقع المعاش. فالقانون المدني ينبغي أن يحول عقد الزواج نفسه إلى تعاقد بين شخصين متكافئين، ويسمح لهما بوضع الشروط والقواعد التي يتوافقان عليها بما في ذلك الضمانات التي يمكن أن تكون بديلاً يحقق الحماية التي يفترض أن الأعباء المالية للزواج تحققها، بينما هي في الواقع تضع ضغوطاً غير منطقية على الزواج نفسه في حين تفشل عملياً في توفير الحماية المتخيلة.

 قد تكون الأب لدى صاحب العبارة الفصيحة، التي لفتت انتباه كثيرين فأصبحت “ترند”، حسن النية، ولكنه يعكس بالضبط التناقضات البائسة في مؤسسة الزواج التقليدية.

القائمة هي في نهاية المطاف واحدة من تلك المظاهر التقليدية لمؤسسة تنهار بسرعة تحت وطأة واقع لم تعد ملائمة لمتطلباته، وهي تبقى ضرورية فقط في ظل افتقار هذه المؤسسة للتكافؤ بين مكونيها الأساسيين، وفي ظل تورط أطراف تتحمل أعباء غير منطقية، وتتحول بدورها إلى عبء إضافي على علاقة مثقلة بالفعل بأعباء لا طاقة لها بها.

 قد تكون الأب لدى صاحب العبارة الفصيحة، التي لفتت انتباه كثيرين فأصبحت “ترند”، حسن النية، ولكنه يعكس بالضبط التناقضات البائسة في مؤسسة الزواج التقليدية، بين عملية البيع والشراء الضمنية التي تجعل للأب الحق في تحديد المقابل المادي والضمانات التي يطلبها في مقابل نقل وصايته على ابنته إلى زوج المستقبل، وبين المفهوم الديني الذي يفترض أن يحجب هذه العملية، ويصور المقابل المادي والضمانات على أنها حقوق الابنة/ الزوجة.

نظرياً ليس للأب أصلاً حق فرض القائمة على العريس أو إعفائه منها، وليس له أن يعول على أن زوج ابنته سيتقي الله فيها. لفتته التي وصفها تقرير تلفزيوني عن الواقعة بالنبيلة، اختصرت من حيث لا يدري أمراض المؤسسة التي لم تعد الضمانات التقليدية قادرة على ترقيع ما أصابها من خروق.

 صورة الأسرة الأبوية تنشأ بنقل الوصاية على امراة من الأب، أو من يقوم مقامه إلى زوج، يدفع في مقابل حيازتها مهراً ومؤخراً ونفقات معيشة.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
عبدالرحمن الجندي – كاتب مصري
خالط الفرح الريبة والتوجس، أمسى جيلنا يخاف الأمل ويرهبه، توالت على رؤوسنا الخيبات تباعاً حتى خاصمنا الأمل ولم نعد نراه إلا بعين الشك.
Play Video
في عالم تسوده تقنيات حديثة يمكن استهداف أي شخص حتى الملوك والرؤساء والزعماء. محاولات الاختراق حصلت عبر برنامج مجموعة NSO الاسرائيلية ولكن لصالح حكومات اشترت هذه الخدمة بملايين الدولارات. الأرقام شملت هواتف رؤساء دول وملوك وزعماء ورؤساء حكومات. الأرقام المستهدفة تشمل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي كان ضمن نحو 10 آلاف هدف تقف المغرب وراء محاولة اختراقها.

4:30

Play Video
تثير شركة NSO الاسرائيلية منذ تأسيسها الكثير من الجدل. الفريد في حالة NSO هو العلاقة الوثيقة والصريحة بأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية. عدد كبير من موظفي الشركة هم ضباط متقاعدون في جهازي “الشين بيت” و”الموساد”

5:59

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني