بغداد: مصادفة الإفراج عن مصلح في يوم زيارة قاآني

إطلاق سراح قاسم مصلح حصل قبل يومٍ واحدٍ من وصول قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني إسماعيل قاآني إلى بغداد، وهذه مصادفة طبعاً، لكنها مصادفة تشجع على التسرع في الاستنتاج!

السجال الذي شهدته بغداد بين حكومتها وقضائها حول ملابسات إطلاق سراح القيادي في “الحشد الشعبي” المقرب من الحرس الثوري الإيراني قاسم مصلح، والذي اشتبهت الحكومة بوقوفه وراء قتل الناشط الكربلائي إيهاب الوزني، فما كان من القضاء إلا أن برأه وأطلق سراحه، هذا السجال كاشف للحقيقة العراقية، المتمثلة في أن الدولة العميقة في العراق تسوقها طهران إلى حيث تريد، وما الحكومة سوى مظهر غير فاعل إذا ما وُضعت أمام امتحان القرار. فالرجل، أي قاسم صالح، ليس من قيادات الصف الأول في الفصائل الولائية، لا بل أنه ليس من قيادات الصف الثاني، وعلى رغم ذلك أبت الدولة العميقة إلا أن تعطي درساً لمن تسوله نفسه التطاول على أذرع طهران في العراق. 

وسبقت الإفراج عنه عراضة مسلحة شهدتها المنطقة الخضراء في بغداد، وهي المساحة السيادية الأشد كثافة في العاصمة العراقية، حيث أقدمت الفصائل الولائية على محاصرتها مع ما تضم من مقار سيادية وديبلوماسية وأمنية. وقال أصدقاؤنا من النشطاء العراقيين في حينها إن المسلحين انسحبوا بعد تلقيهم وعوداً بالإفراج السريع عن مصلح، ولم نصدقهم في حينها، وإذ بهم اليوم صادقون. 

الحكومة قالت بوضوح وشفافية إنها أوقفت مصلح بناء على قرائن تقدمت بها إلى القضاء، وقرار توقيفه اتخذه قاضٍ، وهذا الأخير ما كان ليوقفه لولا اقتناعه بالقرائن التي تقدمت بها الحكومة. وبعد أسبوعين، قال القضاء أن لا أدلة على تورطه بالجريمة، وأقفل التحقيق! حصل ذلك قبل يومٍ واحدٍ من وصول قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني إسماعيل قاآني إلى بغداد، وهذه مصادفة طبعاً، لكنها مصادفة تشجع على التسرع في الاستنتاج!

والحال أن واقعة يوم الأربعاء (9/ 6/ 2021) العراقي لا تقتصر في فظاعتها على اختلال العدالة وعلى فجيعة أم إيهاب التي قدمت شهادتها واتهمت مصلح بالتورط بقتل ابنها، إنما بما يعنيه الإفراج عن الرجل من حصانة تتمتع بها جماعات القتل في العراق. فبعد الإفراج السهل والسريع عن مصلح سيشعر الراغبون بالقتل أن الحصانة لا تقتصر على حماية فصائلهم لهم بعد ارتكاباتهم، إنما القضاء أيضاً صار موظفاً في خدمتهم. القتل سيصبح أسهل، والضجيج المُثار حوله سيكون جعجعة بلا طحين!

الحكومة قالت بوضوح وشفافية إنها أوقفت مصلح بناء على قرائن تقدمت بها إلى القضاء، وقرار توقيفه اتخذه قاضٍ، وهذا الأخير ما كان ليوقفه لولا اقتناعه بالقرائن التي تقدمت بها الحكومة.

يُحسب للحكومة العراقية بيانها الذي ألمح لعدم اقتناعها بقرار القضاء، والذي قال إنها قدمت الأدلة الموجبة لتوقيف قاسم مصلح، لكن البيان يكشف أيضاً أن الحكومة، وهي دستورياً رأس السلطة التنفيذية ورئيسها هو القائد العام للقوات المسلحة، ليس بيدها الأمر، وأن ثمة من هو أكثر قدرة منها على انتزاع القرار.

النشطاء العراقيون صاروا، بعد قرار الإفراج عن مصلح، في العراء تماماً، مكشوفي الضهر للقاتل المتجول من البصرة إلى بغداد. لن تكون أم إيهاب في مأمنٍ عن رغبة الرجل “البريء” بالانتقام، والصحافيون الاستقصائيون العراقيون الذين عملوا بدأب على توثيق الجريمة ونشر أسماء مرتكبيها ووجوههم، سيغادرون العراق كما سبق أن فعل عشرات مثلهم من أهل المهنة.

لكن السؤال في ظل هذه الحقيقة هو، إلى أين يذهب العراق في ظل هذا المشهد السافر؟ الانتخابات على الأبواب، وقاآني وصل إلى بغداد لـ”ترتيب البيت الشيعي قبل هذه الانتخابات”، على ما تسرب من أخبار! إذاً لن يكون الانتخاب سوى مناسبة لصياغة مشهد سياسي للسلطة العميقة. المشهد نفسه الذي تولى تبرئة قاسم مصلح، والكتل النيابية نفسها التي تستقبل قائد فيلق القدس وتفاوضه على أحجامها! أما انتفاضة تشرين وما أفرزته من خرائط في المدن الشيعية المنتفضة، والتي كان يفترض أن تكون الانتخابات فرصة لاختبار حجمها التمثيلي، فقد تم التعامل معها تماماً مثلما تم التعامل مع الثورة الخضراء في طهران، وعلى نحو أشد قسوة مما فعل “حزب الله” في لبنان مع انتفاضة تشرين اللبنانية.

إنه السياق السياسي لواقعة الإفراج عن قاسم مصلح.   

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
أحمد حاج بكري- صحافي سوري
كانت لافتة “يمنع دفن أي شخص سوري منعاً باتاً تحت طائل المسؤولية”، المعلقة على سور إحدى مقابر لبنان كافية لمعرفة الوضع الذي وصلت له المصاعب التي تواجه لاجئاً سورياً في حال فكر في دفن قريب له.
Play Video
“فلقة” جديدة يتلقّاها أطفال سوريين في بلدة غزة البقاعية في لبنان. نشر الصحافي هادي الأمين فيديو يُظهر تعنيف شاويش لأطفال سوريين لأنهم “يقصّرون في عملهم”. وفي كل مخيم للاجئين في لبنان، يتعيّن شاويش سوري ليكون بمثابة مسؤول عن هؤلاء الأطفال. في وقتٍ يتعرض فيه هؤلاء الأطفال لانتهاكات عدة من تسرب تعليمي وعمالة مبكرة و تعنيف لفظي وجسدي، يأتي هذا الفيديو ليؤكّد ذلك. حيث ترتفع وتيرة خطاب رسمي وإعلامي تمييزي تجاه السوريين في لبنان الذين تتراكم حولهم معلومات مغلوطة. فيما هناك حوالى 30 ألف طفل لاجئ يعمل في مهن قاسية الأطفال اللاجئين الذين أقحموا في سوق العمل خصوصاً الزراعة. وبعد انتشار الفيديو ألقت القوى الأمنية، بإشارة من مدعي عام البقاع القاضي منيف بركات، القبض على الشاويش وأحالته إلى القضاء المختص.

1:23

Play Video
يرصد هذا التحقيق أبرز التعقيدات التي ترافق دفن اللاجئين السوريين في دول الجوار، بدايةً من تعثّر الحصول على قبر لاستقبال الرفات، مروراً باستحالة إعادة الرفات إلى سوريا، وليس نهايةً بظروف الدفن غير الطبيعية، في غياب أفراد من الأسرة أو بعيداً منهم، أو في مقابر “طوارئ” مشيّدة على وجه الأرض، أو في مقابر على سفوح الجبال أو ضمن أراضٍ طينية.

1:56

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني