fbpx

لا غرف شاغرة في فنادق مصر للفتيات دون الـ40… “ممنوع ممنوع ممنوع”!

ما تواجهه المرأة المصرية في مسألة رفض استقبالها في الفنادق يتخطى مجرد إسقاط الأهلية عن المرأة، إلى وضعها في إطار من اليقين بأن استقلالها بأي فعل عن إرادة رجل وصي عليها، يحولها حتماً إلى "عاهرة".

“كنت آتية برفقة جدتي من الغردقة إلى القاهرة، زرنا سبعة فنادق لنطلب غرفة للمبيت، كان الرد واحداً (ممنوع ممنوع ممنوع)، كانت جدتي مريضة وجئت لمعالجتها في القاهرة، لكن رحلة البحث عن غرفة في فندق فاقمت وعكتها الصحية، حتى وافق آخر فندق طرقنا بابه على استقبالنا، لأنه أشفق على جدتي، وأخبرنا أن الفنادق الأخرى رفضت استقبالنا لأنني تحت الأربعين سنة، وغير مصرح لي باستئجار غرفة داخل فندق بناءً على تعليمات شرطة السياحة أو قسم الشرطة الذي يتبعه الفندق”.

هكذا شرحت هند محمود معاناتها لاستئجار فندق، كونها فتاة مصرية غير متزوجة ودون الأربعين.

القاهرة

يمكننا تخيل أي معاناة تواجهها الشابات، اللواتي قد تفرض عليهن ظروف العمل أو التعلّم أو السفر أو المشكلات العائلية، أو حتى حق الاستجمام، الحاجة إلى استئجار غرفة في فندق. فهذا الأمر البدهي، صعب المنال ولا تقدّمه سوى مؤسسات قليلة مقابل بدل مالي قد لا تستطيع كثيرات دفعه، لا سيما سلفاً.

تروي سارة أسامة معاناتها لـ”درج”، مشيرة إلى أن الفنادق ترفض أيضاً استئجار غرف لفتيات يقمن في البلدة التي يقع فيها الفندق، “صديقتي رفضوا تأجيرها غرفة في فندق في المحافظة التي تسكن فيها كما هو مدون في بطاقتها،  فاضطررنا إلى حجز غرفة لها ببطاقتي واسمي، لأنني مسجلة على محافظة أخرى في البطاقة، كانت حيلة أخيرة ولحسن الحظ لم ينتبهوا إلى الصورة في البطاقة الشخصية”.

دعوى قضائية من أجل غرفة!

في محاولة لمواجهة هذه الظاهرة، تقدم محاميان مصريان بدعوى أمام القضاء الإداري يطالبان فيها بإلغاء “القرار والتعليمات الأمنية والتنبيهات الصادرة من وزارة الداخلية للفنادق والبنسيونات وجميع المنشآت ذات الصلة، وبالأخص فنادق النجمة الواحدة والثلاث نجوم، بعدم السماح للسيدات المصريات أو مواطنات دول مجلس التعاون الخليجي اللواتي تقل أعمارهن عن 40 سنة، بتسجيل الوصول بمفردهن والإقامة دون أزواجهن أو أقاربهن من الذكور”.

هذا الأمر البدهي، صعب المنال ولا تقدّمه سوى مؤسسات قليلة مقابل بدل مالي قد لا تستطيع كثيرات دفعه.

وطالبت الدعوى بالعمل على إلزام المنشآت ذات الصلة بقبول إقامة النساء فيها دون عوائق. وفي حين ننتظر أن تفصل المحكمة الإدارية في هذه الدعوى، علينا أن نفكّر بما يمكن أن يحققه حكم إيجابي فيها، في ظل الواقع الاجتماعي الذي أنتج هذا الوضع (المخالف أصلاً للدستور والقانون).

وزارة الداخلية المصرية نشرت بياناً إثر ذلك تؤكد فيه “عدم وجود تعليمات أو قرارات للفنادق والمنشآت السياحية بعدم السماح للسيدات المصريات أو مواطنات دول مجلس التعاون الخليجى اللواتي تقل أعمارهن عن (40 عاماً) بالإقامة بها دون محرم”.

“الدعارة” كتهمة جاهزة

ربما يكشف تعليق نموذجي لأحد مستخدمي موقع التواصل الاجتماعي “فايسبوك” على خبر الدعوى عن طبيعة الواقع الاجتماعي المحيط بظاهرة رفض الفنادق إقامة النساء بمفردهن فيها. 

صاحب التعليق يقول إنه كان يعمل في أحد الفنادق في إحدى المدن السياحية في مصر، وهو يؤكد أنه أياً كان الحكم الصادر “وبالقانون أو من دون قانون” سيظل “من المستحيل” السماح للنساء بالإقامة بمفردهن في الفنادق، لأن ذلك يؤدي إلى تحولها، بحسب عبارته، إلى “بؤرة”. لا يفصح صاحب التعليق مباشرة عن أي “بؤرة” يتحدث، ولكنه في بقية كلامه لا يدع مجالاً للشك في أنه يعني “بؤرة للأعمال المنافية للآداب”، أو بعبارة أخرى “لممارسة الدعارة”. وهو ما يعني أن الرجل، وهو في ذلك يعبر عن قطاع كبير من العاملين في المجال، وكذلك عن مسؤولي وزارة الداخلية وضباطها، يعتقدون أن أي امرأة في الفئة العمرية المعنية (دون الأربعين)، هي بالضرورة عاهرة، تسعى إلى استغلال إقامتها في فندق بمفردها، بعيداً من رقابة رجال العائلة، إلى اصطياد الزبائن الباحثين عن المتعة (الحرام).

ويؤكد الرجل تصوراته بالقول بأنه لا يعتقد أن “أي أسرة محترمة قد تسمح لبناتها بالسفر وحدهن، وبالمبيت في بلد غريب من دون رجل من العائلة”. فكما هو معروف وجود هذه المساحة من الحرية لأي امرأة بعيداً من أعين الرجال المسؤولين عن “ضبط سلوكها”، سيؤدي بها بالضرورة إلى الانفلات الجنسي.

إسقاط الأهلية عن النساء… إلى متى؟

 ما تواجهه المرأة المصرية في مسألة رفض استقبالها في الفنادق  يتخطى مجرد إسقاط الأهلية عن المرأة، إلى وضعها في إطار من اليقين بأن استقلالها بأي فعل عن إرادة رجل وصي عليها، يحولها حتماً إلى “عاهرة”. فمجرد وجود امرأة بمفردها من دون وصي ذكر على صلة مشروعة بها، يجعلها مستباحة، ويسيء إلى سمعة المكان الذي يستقبلها.

 المنطق نفسه يستخدمه يومياً مئات أصحاب الشقق السكنية الذين يرفضون تأجيرها لامرأة عزباء.

 ولا يقتصر واجب الوصاية على الأب أو الأخ أو بقية ذوي القربى في غيابهما، ولا على الزوج ورجال عائلته، بل يمتد إلى أي رجل تضعه الظروف في موقع يمكنه فيه ممارسة هذه الوصاية، بواب العمارة التي تقطن بها، جارها، وحتى سائق “الميكروباص”، وبالطبع موظف استقبال الفندق وضابط الشرطة في القسم الذي يقع الفندق في نطاق سلطته. ..

رأس المال الاقتصادي يتحكم في حقوق النساء

شعور الاستحقاق الذي يمنحه مفهوم الرجولة السائد، تلجمه القيود الطبقية في معظم الأحيان، والتي تضع النساء من الطبقات الأعلى خارج نطاق ممارسات السلطة الذكورية، أو تؤمن لهنّ حماية أو حقوقاً لا تتمتّع بها الأخريات. فلا قيود على إقامة النساء في فنادق الخمس نجوم وما فوقها، أو في الشقق السكنية الواقعة في مناطق راقية.

في الوقت ذاته لا تنجو النساء المستقلات من السطوة الذكورية التي تلاحقهنّ، فالحماية التي قد يوفرها الرأسمال الاقتصادي، قد يمنعها رأس المال الثقافي الذي ما زال قاصراً عن احترام المرأة ومكانتها وحريتها.

مجرد وجود امرأة بمفردها من دون وصي ذكر على صلة مشروعة بها، يجعلها مستباحة، ويسيء إلى سمعة المكان الذي يستقبلها.

 انهيار قيمة رأس المال الثقافي (المكانة التي يمنحها التعليم) مع تزايد الاعتبار للسلطة الذكورية في المجتمع باعتمادها في العقود الأخيرة على مظاهر التدين التقليدي في ظل ما يسمى بالصحوة الإسلامية، وضع نساء الطبقة المتوسطة المصرية بصفة خاصة في موقف متناقض.

 اضطرت كثيرات إلى الاستقلال بشؤونهن هرباً من العلاقات الزوجية الاستغلالية والمسيئة، وحينها يصطدمن أولاً بعدم اعتراف المجتمع بهن وتصنيفه لهن على أنهن عاهرات لخروجهن من تحت مظلة وصاية الأب أو الزوج، ثم يصطدمن بالعدد اللانهائي من العوائق التي يفرضها المجتمع أمام ممارستهن الاستقلال في السكن والحركة.

الإنصاف القانوني ضروري لكنه غير كاف

لا يمكننا توقع أن تتغير النظرة السائدة إلى النساء، لا سيما المستقلات منهن في المستقبل القريب، ومن ثم فإن اللجوء إلى تعديل القانون يظل الأداة الوحيدة المتاحة للتخلص من بعض مظاهر التمييز ضد النساء؛ ومن ثم رفع بعض المعاناة التي عليهن تحملها عندما يواجهن الحياة اليومية دون حماية/ وصاية الأب أو الزوج، سواء كان ذلك اضطراراً أو اختياراً.

 لن يكفي حكم إيجابي للقضاء الإداري في الدعوى المرفوعة لوقف رفض الفنادق إقامة النساء بمفردهن فيها، في تغيير الواقع العملي بشكل فوري وملحوظ، وسيحتاج الأمر بالضرورة إلى أن تتمسك النساء بحقهن في تنفيذ القانون وأن يحصلن على الدعم والمناصرة، في معركة الحقوق الطويلة.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
إيمان عادل- صحافية مصرية
“نزعت الحجاب وتركت شعري يتنفس، كانت لدي قوة هائلة، لم أشعر بالخوف، لأنني لا أؤذي أحداً”… عدد من رجال القرية ضربوا رانيا وتحرشوا بها لأنها قررت خلع حجابها.
Play Video
بعد أن دُقّ “جرس الانذار” مهدداً بغياب الانترنت، ازدادت مخاوف اللبنانيين من الانقطاع عن العالم الخارجي… فكيف سيبدو المشهد في لبنان بلا انترنت؟

2:08

Play Video
تحظى الرياضة النسائية بـ4% من التغطية الإعلامية المخصصة للرياضة في جميع أنحاء العالم، ما يساهم في تهميش الرياضيات، اللواتي يُنظر إليهن في المقام الأول على أنهن نساء ويُختصرن بمظهرهن أو عمرهن أو حياتهن الشخصية. ما الأسباب الكامنة وراء هذه المعاملة غير المتكافئة الملحوظة؟ وكيف يمكن أن تحرك وسائل الإعلام الخطوط وكيف تروج للرياضة كمحرك للتحرر للرجال والنساء؟

55:50

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني