مصر: 25 دولاراً إضافية لأجور العاملين في الدولة… خطة رشيدة لمحاربة الفقر!

لا تزال السياسات الاقتصادية للحكومة المصرية بعيدة من تحقيق أي قدر من العدالة الاجتماعية التي يتطلع إليها المصريون منذ زمن بعيد.

أعلنت الحكومة المصرية قبل أيام، موافقة مجلس الوزراء على قرار رئيسه برفع الحد الأدنى لأجور الموظفين والعاملين لدى أجهزة الدولة والهيئات العامة الاقتصادية إلى 2400 جنيه (155 دولاراً ) بدلاً من 2000 جنيه شهرياً (130 دولاراً)ـ وتسري قائمة الأجور الجديدة للدرجات الوظيفية المختلفة من الممتازة وحتى السادسة، بداية من تموز/ يوليو المقبل. وكانت الزيادة الأخيرة للحد الأدنى لأجور موظفي الدولة قد أتت قبل عامين، في آذار/ مارس 2019، وأصبحت سارية في تموز من العام نفسه.

رفع الحد الأدنى للأجور هو دائماً أمر إيجابي بخاصة بالنسبة إلى أصحاب المداخيل المتدنية، لكنه في مصر يأتي غالباً غير كاف، نظراً إلى ضآلة الرواتب في الأساس، التي تجبر الكثير من العاملين في الدولة على البحث عن مهمات ووظائف أخرى لزيادة الدخل، حتى صار عمل الزوج أو الزوجة في وظيفتين أو أكثر، أمراً معتاداً. وبذلك تبدو تلك الزيادة الضئيلة التي تعلنها الدولة كل عامين أو أكثر، كمن يسخر من أوضاع الموظفين، أكثر من كونها “إعانة” للقفز  فوق خط الفقر.

الحد الأدنى لأجر العامل في الدولة يكفي بالكاد لدفع إيجار شقة في منطقة متوسطة اجتماعياً، فالراتب لن يغطي المصروفات المعيشية من مأكل ومشرب ودراسة وثياب، وعلى رغم ذلك فقد استقبل الإعلام الرسمي الزيادة الجديدة المقدرة بنحو 25 دولاراً بحفاوة وبروباغندا إعلامية مثيرة للسخرية.

تضاعف مرارة المشهد، مطالب العاملين في القطاع الخاص – الذي يضم أكثر من 70 في المئة من العاملين في مصر اليوم-  بزيادة رواتبهم 25 دولاراً، أسوة بالعاملين في القطاع الحكومي، فقد استطاعت الأنظمة السياسية الحاكمة في مصر على مدار سنوات طويلة إقناع المواطنين بالقبول بأقل سقف ممكن من الزيادات في الراتب، ولا ننسى الضحكة الشهيرة  التي أطلقها الرئيس المخلوع الراحل حسني مبارك في مواسم  التجديد الرئاسي، وهو يرد بأداء “الواهب” على صياح الموظفين بعبارتهم الشهيرة “العلاوة يا ريس” وكأن العلاوة – الزيادة في الراتب- رشوة الرئيس للموظفين الفقراء العاملين “في تراب الميري”.

من يحدد الحد الأدنى للأجور في مصر

المجلس القومي للأجور يفترض به من خلال وجود ممثلين عن أصحاب الأعمال أن يقترح حداً أدنى قومياً للأجور، إلا أن المجلس لم ينجح حتى الآن في التوصل إلى توافق حول هذا الحد الأدنى. ومن ثم لا يزال معظم أصحاب الأجور في مصر محرومين من الحماية التي يوفرها الحد الأدنى للأجور.

الحد الأدنى للأجور هو من أهم الأدوات التي يمكن أن تستخدمها الحكومات لتحقيق قدر من العدالة الاجتماعية من خلال ضمان عدم تعرض العاملين بأجر للاستغلال من قبل أصحاب الأعمال، خاصة في ظل معدلات مرتفعة للبطالة. بالرغم من المعارضة التي يلقاها وضع حد أدنى للأجور من قبل بعد الاقتصاديين الذين يرون أنه قد يتسبب في معدلات بطالة أكبر في صفوف العمال غير الماهرة بصفة خاصة، إلا أن معظم دول العالم اليوم تستخدم نظماً مختلفة لتحديد حد أدنى للأجور، كما أن الدراسات العملية أثبتت أن ذلك لا يرفع معدلات البطالة، في حين أنه قد يكون له أثر إيجابي على الاقتصاد عموماً، بخاصة في مواجهة الكساد الذي يتسبب فيه انخفاض القدرة الشرائية لقطاعات واسعة من المواطنين من أصحاب الدخول المحدودة.

تنتهج دول العالم نظماً مختلفة لتحديد الحد الأدنى للأجور. في بعض الأحيان تنفرد الحكومة بفرض الحد الأدنى وتلزم به الكيانات الاقتصادية في القطاع الخاص، بينما تعتمد دول عدة على معادلة لاحتساب الحد الأدنى للأجور وفق مؤشرات اقتصادية سنوية، وفي حالات أخرى تعتمد الدول على إنشاء جهة مستقلة تضم ممثلين عن الحكومة وعن أصحاب الأعمال والاتحادات العمالية، تقرر الحد الأدنى للأجور أو تقدم توصيات ملزمة أو استشارية للحكومة. في مصر، تعتبر الحكومة أو السلطة التنفيذية الجهة صاحبة القرار في وضع الحد الأدنى للأجور، فالمجلس القومي للأجور، ليس جهة مستقلة بل جهة حكومية مشكلة بقرار من رئيس الوزراء ويرأسها وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية.

الحد الأدنى للأجور في مصر يفتقد للتوازن العادل

في توصياتها الخاصة بوضع الحد الأدنى للأجور، تقول “منظمة العمل الدولية” إن من الضروري استخدام مقاربة “متوازنة وقائمة على الأدلة” لوضع حد أدنى للأجور يحقق التوازن المطلوب بين احتياجات العمال وعائلاتهم من جانب، وبين إمكانات نمو الكيانات الاقتصادية واستمرارها في تحقيق الأرباح. المقصود بالمقاربة القائمة على الأدلة هنا، هو استخدام مؤشرات إحصائية موثقة، لكل من معدلات الأجور الحالية وتوزيعها، سواء بين القطاعات الاقتصادية المختلفة، ومدى اتساع الفجوة بين الحد الأدنى الفعلي للأجور والحدود العليا لها. وتشمل المؤشرات الإحصائية الضرورية بالطبع، متوسط أسعار السلع والخدمات الضرورية، وتفاوتها جغرافياً.

رفع الحد الأدنى للأجور هو دائماً أمر إيجابي بخاصة بالنسبة إلى أصحاب المداخيل المتدنية، لكنه في مصر يأتي غالباً غير كاف، نظراً إلى ضآلة الرواتب في الأساس.

أحد سبل اقتراح حد أدنى مناسب للأجور هو اعتماد سلة سلع وخدمات ثابتة تمثل الضروريات الأساسية لمعيشة أسرة من أربعة أفراد، وحساب الحد الأدنى بحيث يغطي هذه السلة بمتوسط أسعار السوق لها. وقد استخدم حقوقيون في مصر هذه المقاربة لطرح حد أدنى للأجور كان قدره 1200 جنيه عام 2010، ونجح المحامي الحقوقي خالد علي حينها في الحصول على حكم من القضاء الإداري المصري بإلزام الحكومة المصرية بفرض حد أدنى للأجور.

لم تقدم الحكومة المصرية أي إيضاحات حول الطريقة التي تم بها احتساب الحد الأدنى للأجور، أو معدل رفعه سواء هذا العام أو قبل عامين، وفي الواقع يبدو واضحاً أن المؤشر الأساسي الوحيد الذي يعتمد عليه حساب الحد الأدنى هو أثره على الموازنة العامة للدولة، أو بعبارة أوضح مدى ما يمكن أن تتحمله هذه الموازنة من أعباء إضافية. ففي تصريحات وزير المالية حول رفع الحد الأدنى للأجور كان الرقم الرئيسي الذي أشار إليه هو توفير 37 مليار جنيه لتغطية الأعباء الإضافية للزيادة الأخيرة. وفي المقابل، يمكن بسهولة إدراك أن الحد الأدنى بعد رفعه ليصل إلى 2400 جنيه شهرياً، لا يزال بعيداً من تغطية الاحتياجات الأساسية لأسرة نموذجية من أربعة أفراد في ظل معدلات التضخم الحالية في مصر.

الزيادة الجديدة ستستردها الدولة مجدداً في شكل ضرائب

تطبيق الحد الأدنى للأجور بحيث يشمل كامل ما يحصل عليه العامل، بما في ذلك أي مكافآت أو حوافز أو علاوات، وكذلك النسبة التي تتحملها جهة العمل من التأمينات الاجتماعية، يعني أن الزيادة من 2000 إلى 2400 جنيه والتي يفترض أن تكون 400 جنيه لن تصل إلى أي من المستفيدين نظرياً بها. 

من المهم أيضاً ملاحظة أن رفع الحد الأدنى إلى 2400 جنيه شهريا أي 28800 جنيه سنوياً، يؤدي إلى تجاوز أصحاب الأجور الدنيا لحد الإعفاء الضريبي على ضريبة الدخل، البالغ 24 ألف جنيه. وبالتالي سيقتطع من هؤلاء قدراً من الزيادة التي حصلوا عليها في صورة ضريبة. ومن ثم فالزيادة الفعلية التي ستصل إلى جيوب العاملين المستفيدين يمكن في معظم الأحيان ألا تكون شيئاً يذكر، ولا يمكن تصور أن تؤدي إلى تغيير ملحوظ في نمط الإنفاق يؤثر في معدلات الكساد في الأسواق، في حين أن إجمالي السيولة النقدية التي ستضخ لتغطية رفع الحد الأدنى للأجور، قد تؤثر في معدلات التضخم.

الوباء ضاعف الفقر 

المثير للاهتمام أن تصريحات مسؤولين وأصحاب أعمال قد أشارت إلى أن وباء “كورونا” وأثره على معدلات نمو الاقتصاد وقدرة الكيانات الاقتصادية المختلفة على الاستمرار في العمل، كان سبباً في تعطل الوصول إلى اتفاق حول الحد الأدنى للأجور للعاملين بالقطاع الخاص.

في المقابل، لم يشر أي من هؤلاء إلى أثر الوباء على العاملين بأجر. في الوقت الذي توقفت فيه كيانات اقتصادية عدة عن العمل ومن ثم قامت بتسريح عمالها، وخفضت أخرى من العمالة بها إلى النصف، بينما لجأت فئة ثالثة إلى تخفيض أجور العاملين بها.

أدى الوباء إلى رفع معدلات البطالة، ومن ثم إلى خفض القيمة السوقية للعمل، في الوقت الذي أضاف أعباءً على أرباب الأسر لتوفير متطلبات مواجهة خطر العدوى.

على جانب آخر، فإن الفئات الأكثر تضرراً من إجراءات الحظر وتقليص ساعات العمل، من صغار تجار التجزئة والباعة الجائلين الذين يقدمون خدماتهم بالأساس لأصحاب المداخيل المنخفضة وبالتالي يستفيدون بشكل غير مباشر من رفع الحد الأدنى للأجور، لن تصل إليهم الزيادة المرجوة نتيجة ضآلة الأثر الفعلي للزيادة الأخيرة على معدلات الإنقاق كما أوضحنا سابقاً.

لا تزال السياسات الاقتصادية للحكومة المصرية بعيدة من تحقيق أي قدر من العدالة الاجتماعية التي يتطلع إليها المصريون منذ زمن بعيد. 

لا يزال من الواضح أن انحياز هذه السياسات يميل إلى جانب أصحاب الأعمال، الذين يحصلون على أكثر من 70 في المئة من إجمالي الدخل الناتج عن العمل، بينما يسددون أقل من 30 في المئة من الضرائب، ولا تحاول الحكومة الضغط عليهم حتى لوضع حد أدنى مناسب لأجور العاملين بمنشآتهم.

في الوقت نفسه، فإن إجراءات مثل رفع الحد الأدنى للأجور، للعاملين بالدولة، بمعدل ضئيل على فترات متفاوتة دون تأسيس ذلك على أي حساب لتكاليف المعيشة الفعلية أو معدلات التضخم يفرغ هذه الإجراءات من جدواها العملية ومن أي أثر يرجى منها على الاقتصاد بصفة عامة. وفي الوقت الذي يحرص فيه المسؤولون على الترويج لخبر رفع الحد الأدنى للأجور وإثارة قدر كبير من الضجة حوله باعتباره إنجازاً هاماً، فإن الواقع العملي يثبت أن هذه الإجراءات ككثير من الإجراءات الحكومية الأخرى لا تعدو أن تكون جعجعة بلا طحن.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
ميزر كمال- صحافي عراقي
بمعدل 22 حادثاً مرورياً في اليوم الواحد، و6 قتلى، تتفوق حوادث السير على معدلات العنف الناتجة من العمليات الإرهابية في العراق.
Play Video
باستخدام أدوات تكنولوجية مختلفة، كالقصص التفاعلية وتقارير 360 درجة ومقاطع فيديو ورسوم متحركة، استطاعت منصة Tiny Hand تغطية المعاناة والأثر الذي تتركه الحرب على الأطفال وايصالهما الى العالم.

4:41

Play Video
الكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية والناشطة اللبنانية غوى أبي حيدر والناشط السياسي الكويري ضومط قزي الدريبي ضيفا هذه الحلقة من بودكاست “نون” للحديث عن المثلية الجنسية وتصاعد الحملات المعادية لها في الآونة الاخيرة. المحزن ان ملاحقة العلم او الراية بات يشبه حملات مطاردة الساحرات في منطقتنا. تكثر الاخبار من حولنا عن سحب رواية، منع فيلم، مطاردة شعار، ومصادرة ألعاب أطفال لأنها تحمل ألوان قوس قزح، فضلا عن خطابات التحريض والكراهية والملاحقات القانونية والوصم الاجتماعي، وهو ما تكرر في أكثر من دولة بذرائع أخلاقية ودينية. غوى أبي حيدر وهي ناشطة وكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية. كتبت سلسلة مقالات عن انتحار الناشطة المصرية سارة حجازي قبل عامين بعد ان سجنت بسبب رفعها علم قوس قزح/ شعار مجتمع الميم وتم اضطهادها ونفيها بسببه الى ان انتحرت. اما الناشط السياسي ضومط قزي الدريبي، فقد شارك في كثير من نشاطات الحراك الاعتراضي السياسي في لبنان في السنوات الاخيرة، لكنه واجه حملات ضده مستغلين هويته الجنسية.

51:48

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني