fbpx

أعطني الناي وغنِّ فالهواء سرّ الوجود

أسباب البطء في مسيرة تطوير هذه الآلات لا تعود إلى ما يشوب عمليات الإنتاج الموسيقية في العالم العربي من عثرات وكبوات وحسب، بل وتذهب الأسباب في هذا الشأن الى جانب اجتماعي/ ثقافي لا يغيب البعد السياسي عنه.

النايُ هو في الأصل قصبةٌ نباتية مُجوّفة، بدايتها ونهايتها مفتوحتان على الهواء. مبتدأٌ ينطلق هواؤه من الرئتين مضغوطاً عبر الشفتين ليَخْرُج خبراً، عن أحوال الذات ومشاعرها.

قُصةُ آلة النايِ كما معظم الآلات الموسيقية عموماً في انطلاقها من الطبيعة. وتحديداً من عنصرين مهمين هما الهواء والنبات. فسحر الصوت الصادر عن احتكاك الريح بالاشجار ونبات القصب هو ما حفز الانسان البدائي على محاولة تقليده عبر ضمِّ الشفتين والنفخ ليَخْرُج صفيراً. والصفير ابتُكِر قديماً كلُغةٍ في التعبير الفني ومُحاكاةً للكلام والتواصل بين البشر.

كل أغاني الشعوب وألحانها هي الوليد الطبيعي الناتج عن هذه العلاقة الحميمة بين الإنسان والنبات. لذا فالموسيقى تَدينُ بالكثير للطبيعة الأم. خشب الأشجار ونبات القصب شكَّلا الى يومنا هذا، مساراً حيوياً لتاريخ تطور الآلات الموسيقية على مدى التاريخ . وإذا استثنينا الآلات النحاسية، كنتيجة للثورة الصناعية، فسنلاحظ أن مُعظم الآلآت الموسيقية مصنوعة من الخشب، وإنْ دخل على بعضها شيء من المعدن.

معظم الشعوب القديمة في مختلف بقاع الأرض ابتكرت نايها الخاص. بعض هذه النايات انقرض من الوجود لأسباب موسيقية وانثروپولوجية، والبعض الآخر عاش طويلاً الى يومنا هذا، ثابت في الوجود لا يتغير، فتخطاه الزمن ليُمْسي آلة فولكلورية متْحفيّة. أما القليل منها فخضع لقُرون من الزمن الى تحولات وتبدلات في الشكل والحجم والمضمون ما أدى الى تطور كبير في قدراته التصويتية وإمكاناته التعبيرية.

إقرأوا أيضاً:

 ساهمت في هذه التحولات والتبدلات مجموعة من العوامل أهمها: طفرة الثورة الصناعية والعلمية في أوروبا، وايضاً تطور أشكال التأليف الموسيقي، ما أملى حاجة مُلِحّة عند المؤلفين الموسيقيين لابتكار أصوات موسيقية جديدة تُفضي بهم الى لغة فنية حديثة ومعاصرة للزمن الذي عاشوا فيه. وهي ما أصبحت عليه فعلياً آلات مثل الفلوت والكلارينت والأوبوا والباصون التي تُشكّل في الأوركسترا السيمفونية مجموعة الآت الهوائية/ الخشبية.  

أما نايُ القصب، وهو من أقدم الآلات الموسيقية التقليدية على الإطلاق، فوُجدت عند الكثير من  الأعراق والشعوب، وخصوصاً عند شعوب البحر الأبيض المتوسط وآسيا الوسطى والأناضول. فما زال الى يومنا هذا يشهد التراث الموسيقي لهذه الشعوب على قصة العلاقة في شكلها الأولي والبدائيّ، والتي نشأت بين الإنسان في بداية تشكل وعيه الفني وبين نبات القصب الذي يحلو له النمو في تربة ملاصقة لمصبّات الأنهر في البحر حيث تختلط حلاوة المياه بملوحتها.

إلّا أنّ بدائية ناي القصب والممتدة منذ القِدم، وصولاً إلى حاضرنا الحديث، من حيث تشكّل مواده الخام وطرائق صناعته اثّرت وتؤثر في قدراته التقنية والتصويتية معاً، بحيث أنها تُثير إشكاليات عدة في مجال تقنيات العزف عليه، وفي إمكان التأليف المعاصر له. فعلى رغم قدرة الناي على الصمود كآلة تقليدية لها شخصيتها الموسيقية الفريدة في التخت الشرقي، إلا انّ استعصاء الناي على التطور والتحول عبر التاريخ وَضَعه في الحاضر وسيضعه أكثر في المستقبل أمام تحديات الاختفاء كآلة أساسية من آلات الموسيقى التقليدية، حاله كحال بعض اللغات الميْتة، ليُصنّف لاحقاً ضمن لائحة الآلات الفولكلورية النادرة التي يُحتفى بها في المناسبات التقليدية أو في أفضل الحالات سينعزل الناي وحيداً ليتم التعامل معه كآلة ثانوية تُستخدم لأغراض الإيحاء الاكزوتيكي أو التأثير اللوني الحزين وبكائيّ النبرة.               

آلاتٌ تقليدية اُخرى كالعود والقانون خضعت بدءاً من النصف الثاني للقرن الماضي لتغيّرات نسبية في بنيتها من حيث نوع الخشب المستعمل لصُنع صندوق التصويت وقياساته، كما من حيث نوعية الأوتار المستعملة في العزف وعددها، ما اضاف للآلة قدرة اكبر على الرنين واتساع مساحتها الصوتية، وأدّى الى تحقق قفزات مهمة في مجالي العزف والتأليف لهاتين الآلتين. هذه التغيرات والقفزات حصلت بشكل سريع وحاسم في بلدان آسيا الوسطى مثل تركيا وأرمينيا وآذربيجان، أما في بلدان الشرق العربي فكان سريان هذه التعديلات بطيئاً وأحياناً غير مُستساغ.

أسباب البطء في مسيرة تطوير هذه الآلات لا تعود إلى ما يشوب عمليات الإنتاج الموسيقية في العالم العربي من عثرات وكبوات وحسب، بدءاً من تحديث صناعة آلات الموسيقية التقليدية مروراً بعملية تنشئة العازف الموسيقي انتهاء باتجاهات التأليف والتلحين. بل وتذهب الأسباب في هذا الشأن الى جانب اجتماعي/ ثقافي لا يغيب البعد السياسي عنه. فالمقاربة الخاطئة في موضوع شائك ومعقّد كالانتماء والهوية في الثقافة، والخوف الدائم من فكرة الاختلاط والذوبان في الثقافات الاُخرى، أدّيا في نهاية الأمر إلى نشوء نزعة مُتقوْقِعة غير صحية، تأبى الانفتاح على تجارب الموسيقى الغربية كونها تُعبّر عن ثقافة المُستعمِر.

هذه النزعة روّجت لأفكارٍ مُصطنعة مثل “الأصالة” في الثراث الموسيقيّ وأفْتت بعدم جواز التفاعل ولو تماساً بسيطاً بين “أصالة” التراث الموسيقي من جهة، وبين التجارب الغنية للموسيقى الغربية والنزعات التجديدية الدائمة الإقامة فيها.                                 

أمّا الناي فقد ظل على حاله منذ نشأته الأولى إلى يومنا هذا من دون ان يطرأ على شكله او أحوال صناعته أي تغيير حقيقي. وعلى رغم أن بعض صناع النايّ الذين هم عازفو ناي ايضاً، قد أجروا عليه بعض التحسينات إلا أنها كانت جانبية الموْضع بحيث لا تمس جوهر المشكلة. ومشكلة الناي تتلخص في الآتي من الأسباب:

أولاً: إن ثقوب ناي القصب ومسافاته مُعَدّة لتعزف بسهولة المقامات الأساسية في الموسيقى العربية، أمّا تفرعات بعض هذه المقامات وغيرها من سلالم الموسيقات العالمية فدونها صعوبات وتعقيدات تقنية جمة، خصوصاً السلم الموسيقي المُلَوَّن أو الكروماتيكي.

ثانياً: ضيق المساحة الصوتية للناي يُقلِّص من قدرته على الحركة والمناورة السريعة في التنقل بين المقامات والسلالم الموسيقية على انواعها. لذا يستعين العازف في أكثر الأحيان بسبع قصبات تكون دائماً إلى جانبه للاستبدال، إذا اقتضت الحاجة. هذا الأمر يدفع بالمؤلف إلى الإحجام عن إسناد أدوار أساسية وقد تكون صعبة لآلة الناي تقنياً، إذْ تتطلب سرعة في التلوين المقامي والتعبير الدرامي.

ثالثاً: على رغم أن للنايّ صوتاً شجياً، إلا انه يتسم بالضعف من حيث قوته الترددية. لذا فوجود عازف واحد في فرقة موسيقية متوسطة الحجم هو غير كاف على الإطلاق لابراز صوته. وفي الوقت نفسه، أنْ يلعب عازفان في أوركسترا على آلتي ناي جنباً الى جنب سيشكل مشكلة جديدة ناتجة عن اختلاف في الدوزان بينهما، تبعاً لكون كل قصبة ناي لها دوزانها المختلف عن الاُخرى، كما أن لكل عازف ناي طريقة خاصة لضغط الهواء بين شفتيه.

رابعاً: ندرة في وجود كتب منهجية تعليمية تتضمن تمرينات عزفية متطورة وتؤسس لمدرسة عزفية رائدة ولطريقة في النفخ الصحيح، ما يؤهِّل مجموعة محددة من عازفي الناي لامتلاك قدرة العزف معاً، بشكل مُتَّسِق ودقيق تُراعى فيه صحة الدوزان. 

خامساً: على رغم أن تعلُّم العزف على الناي منتشر عبر الانترنت وتحديداً في منصة “يوتيوب”، وهو ما قد يُعطي انطباعاً بأن هناك كُثراً يعزفون عليه، ولكن الواقع يؤكد أن هناك قِلة من العازفين مُتمكِّنة أكاديمياً في العزف والأداء. 

سادساً: الطرائق البدائية المستخدمة في صناعة الناي التي لا تسمح بإنتاج نايات تتمتع بدوزان ثابت. عدا إحجام صُنّاع النايّ، ومنهم عازفون مهرة، عن وضع حلول عملية مبتكرة للدفع بهذه الآلة من حدودها البدائية، إلى مجالات أرحب وأقدر على الاستجابة لمتطلبات التأليف المعاصرة. بالطبع هناك صُنّاع قد أضافوا مفتاحاً معدنياً وحيداً لتحسين نوعية الصوت إلى الأصوات الحادة للناي، فيما عمد  آخرون كانوا إلى استخدام البلاستيك الصلب كمادة مطواعة ومتوفرة كبديل عن نبات القصب الذي بدأ يشُحُّ في منابته الأصلية، لأسباب التمدد العمراني ونتائجه المُضرّة بالبيئة الطبيعية، إلا ان المشكلات الأساسية في قدرات الناي لم تُحل عبر هذه التحسينات الطفيفة.

قد يكون من المفيد بمكان لصُناع الناي بالتعاون مع عازفيه المهَرة، التأمل في المخاضات الطويلة التي شهدتها آلة “الفلوت” الغربية، والتحولات التي خضعت لها، وما زالت جارية الى يومنا هذا، لتكون على ما هي عليه من جمال وقدرة تعبيرية فائقتين. فمن خلال دراسة تطور هذه الآلة (الفلوت الترافرسييَر) وغيرها من الآلات الهوائية الغربية، لربما يأتي بشيء مفيد للاستلهام والاستفادة في سبيل تطوير صناعة الناي، وابتكار الحلول العملية لمشكلاته المُزمنة، بهدف انتشاله من عزلته البدائية والمتْحَفيّة، وإنقاذه من نمطية وحيدة، كئيبة وبُكائية، تسيطر على أسلوب العازفين عليه.

الناي هذه الآلة الجميلة الغنّاء تختنق في بدائيتها. وفي اعتقادي أن الهواء هو كل ما يلزمها لتخلع ثوب الحزن ونبرة الأنين عنها إلى الأبد. الهواء المُرتجى إنما هو هواء التطور والتحول الذي به يُكْتَنَهُ سرُّ الوجود.        

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
عمر الخطيب – عبد الله سكر
“لم تكن ثمة وسيلة لإيقاف التسرب… لقد سمحوا للفيول بالوصول إلى البحر بدلاً من إغراق المحطة”… مثل هذه الحوادث تعرضت لها دول عدة وكانت شفافة في التصريح عن السبب والكميات المتسربة ومعالجة الآثار، ولكن السلطات السورية أصرت على الإنكار بل لجأت إلى مروياتها عن المؤامرات والمكائد.
Play Video

2:46

Play Video

2:12

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني