احتشام ومنع اختلاط : كيف نجح المتدينون في فرض التمييز ضد المجندات الاسرائيليات

يوليو 19, 2018
من الحظر المفروض على ارتداء النساء القمصان البيض، الى فرض ارتداء حمالات الصدر حتى خلال النوم وارتداء جوارب طويلة تحت السروال القصير، يتم فرض قواعد الاحتشام وترسيخها الجيش الاسرائيلي بدفع من المتدينيين اليهود.

خدمت (أ) كضابطة مخابرات ميدانية اسرائيلية في مجموعة قتال مختلطة من الجنسين، جنباً إلى جنب مع مجموعة “هيسدر”، وهي مجموعة تتألف من رجال الدين اليهود الذين يجمعون بين الخدمة العسكرية ودراسة التوراة. حصل الجنود المتدينون على منطقة تدخين خاصة بهم، منفصلة عن المنطقة العامة بستار من الخشب المفرغ. لكن هذا لم يكن كافياً.

فقد اشتكى الضباط المتدينون من أن المنطقتين متجاورتان، فمنع الرقيب الرئيس النساء من استخدام المنطقة العامة للتدخين. وقال إنه بدلاً من ذلك سيتعين عليهن التدخين في مكان آخر.

أوضح الرقيب في رسالة WhatsApp أرسلت إلى المجندات، “هذا يزعج رجال يشيفا. هذا القرار ليس ممتعاً بالنسبة إلي أيضاً، ولكن ليس لدي خيار آخر”.

أشارت (أ) لـ”شبكة نساء إسرائيل”، إلى أنه “ليس من الواضح على وجه التحديد ما هي مشكلتهم. هل يمكنهم رؤيتنا من خلال الثقوب؟ هل يسمعون أصواتنا عندما نتحدث؟”.

بعد تقديم الشكاوى إلى قائد المجموعة، تم إلغاء القرار، لكن الفصل استمر في الفصول الدراسية الخاصة بالدورات التدريبية للمجموعة.

قالت (أ)، “لقد اشتكى الجنود المتدينون كثيراً من “الاختلاط”، على رغم أنه كان يحدث فقط أثناء الجلوس في الفصل الدراسي، وليس أثناء التدريب البدني، كما يمنع أن يبقى الرجل والمرأة وحدهما معاً. لقد نجحوا في الفصل بين الرجال والنساء في فصول الدراسة.”

قصة (أ) هي واحدة من قصص كثيرة تم جمعها في تقرير نشرته “شبكة نساء إسرائيل”، عن نظام الخدمة المختلط في الجيش وكيف يؤثر في مكان المرأة في الجيش، كتبته إليانور دافيدوف، مديرة مشروع يناهض تهميش النساء.

وبصرف النظر عن شكاوى المجندات من التهميش، يبين التقرير أن الاحتشام يفرض عليهن فرضاً. تحت ذريعة تكييف الخدمة المختلطة بين الجنسين لاحتياجات الجنود المتدينين، فإن كلمة “الاحتشام” تذكّر النساء دائماً بأنهن “الآخر”، أو موضع الخلل في الصورة.

من الحظر المفروض على ارتداء النساء القمصان البيض في قاعدة تدريب شيزافون في الجنوب، والتي ذكرتها إذاعة الجيش، إلى الأمر بارتداء جوارب طويلة تحت السروال القصير، يتم فرض قواعد الاحتشام وترسيخها في جميع أقسام الجيش.

هذا ليس لأن الجنود المتدينين يطالبون به وحسب، ولكن أيضاً بسبب القادة العلمانيين. فهم يتفهمون دوافع المتدينين، ويعتقدون أنهم يراعون مشاعر رفاقهم، أو ببساطة لديهم مواقف متحيزة نحو “الإغراء النسائي” الذي “يتربص” بهم دائماً في كل مكان.

ومثل “مسيرات الاحتشام” في المدارس الابتدائية، حيث يتم فحص أطوال سراويل البنات فقط، تكون أعين الذكور في الجيش الإسرائيلي مفتوحة دائماً. كل امرأة تمثل “خطراً محتملاً على الاحتشام”، كما قال يوفي تيروش، وهو ناشط بارز مناهض لتهميش النساء.

من الأفضل عدم حضور التدريب

يمنح نظام الخدمة المشتركة لكل جندي من الذكور الحق في طلب الخدمة في وحدة غير مختلطة إذا كان عرضة للاتصال الجسدي مع النساء، أو الانفراد بامرأة، أو نشاط يؤدى في ملابس كاشفة. هذا النظام، إضافة إلى قواعد الحشمة، له آثار مهمة في خدمة المرأة.

تقول (ل)، التي عملت كمدربة بدنية في وحدة قتالية، “كان من المفترض أن أقود جميع تمارين القوة، لكنني أدركت ببطء أن وجودي لم يكن مرغوباً فيه هناك، وأنهم في الواقع لم يكونوا في حاجة إلي لأن القادة فضلوا قيادة التدريبات بأنفسهم”. السبب كان رغبتهم في تجنب الاعتراضات المتوقعة من قبل الجنود المتدينين.

وتوضح في تصريح لصحيفة “هآرتس”: “من الناحية العملية، لم أكن أقوم بعملي، بل بالهراء، مثل الحراسة والخدمة في المطبخ. إنه أمر غير معقول. في اللحظة التي ترى فيها جنوداً متدينين، يتم ردعك. أخبرونا ذات مرة أن نرتدي السراويل فوق ثيابنا إذا كان هناك الكثير من الرجال المتدينين في الوحدة، لكن القليل من النساء يفعلن ذلك. إنهن ببساطة لا يحضرن التمرين”.

حالة (ل) هي مثال جيد على مبدأ التجنب، والذي يخلق منطقة رمادية من التهميش. في كثير من الأحيان، وبدلاً من الرغبة في التفكير في مراعاة مشاعر الجنود المتدينين وتجنب الصراعات، يفضل الضباط الاستغناء عن النساء أو تقليص وظائفهم.

تعتبر المجندات، ومبدأ المساواة، عبئاً، ويفضل الضباط تجنب اتخاذ قرار، وهذا قرار بحد ذاته. على سبيل المثال، قال أحد مساعدي قائد مجموعة من المجندين الجدد إن نائب رقيب المجموعة، وهو شخص من الجناح الأرثوذكسي المتطرف في المجتمع الديني، “رفض التحدث مع موظفة المجموعة، أو النظر إليها أو العمل معها.”

على حد تعبيره، “جميع كبار موظفي المجموعة يعرفون هذه القصة، وهنا يأتي السؤال التقليدي حول الأغلبية الصامتة. الجميع يقول أن هذا الوضع ليس طبيعياً، لكن لا أحد يفعل شيئاً.”

أخبرهم نائب رقيب المجموعة بأن الجندي قال “أنا أتفق معه بأن لا يتواصل مع النساء”. إذا احتاج إلى شيء من كاتبة المجموعة، فإنه يطلب من شخص آخر التحدث معها.

إنه أمر مهين للغاية.

وأشارت إحدى الجنديات إلى أنه “طوال مدة التدريب الأساسية، أجبروني وصديقاتي على ارتداء حمالة الصدر تحت ملابسنا الرسمية”، حتى خلال ساعات الليل حين يستحم الجنود ويستعدون للنوم.

في حالات أخرى، يتدخل الضباط بصورة أكثر وضوحاً، ويبدو أن الروح في الكثير من وحدات الجيش الإسرائيلي هي أنه كلما زادت درجة الصرامة، كلما كان ذلك أكثر احتراماً. على سبيل المثال، في حين يسمح قانون اللباس في الجيش بسراويل قصيرة حتى الركبة أثناء التدريب البدني، غالباً ما يكون لدى الضباط في الميدان تفسير مختلف.

وصفت جندية كانت تعمل في قاعدة استخباراتية في الجنوب رسالة أرسلت إلى مجموعة الـ WhatsApp الخاصة بصالة الألعاب الرياضية في القاعدة. قالت الرسالة إن المجندات اللاتي يرغبن في ممارسة التمارين الرياضية في صالة الألعاب الرياضية أو في أي مكان في القاعدة لا بد أن يرتدين جوارب طويلة تحت السراويل القصيرة (أو سروال واسع لا يقل طوله عن الركبة).

وكما تقول الرسالة، “ترجى ملاحظة أن جميع القادة في المنطقة سيطبقون هذا الأمر، وستتم محاكمة منتهكي الأمر أمام محكمة عسكرية. يؤدي عدم تنفيذ هذا الأمر مباشرة إلى إلحاق الضرر بالكثير من المجموعات في هذا المكان. إجازة سعيدة”.

وقالت المجندة إنّه في بعض الحالات لم يكن يُسمح للمجندات بالركض إذا لم يرتدن سراويل قصيرة فوق السراويل الضيقة. ناقشت جندية أخرى الحظر على القمصان البيض، التي نشأت من المخاوف من أنها قد تكون شفافة. وقالت إن هذا الحظر لم يُطبق إلا ضد النساء.

وأضافت، “أنا لا أتحدث عن “التيشيرت” من دون أكمام، ولكن حتى عن الكنزات أو البلوزات. في جميع الأوقات، يمنعوننا من ارتداء ملابس بيض أو فاتحة اللون”.

خلع حمالة الصدر في السرير

تم منع المجندات الجديدات في القاعدة 80 أيضاً من ارتداء قمصان بيض في أثناء أداء التمارين الرياضية، على أساس أنها “شفافة وغير محتشمة”، كما قالت والدة إحدى المجندات. كما تم حظر السروال القصير، على حد قولها، على أساس أنه يتسبب في “إثارة الجنود الذكور في القاعدة  وهذا كله خطأك”.

تم توبيخ المجندات من قبل أحد ضباطهن “بسبب التجول مرتديات بلوزات من دون أكمام ثم تشكين من أن الجنود يتحرشون بكن”.

وقالت مجندات أخريات إنهن أُرسلن لتغيير ملابسهن “حتى عندما كنت أرتدي ملابس مدنية، أي سروال بطول الركبة، بينما كان الأولاد يتجولون مرتدين سراويل أقصر”.

وأشارت إحدى الجنديات إلى أنه “طوال مدة التدريب الأساسية، أجبروني وصديقاتي على ارتداء حمالة الصدر تحت ملابسنا الرسمية”، حتى خلال ساعات الليل حين يستحم الجنود ويستعدون للنوم.

قالت: “هناك دقيقتان بين التفتيش في نهاية ساعة ما قبل النوم وإطفاء الأنوار. إذا حاولنا إزالة حمالات الصدر حتى في ذلك الوقت، فقد يكتشف الأمر ونتلقى تحذيراً”، والذي قد يؤدي إلى عقوبة. كان الخيار”القانوني” الوحيد هو خلع حمالة الصدر في السرير بعد إطفاء الأنوار”.

في حالة أخرى، تم تنفيذ القواعد الصارمة حتى آخر لحظة قبل انتهاء الخدمة.

أنهت ابنة (د) خدمتها العسكرية منذ نحو عام. وقالت الأم، “لقد وصلت إلى مركز التدريب في ثوب عادي بحزام كتف عريض وطول محترم تماماً ولم تكن الحمالة أو أي شيء آخر خارج المألوف”.

وفي إحدى المراحل، هدد أحد الضباط بوقف عملية التخريج بسبب “الملابس غير اللائقة”، وحذر من أنه إذا رأى الرقيب المسؤول المجندة هكذا، فستمثل أمام محكمة عسكرية. في النهاية، وافق الضابط على مواصلة العملية. وتشمل المحظورات الأخرى معانقة الصديقات أو تعليق صور “غير محتشمة” بجوار سريرك.

قالت إحدى المجندات التي طلب منها الرقيب إزالة صور تظهر فيها مرتدية بلوزة من دون أكمام وذات فتحة رقبة واسعة، “الصور في غرفتي، في مكان خاص، لا ينبغي أن تزعج أحداً، ولا يسمح للرجال بدخول مساكن المجندات. أنا لا أتجول في القاعدة بهذه الملابس، ولم يتم التقاط الصور في القاعدة ولكن عندما كنت في الخارج مع الأصدقاء.”

وقالت المديرة العامة لشبكة نساء إسرائيل، ميشال غيرا مارغاليو، “إن عشرات الشهادات التي وصلت إلينا عبر الخط الساخن للجنديات في العام والنصف العام الماضي تشهد على ما عرفناه منذ وقت طويل. فالقادة في الميدان يفرضون قواعد الحشمة الغريبة على المجندات، ويمنعونهن من أداء وظائفهن”.

يتألف رد الجيش الإسرائيلي المعتاد على مثل هذه الشكاوى من ثلاثة أجزاء. الأول، “هذه مجموعة انتقائية من الحالات” أو “أمثلة استثنائية”. الثاني، “الأوامر واضحة ويتم فرضها بالتساوي على الرجال والنساء”. والثالث، “الصورة العامة إيجابية.”

وفقاً لمصدر رفيع المستوى في الجيش الإسرائيلي، “يشدد نظام الخدمة المشتركة على خدمة الرجال والنساء من جميع أنحاء البلاد. تنص قواعد النظام أيضاً على أنه يجب أن يتم تنفيذه كما هو مكتوب، من دون أي تشديد أو تساهل. نتلقى بضع عشرات من الشكاوى سنوياً، ويتم التعامل معها مع القادة الميدانيين. يتم فحص كل شكوى”.

وأضاف، “لا يوجد حظر على ارتداء القمصان البيض وليس هناك أي التزام بارتداء البناطيل الواسعة بدل السراويل الضيقة. ينطبق قانون اللباس ذاته على النساء والرجال. إذا كانت هناك تعليمات أخرى، فهي استثناءات”.

كما رفض الادعاء بشأن “مطالب أكثر صرامة من أجل الاحتشام” وقال إن الجيش الإسرائيلي ما زال ملتزماً بخدمة ذات مغزى للنساء والرجال.

يقول الجيش الإسرائيلي إن تشجيع الضابطات وفتح مراكز جديدة للنساء هو الحل لمطالب الفصل بين الجنسين والاحتشام.

هذا المقال مترجم عن موقع صحيفة Haaretz ولقراءة المقال الاصلي زوروا الرابط التالي

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

إقرأ أيضاً

ميريام سويدان – صحافية لبنانية
لقيت الطفلة حتفها بطريقة بشعة بعد أيام من عودتها إلى المنزل، إذ نحرها أبوها وهي نائمة، مستخدماً المنجل.
ريد مطر – صحافية مصرية
فيديو منة عبد العزيز صفع سذاجتنا وألصق أنوفنا في مشهد شديد العفونة، مشهد يقول للمرأة إن انسحبتِ من المجال العام سيتم جلبك من الفضاء الافتراضي ليُمارس عليك الانتهاك اليومي ذاته، وهذا الجسد الذي تتباهين بجماله ستحملينه مثل صخرة سيزيف على ظهرك.
مويتري موخوبادهياي – نسوية وباحثة اجتماعية هندية
ربما تأجلت الثورة بسبب الوباء، ولكنها لم تنته بعد، إذ إن الحنين إلى الحرية والديموقراطية سيعيد إثبات وجوده من جديد ولكن ذلك لن يحدث تلقائياً. وإذا لم يعد الحنين تأكيد مكانته، فإن مستقبلنا الديموقراطي معرض للخطر
فاطمة بدري – صحافية تونسية
“سيبقى لكنّ شرف الحرية لأنكنّ وقفتنّ بشجاعة في وجه النظام البائد وهتفتن بملء حناجركن ضد الظلم والاستبداد”
مصطفى إبراهيم – حقوقي فلسطيني
هالة ليست ضحية “كورونا”، بل ضحية تأخير العدالة، ما حرمها من رؤية ابنها أو حتى سماع صوته هاتفياً. وقصتها واحدة من قصص كثيرة، تحدث كل يوم بسبب عدم قدرة بعض القضاة على النظر في قضايا مستعجلة
ميريام سويدان – صحافية لبنانية
استنكر الرأي العام والسلطة معاً إعلان ميس حمدان ارتكازاً على مبدأ رفض قيام امرأة بإبداء الإعجاب بجسد رجل، بينما مرّت إهانة رامز جلال لضيفته ووصفها بـ”المطلّقة”، مرور الكرام.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني