كما لو أن بشار الأسد فاز حقاً بنسبة 95%!

النسبة المئوية المعلن عنها لفوز الرئيس الأسد، توحي بأن النظام لم يعد يتصرف كما لو أنه يخفي غير ما يبطن. تلك الفرضية لم تعد صالحة، مع إعلان نسبة فوز تجاوزت 95%، في بلد مزقته الحرب وأثقلته الأحزان والأحقاد.

ما من مفاجأت غير عادية رافقت مجريات الاستحقاق الرئاسي السوري. كل شيء مر بسلاسة وفقاً لترتيبات إدارية مُعدة مسبقاً وفق جدول زمني مضبوط. “كما لو” أن الدولة السورية، بأجهزتها التنفيذية والتشريعية والقضائية، أنجزت المهمة الديموقراطية الملقاة على عاتقها على أكمل وجه. إلا أن المشكلة الوحيدة العالقة في فهم ما جرى تتعلق بأن الوضع في سوريا، يبدو وكأنه قد تطوّر خلال سنوات الحرب الأهلية، من مرحلة “كما لو” التي صبغت كامل عهد حافظ الأسد والعشرية الأولى من عهد بشار الأسد، إلى مرحلة جديدة قد يجوز تسميتها بـ”ماذا لو”.

توضح ليزا وادين، في كتابها “السيطرة الغامضة”، أن عبادة الأسد تعمل كجهاز ضبط سلوك، يولّدُ سياسات تقيّة عامة يتصرف من خلالها المواطنون “كما لو” أنهم يحترمون قائدهم. الأمر أمكنت ملاحظته خلال الأيام الماضية: نسبة كبيرة من سوريي الداخل في مناطق سيطرة الحكومة، أقاموا الاحتفالات ما قبل موعد الانتخابات دعماً لـ”العرس الديموقراطي”، وصرحوا لوسائل الاعلام، هللوا وغنوا، ثم تقاطروا على صناديق الاقتراع وصوتوا، قبل أن يخرجوا ويحتفلوا ثانية بانجاز الاستحقاق الرئاسي. الأمر يمكن سحبه على وظائف أجهزة تبدو كما لو أنها تعود لدولة طبيعية: الترشيح في مجلس الشعب، قرار المحكمة الدستورية العليا بصلاحية من يجوز لهم الترشح، الدعاية الانتخابية، الصمت الانتخابي، فتح باب التصويت للسوريين في الخارج، اجراء الانتخابات في الداخل، متابعة إعلامية حثيثة، ثم اقفال الصناديق، وبعدها إعلان النتائج في مؤتمر صحفي.

كل شيء بدا طبيعياً في دولة غير طبيعية. الكهرباء والماء لم تنقطع خلال فترة الانتخابات. الحواجز أوقفت الاعتقالات بضعة أيام. عادت مخصصات البنزين والمازوت للتوزيع بانتظام، وكذلك الخبز، عبر البطاقة الذكية. مرشح رئاسي يصف نفسه بالمعارض، قال إنه سيقبل بما ستحمله نتائج فرز الصناديق الانتخابية. وكلاء المرشحين الرئاسيين انتشروا في المراكز الانتخابية. الصحافة الرسمية حرصت على تسمية بشار الأسد بالمرشح الرئاسي طيلة فترة الدعاية الانتخابية، وكذلك كل من أجريت معهم المقابلات من عمال معمل الكنسروة في ريف دمشق إلى أبناء عائلة الحسواني الإدلبية المُهجرة من مناطق “الارهابيين” إلى العاصمة. كل رجال الدين وشيوخ القبائل ومخاتير الأحياء وزعماء العائلات، بكل أشكال لحاهم وشواربهم، بصلبانهم وأهلتهم وسيوفهم ونجومهم، حثوا الناس على ضرورة إجراء الاستحقاق الانتخابي، وفي اليوم التالي للانتخابات، خرجوا وهللوا للمرشح الفائز.  

السوريون، ظهروا كما لو أنهم سوري واحد يتصرف وفق كاتالوغ مُحدّث بآخر صيحات الديموقراطية في العالم. مشكلتهم الوحيدة التي شوشت على المشهد قليلاً، أنهم ربما بالغوا في قول العبارات المنتقاة ذاتها، مستخدمين اللغة ذاتها في الصحافة والتلفزة الرسمية وأيضاً في وسائل الاعلام البديلة الموالية. لا بأس، فالعملية تمّت كما لو أن السوريين في مناطق سيطرة الحكومة هم شعب متجانس واحد. 

ما جرى كان أشبه باستعراض مذهل لقدرة السوري على الالتزام بمدونة السلوك المفروضة أمنيّاً بالتخويف والتجويع، بعد عشر سنوات من حرب السلطة على الشعب. ولكن، ماذا لو كان ذلك الاستعراض الفظيع جزءاً من واقع جديد نجحت الحرب على المجتمع في تكريسه؟ في هذا الواقع ما فوق الطبيعي، بات السوري في مناطق سيطرة النظام، مُجرّداً حتى من حقّه بأن يظهر كما لو أنه غيره. في ذلك الداخل المسحور، يبدو أن السوري، قد خسر مؤقتاً على الأقل، آخر حظوظه بألا يكون مجرّد ظلِّ لتقيته.

هذا الانسداد السياسي الذي رافق اجهاض الانتفاضة السورية، بالغلبة والعنف، كان قد بدأ بدوره في تحويل النظام نفسه من ماكينة قسرية واعية لفرض التزلف والتزييف العلني على الظاهر من مشاعر وأفكار السوريين، إلى ماكينة قادرة أيضاً على تزييف سياسات النظام وأغراضه، والاقتناع بها. فهل بات النظام مدركاً بأن “كما لو” لم تعد مقبولة، بعدما طرد بالعنف المسلح المنتفضين عليه، وأن المجتمع صار منسجماً موحداً بالخوف؟

النسبة المئوية المعلن عنها لفوز الرئيس الأسد، توحي بأن النظام لم يعد يتصرف كما لو أنه يخفي غير ما يبطن. تلك الفرضية لم تعد صالحة، مع إعلان نسبة فوز تجاوزت 95%، في بلد مزقته الحرب وأثقلته الأحزان والأحقاد. ويشير ذلك إلى استحالة السياسة مع هذا الكيان السياسي، اليوم أكثر من أي وقت سبق، وربما يجدر بنا التساؤل: ماذا لو أن النظام بات مقتنعاً بأنه انتصر فعلاً على المجتمع؟

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
مارسيل نظمي
منذ اللحظة الأولى لدخول مكتبه، لم ينظر إلي، شعرت كما لو كنت شفافة تماماً أو قطعة ممتدة لزجاج مكتبه، كان كلامه كله موجهاً إلى خطيبي، ظللت أتابع أسئلته فقط وأحاول التحكم في عضلات فمي لئلا أضحك وأفسد أي شيء أثناء حوارهما الأكثر غرابة وربما طرافة أيضاً.
Play Video

3:14

Play Video

3:28

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني