fbpx

لبنان الذليل في صورة سمير صفير

لن يحج سعوديون في المملكة إلى السفارة اللبنانية هناك للاعتذار من السفير اللبناني على اهانة كهذه. سيصمت اللبنانيون هناك لأنهم يعلمون انهم مهددون بلقمة عيشهم. وسيصمت السياسيون اللبنانيون هنا...

حليق الرأس، وبملامح منهكة وصل الملحن سمير صفير إلى مطار بيروت بعد خمسين يوماً من احتجازه في السعودية. بدا الرجل كأنّه فقد مع شعره الطويل الذي عرف به، قوته التي جعلت منه “نجماً” له مآثر في السياسة المبنية على الصراخ والشتم والتطرف، اكثر من مآثره في التلحين. شيء أشبه بحكاية شمشون. عاد سمير صفير بشخصية أكثر هدوءاً واستسلاماً، يتحدث بـ”تهذيب” مع الكاميرا. خسر نبرته، وخسر غضبه وتعصّبه وخسر حتى مواقفه وتجرّد بعد السجن من السياسة كما يقول، وسيتفرغ للفن فقط. كان ينقص أن يقول “التوبة ما بقا عيدها”. يعتذر من سجّانه، لانه راجع نفسه بعد خمسين يوماً في زنزانة افرادية، ووجد انه كان متطرفاً بمواقفه، وأنه كان كاسراً في طريقة تعبيره، وشكر الله لانه “ربما اراد ان يحدث ما حدث لكي أعود إلى وعيي” كما قال في مقابلة من المطار بعد وصوله مباشرة. 

الرجل مكسور. مسلوب الرأي. سجن خمسيناً يوماً من دون ان يسمح له برؤية محام. قالوا له: لا تحتاج إلى محام لأنك لست متهماً. ثم حققوا معه. حلقوا شعره وأهانوه وقيّدوا حريته من دون تهمة. عاملوه كما لو كان طفلاً يهددونه بالزرب في غرفة الجرادين. لكنهم فعلوها. سجنوه. لم يضعوا لبناً على اذنيه كما في سردية تخويف الأطفال. لكن “غرفة الجرادين” نجحت في تأديب الرجل كما لو كان طفلاً تعاد تربيته بأسلوب متخلف. 

في السجن، لا في “هايد بارك”، “ناقشوه” بأفكاره. سألوه عن تغريدات. وعن حلقة تلفزيونية من العام 2013 ينتقد فيها السعودية ويتهمها إنها “عم تورّد ارهاب”. ويقول إن هذه الحلقة هي التي اغضبت الأمن السعودي، فحبسه خمسين يوماً في سجن افرادي. مارست السلطات السعودية عليه إرهابها لكي يتعّظ ويندم على قوله في حلقة تلفزيونية ساخرة إن السعودية تورّد الإرهاب. وانها عقدت صفقة بستين مليار دولار لشراء طائرات “ما بيعرفوا يسوقوها”. مع انه في الحلقة نفسها يقول “مش الحكام عم يوردوا ارهاب”، ويشرح: “الفقر هو الذي يولد الارهاب”. وجاء كلامه في سياق دردشة افتراضية عن ما يمكن ان يفعله سمير صفير اذا تسلم الحكم في الدول العربية قاطبة. قال إنه سيقوم بإلغاء وزارات الدفاع في العالم العربي كله، “لانو ما حدا بدو يحارب والجيوش معمولة لقمع شعوبها”. وعندما سؤل من هشام حداد الذي كان يحاوره: “هل ينطبق هذا على سوريا أيضاً”. أجابه بان الامر ينطبق على الجميع. في سياق الحلقة كانت هناك مداخلة ساخرة لحداد بأن “آخر حرب ربحتها السعودية كانت داحس والغبراء بقيادة عنترة بن شداد”. نكتة. مجرد نكتة من مقدم برامج كوميدية. قد تبدو نكتة “بائخة” وغير موفقة. ضحك عليها صفير. لكنها تبقى نكتة يمكن ان تهدد حداد أيضاً بالسجن في حال وطأت قدماه أرض السعودية. وكلام صفير يبقى كلاماً. مجرد رأي. واعتقل بسببه خمسين يوماً. وهو مواطن لبلد آخر غير السعودية. لنا ان نتخيل كيف يمكن للسعودية ان تتعامل مع مواطنيها ممن لديهم آراء لا تعجب النظام.

عاد صفير إلى لبنان وحيداً. من دون استقبال رسمي. بدا منبوذاً من الطبقة السياسية كلها، بما في ذلك فريقه السياسي الذليل. بدا انهم يتبرأون كلهم، سياسيون وفنّانون، من “دم” كرامته المسفوك. ويشاركون كلهم في ذلّه الذي يطال كل لبناني بلا استثناء. لأن السعودية عبر اهانة صفير بهذه الطريقة تهين حقوق الإنسان قاطبة. تهين القانون الدولي. وتهين حرية التعبير. وتهين اللبنانيين كلهم، بلا استثناء، من الرؤساء الثلاثة(بل الأربعة مع رئيس الحكومة المكلف) والنواب والوزراء. تهين وزيرة الخارجية الجديدة التي تسلمت الحقيبة بعد اقصاء الوزير السابق لأنه أهان السعودية، وحجّ عشرات السياسيين اللبنانيين إلى السفارة السعودية للاعتذار. شعر هؤلاء بأن اهانة المملكة بعبارة “البدو” من قبل وزير خارجية لبنان تتطلب اعتذاراً رسمياً وشعبياً. ذهبوا للوقوف على خاطر السفير. لا احد منهم ذهب إلى المطار لاستقبال معقتل لبناني بشكل تعسفي في السعودية. لم يشعر هؤلاء، ولا غيرهم من السياسيين والفنانين، أن ما حدث مع سمير صفير مهين للبنان واللبنانيين تماماً كما ان كلام وزير الخارجية السابق كان مهيناً للسعودية والسعوديين. والنظام السعودي يعرف تماماً أن سمير صفير ليس مهماً. يعرف ان رأيه لا يقدم ولا يؤخر. وأن كلامه قيل وسقط مع الزمن منذ العام 2013. لكنهم وجدوا في إذلال الرجل سبيلاً لإذلال اللبنانيين قاطبة. بدا صفير في انكساره وذله وهوانه وانهياره اشبه بلبنان. لقد حلق السعوديون شعر لبنان الشمشوني الطويل. ووضعوه مع سمير صفير في الزنزانة نفسها. وعرفوا كيف يختارون اسوء نموذج انتجته المنظومة اللبنانية، سياسياً وإعلامياً، لكي يعاقبوا به الجميع. ولكي يكون وحيداً بلا حول ولا قوة ولا كرامة ولا سيادة ولا احترام. ويعلمون ان المنظومة السياسية مثل صفير، ذليلة، نفعية، واستنسابية، ولن تستفزها اهانة من هذا النوع. 

لن يحج سعوديون في المملكة إلى السفارة اللبنانية هناك للاعتذار من السفير اللبناني على اهانة كهذه. سيصمت اللبنانيون هناك لأنهم يعلمون انهم مهددون بلقمة عيشهم. وسيصمت السياسيون اللبنانيون هنا، لأنهم يعلمون انهم مهددون بـ”لقمة عيشهم”. الذل سابق لما حدث مع سمير صفير. الذل قائم في التركيبة القائمة على ربط “لقمة العيش” بحرية القول. وهذا أمر ينتهك أبسط حقوق الإنسان. وفي اعتقال سمير صفير شيء من الإرهاب. لأنه بمثابة خطف واحتجاز بلا سند قانوني. وتوريده، بعد “تأديبه” بهذه الطريقة إلى لبنان، هو توريد للإرهاب، بطريقة أو بأخرى. لقد ارسلوا إلينا عبرة لكي نعتبر من انتقاد السعودية ونخاف. هذه، إلى كونها إهانة لا تحتمل، محاولة ترهيب لشعب بأكمله. 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
عبدالرحمن الجندي – كاتب مصري
خالط الفرح الريبة والتوجس، أمسى جيلنا يخاف الأمل ويرهبه، توالت على رؤوسنا الخيبات تباعاً حتى خاصمنا الأمل ولم نعد نراه إلا بعين الشك.
Play Video
في عالم تسوده تقنيات حديثة يمكن استهداف أي شخص حتى الملوك والرؤساء والزعماء. محاولات الاختراق حصلت عبر برنامج مجموعة NSO الاسرائيلية ولكن لصالح حكومات اشترت هذه الخدمة بملايين الدولارات. الأرقام شملت هواتف رؤساء دول وملوك وزعماء ورؤساء حكومات. الأرقام المستهدفة تشمل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي كان ضمن نحو 10 آلاف هدف تقف المغرب وراء محاولة اختراقها.

4:30

Play Video
تثير شركة NSO الاسرائيلية منذ تأسيسها الكثير من الجدل. الفريد في حالة NSO هو العلاقة الوثيقة والصريحة بأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية. عدد كبير من موظفي الشركة هم ضباط متقاعدون في جهازي “الشين بيت” و”الموساد”

5:59

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني