فراق لبنان أسهل من فراق سوريا يا صهيب

لبنان اليوم يا صهيب طارد أيضاً لمزيد من أبنائه، ونحن نتوهم أننا نغادره بإرادتنا. نتوهم ذلك لأننا نعتقد أنه بإمكاننا العودة إليه ساعة نشاء، وهذا غير صحيح. العودة تتطلب تسوية أيضاً، ربما كانت تسوية من نوع آخر.

كتب الصديق صهيب أيوب على صفحته على “فايسبوك” التالي: “صعقت بمعرفتي أن صديقة سورية، حصلت على لجوئها كمعارضة سياسية، ثم اخذت الجنسية وكل شغلها الصحافي والتوثيقي في مؤسسات ممولة للاجئين، وتصب في مفاهيم اللجوء والملاحقات ضد معارضين ولاجئين تدمرت حياتهم في ظل أنظمة ديكتاتورية، ستسافر الى دمشق، وتطبع في زيارتها مع نظام هجر الآلاف ودمر بيوتهم وشردهم وهي حصلت على امتيازات استخدمتها بحجة أن النظام يلاحقها. احيانا لا نعلم لماذا يصبح الانسان غير متعاطف إلا مع نفسه، وحاجاته وتصبح السيرورة التي عمل بها مجرد بطاقة عبور”.

من منا يا صهيب لا تنطوي عودته إلى بلده على تسوية تبلغ حدود التواطؤ على نفسه. صديقتك لا أعرفها، لكنني قد أفترض معرفة بمشاعر الانفصال القاسي الذي يعيشه سوريون أجبروا على مغادرة بلدهم. سوريا هي نفس السوري على نحو أثقل من كون لبنان هو نفس اللبناني. السورية أكثر كثافة من اللبنانية يا صهيب. ولبنان الذي لم يقبلك ككويري، هو تماماً مثل سوريا التي لم تقبل صديقتك لأنها ليست بعثية مثلاً.

ألا تعتقد يا صهيب أن عودتك إلى لبنان تتطلب تواطؤاً على أكثر من مستوى حتى تتم بسلاسة وأمان؟ علماً أن السؤال في الحالة السورية أكثر تعقيداً. فالمأزق السوري اليوم لا يتمثل بمواجهة بين النظام ومعارضيه من السوريين، ويبدو أننا ذاهبون إلى ستاتيكو طويل الأمد، وهذا يفترض في حال ركنا إلى احتجاجك على صديقتك، قطع العلاقة بينها وبين بلدها لأمد غير محدد. هذا خيار من حق أي سوري اتخاده، لكنه أيضاً خيار شديد القسوة. أعرف تماماً حجم الألم والشوق والحاجة لدى مئات من أصدقائنا جراء يقينهم بأن عودتهم إلى سوريا صارت بعيدة وبعيدة جداً. 

القصة السورية يا صهيب لا تتمثل في مئات أو آلاف ممن خرجوا من سوريا بسبب اضطهاد النظام لهم! القصة هي أن ثلث السوريين تقريباً هم الآن خارج سوريا، وسؤال العودة يشمل نحو ثلاثة ملايين في تركيا ونحو مليون ونصف المليون في لبنان، وأكثر من مليون بين الأردن والعراق ومصر، ناهيك بالخليج وأوروبا.

لا أملك فعلاً جواباً قاطعاً عما إذا كانت العودة غير أخلاقية. هي قرار شخصي، طالما أن ما بقي من علاقة السوري ببلده هو شخصي أيضاً. لا أجرؤ على لوم صديق قرر العودة، كما أنني أفهم قرار صديق آخر قرر ألا يعود، ولا أستطيع أن أضع نفسي في موقع أي منهما. لكن سؤال العودة أو القطيعة الكاملة، صار مطروحاً على كثيرين، وسؤال التسوية أيضاً، لا سيما أننا لا نعرف حدود هذه التسوية وشروطها وتفاوتتها. سوريا اليوم ذاهبة إلى ستاتيكو سيئ، والنظام المجرم فيها عاد ليحصد اعترافات تتعدى روسيا وإيران. الخليج بصدد تسوية مع هذا النظام، وبعض أوروبا أيضاً، ناهيك بأنظمة مثل المصري والأردني وربما التركي أيضاً. الحصار ستتغير وجهته يا صهيب، وبدل أن يستهدف النظام سيستهدف السوريين وشتاتهم، وفي مقابل ذلك لا أحد يفكر بمن خرجوا من سوريا وبمستقبلهم سواء في شتاتهم أم في احتمالات عودتهم والأثمان المطلوبة.

العودة الصامتة ربما كانت أحسن الخيارات إذا ما أتيحت. أقول ربما، لأنني لا أستطيع أن أجزم أنها فعلاً أحسن الخيارات، فأنا لست سورياً ولا أعرف أصلاً ما إذا كانت متاحة. النظام أصلاً لن يقبل بعودة صامتة، حتى لأولئك الذين كان اعتراضهم عليه ضمنياً وغير صاخب. ما حصل في لبنان خلال مسرحية الانتخابات الرئاسية السورية، هو أن النظام ابتز اللاجئين، وربط قبوله بزيارة بلدهم بالتوجه إلى صناديق الاقتراع والتصويت لبشار الأسد. قبوله بالزيارة لا بالعودة، ذاك أن للعودة قصة أخرى.

القصة السورية يا صهيب لا تتمثل في مئات أو آلاف ممن خرجوا من سوريا بسبب اضطهاد النظام لهم! القصة هي أن ثلث السوريين تقريباً هم الآن خارج سوريا، وسؤال العودة يشمل نحو ثلاثة ملايين في تركيا ونحو مليون ونصف المليون في لبنان، وأكثر من مليون بين الأردن والعراق ومصر، ناهيك بالخليج وأوروبا.

لبنان اليوم يا صهيب طارد أيضاً لمزيد من أبنائه، ونحن نتوهم أننا نغادره بإرادتنا. نتوهم ذلك لأننا نعتقد أنه بإمكاننا العودة إليه ساعة نشاء، وهذا غير صحيح. العودة تتطلب تسوية أيضاً، ربما كانت تسوية من نوع آخر. ريان ماجد غادرت إلى باريس، حيث تقيم أنت، وهي عادت إلى لبنان بزيارة سريعة. هل تعتقد أنها لم تجرِ تسوية لكي تتمكن من العودة؟ هي قبلت أن تعود إلى منزلها غير البعيد من مرفأ بيروت الذي سبق أن انفجر بوجهها وبوجه عائلتها، وعرضت نفسها مجدداً لاحتمالات مشابهة. أنت نفسك يا صهيب، وأنت ما أنت عليه، ألا تتطلب عودتك تسوية؟ قد تقول إنك لن تجريها، هذا خيارك طبعاً، لكنه أيضاً خيار ينطوي على ترف يتمثل بامتلاكك فرصة في بلد آخر، يتيح لك أن تكون نفسك. ناهيك بأنني أرجح أن فراق لبنان مهمة أسهل من فراق سوريا.  

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
نجلاء أبو مرعي – كاتبة وإعلامية لبنانية
ما يبدو أكثر أهمية إلى حد كبير ويمكن البناء عليه بالفعل، هو الناخب الذي لم يستجب للدعوات التي أطلقتها المساجد للامتناع عن اختيار التغييريين، فرقعة الخوف من هاجس التحرر الفردي تنحسر شيئاً فشيئاً.
Play Video
فراس حمدان هو محامٍ لبناني نشط بالساحات خلال انتفاضة 17 تشرين وكان ثمن نضاله كبيراً. شرطة مجلس النواب أصابت فراس برصاصة من سلاحٍ محرم دولياً اخترقت قلبه بإحدى التظاهرات، وعلى رغم أن شظاية الرصاصة بقيت في قلبه، إلا أن فراس تحدّى وترشّح على الإنتخابات، وربح. ليعود إلى الساحة نفسها ولكن هذه المرة كنائب!

4:38

Play Video
“رح ننتخب أي حدا ضد المُعرقلين…”، 21 شهراً مرّ على انفجار مرفأ بيروت وأكثر من 4 أشهر على تجميد التحقيق. السلطة اللبنانية تُحاول عرقلة التحقيقات وطمس الجريمة، بل وتخوض الانتخابات بوجوه مُتّهمة بانفجار 4 آب، لكن أهالي الضحايا يصرّون على ثباتهم: العدالة تأتي بالتغيير.

2:49

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني