fbpx

ماذا بعد فوز الأسد؟

أحلم بوطن ديمقراطي من دون خيام رقص وحلقات دبكة وهتافات عبودية، من دون معتقلات تعج بأصحاب القضايا المحقة والوطن الجميل.

انتهت الانتخابات المهزلة في سوريا. 

منذ إعلان مجلس الشعب السوري موعد الانتخابات وترشيح  ثلاثة أشخاص لمنصب الرئاسة، واللافتات تملأ الشوارع، تعرض صور الرئيس الذي تلطخت يداه بدماء الشعب، وعبارات “الأسد خيارنا”، وكأن من بقي في الأفرع الأمنية يستطيع أن يختار غيره. 

نصبوا الخيام في الساحات التي سرقوها من الثوار، والتي كانت شاهدة على حناجر أصحاب الحق، وصدحت بهتافات ضد نظام الأسد وما يمارسه من حقد وظلم وقمع على أبناء البلد، وحولوها إلى حلقات دبكة ورقص لا تتوقف، على رغم أن الجميع يعلمون مسبقاً أن المشهدية ليست سوى مسرحية هزلية وأن المرشحين الآخرين ليسوا سوى كومبارس، أو بهارات إضافية لمهزلة سميت عرساً ديموقراطياً، فوق أرض وطن تم تدميره بشكل شبه كامل، نصف شعبه هُجِّر والنصف الآخر توزع بين من لا قوة له، ومن يعبد الديكتاتور. 

في نيسان/ أبريل 2007، زار بشار الأسد محافظة دير الزور، التي لم تطأ قدما أبيه أرضها، وهي الزيارة الأولى مذ حكم “حزب البعث” سوريا لأكثر من 40 عاماً. وقتها امتلأت الساحات بالجماهير المرحبة بذلك الشاب الذي كانت مضت على رئاسته دورة واحدة بعد وفاة الأسد الأب، ولربما كان أهالي دير الزور يأملون حينها، بأن تحظى محافظتهم ببعض الاهتمام بعد تهميشها لوقت طويل، لكن تلك الأماني خابت، فلم يلُح في الأفق ما يشي بأن شيئاً سيتغير، وخصوصاً بعد انتهاء الأعراس الوطنية التي توجتها الهتافات للأسد الابن. 

أذكر يوم تلك الزيارة أنني تغيبت عن الدوام الجامعة، بسبب حالتي الصحية، لكن الفضول استفزني. كنت أسمع زمامير السيارات، والهتافات تصدح في شارع بيتنا، فركضت إلى شرفة المنزل لاستراق النظر إلى هذا الاستقبال الكبير المزيف، لكن لا شيء كان يشبع فضولي. فتحت التلفزيون، وشاهدت صاحب العينين الزرقاوين، حسبما كان يلقبه محبوه، متباهين بأن من يحكم سوريا شاب صغير درس في لندن، لذلك سوف يكمل مسيرة التحديث والتطوير، التي أمست مسيرة التدمير والتهجير.

ما كان يشغل بالي في تلك اللحظات، هو ما الذي سوف يقوله للجماهير؟ والأكثر من ذلك هو “كيف صار هيك وزارنا؟، ونحن المحافظة التي يتعبرها نائية، فعلى رغم أن خيراتها وثرواتها تكاد تكفي سوريا، إلا أنها لا تكفي عائلة الأسد.

خرج الابن على الجماهير يتحدث عن المقاومة، وكيف علينا أن نساعد إخواننا في العراق ليتجاوزوا محنتهم. تذكرت يومها أولاد جيراننا الذين لم تتجاوز أعمارهم 18 سنة، وكيف ذهبوا للقتال في حرب العراق عام 2003، يوم فتحت الحدود العراقية- السورية أمامهم من دون توجيه أو ردع، وحتى من دون تزويدهم بالسلاح، فكان أن أغرتهم كلمات المقاومة ودمرت أحلامهم وشبابهم تلك الحروب. 

قطع مشاهدتي الخطاب المنافق، اتصال هاتفي من أصدقائي الذين استطاعوا الهرب من تلك المسيرات الإجبارية، وفضلوا زيارتي على وقوفهم في الساحات المزيفة وسوقهم كالأغنام. قالت لي صديقتي منار، “بدك نوقف بهذا الشوب، ونستنى يطلع علينا يلوّح بإيدو، خلص راح ينجح بالاستفتاء”، لم يخِب توقُّع صديقتي ولا جميع الحشود التي وقفت تهتف له، ففي 27 أيار/ مايو 2007 فاز بشار الأسد بالرئاسة مرة أخرى بنتيجة 95.9 في المئة بكل ديموقراطية حسبما قيل لنا.

في انتخابات عام 2014، كنتُ قد خرجت من المعتقل، وكانت مضت على الثورة السورية -وقتها- أربع سنوات عجّت أيامها بالكثير من الدمار والضحايا والمعتقلين والمهجرين. الهتاف تحوّل إلى عبودية، والابن إلى إله يسجد كثيرون أمام صورته فيما يقبّلها آخرون كادوا يصلّون له. لكن، ماذا حل بالبلد؟ 

أخبرت والدتي- آنذاك- أنهم أخذوا هوياتنا في المعتقل لننتخب، فلماذا عليّ أن أعيد انتخابه مرة أخرى؟ قالت لي: سوف يعلمون أنك لم تنتخبي إذا لم يروا الحبر الأزرق على إبهامك. 

في الصباح أغلقت جميع مداخل الحي ومخارجه، حيث كنت أقيم في دمشق، وأجبر عناصر الأمن الناس على الدخول إلى مركز الاقتراع، حينها وعلى رغم دخولي ذلك المركز لأنني لن أستطيع الهروب من تلك المهزلة، إلا أنني لم أنتخب، بل كتبت على الورقة التي وضعتها في الصندوق (يسقط الأسد). خرجت يومها وكانت نشوة النصر التي لم أستطع أن أعبّر عنها تتملّكني، وأحسست أنني انتصرت على ديموقراطيتهم،  مع أنهم تجاهلوا أو تعمّدوا تجاهل وضع الحبر الأزرق على إصبعي، فربما  أملوا بأن أزور مراكز اقتراع أخرى، وفي الحالتين سيحصل الابن على أعلى نسبة تصويت من دون منافسة. 

في الحقيقة لم تعنِ لي الانتخابات في بلدي شيئاً، ولم أحلم يوماً بأن أملك بطاقة انتخابية، لا من أجل مجلس الشعب ولا من أجل الرئاسة، وهو ما يشعرني بشيء من السعادة لأنني أدركت في وقت مبكر، أننا نحن السوريين والسوريات بأصواتنا، وحقوقنا، وأحلامنا، تمت سرقتنا منذ وصول “حزب البعث” إلى الحكم في سوريا. 

أحلم دائماً بوطن أستطيع فيه أن أرفض ما أشاء وأتقبل ما أريد، أتظاهر فيه ضد الفاسدين والسارقين، من دون رهبة الفروع الأمنية والخوف منها. أحلم بوطن ديمقراطي من دون خيام رقص وحلقات دبكة وهتافات عبودية، من دون معتقلات تعج بأصحاب القضايا المحقة والوطن الجميل. 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
بادية فحص – صحافية وكاتبة لبنانية
ربما من قبيل القسوة، القول إن الحدثين الدمويين الأخيرين لم يفاجئا أحدا، لا داخل أفغانستان ولا خارجها، وأولهم الشيعة الهزارة، ذلك أنهم لم يعرفوا مصيرا سوى القتل، منذ نشأة أفغانستان بحدودها الجغرافية الحالية.
Play Video

3:47

Play Video

7:06

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني