عودة “تشرين”: لماذا أشعر بالخوف؟

اريد وطناً سهلاً كإلقاء تحية الصباح: صباح الخير. هكذا ببساطة، أن يكون صباحنا خيراً فعلاً. لا ان نضطر إلى دفع الدماء والأرواح من أجل هذا "الخير". لا أن تضيع من اجل ذلك ارواح 650 شاب وشابة من حياتنا، برمشة عين. ولتدمع معها آلاف العيون.

مجموعة من النساء، لا يزيد عددهن عن العشرين، خرجن لمساندة المتظاهرين في احد ايام تشرين اول/ اكتوبر 2019، وحينما وصلن، انهال الرصاص الحي فوق رؤوس المتظاهرين. 

كنتُ بينهن. ركضنا سريعا، تُسابقنا أحلامنا. لا نريد الموت بهذه السرعة، ما زال الطريق طويلا جدا، لكن يسقط امامنا العديد من الشباب بدمائهم. يومها استطعت الاختباء من هجوم القوات الحكومية، في منزل لاقارب صديقتي، وبقيت حتى الليل، لم اتمكن من الخروج بسهولة لان الشارع كان يشبه جبهة حرب، من طرف واحد، وهل للمتظاهرين اصلا سلاح يقاتلون فيه غير علم العراق؟ 

في 25 تشرين الأول/ اكتوبر، عدد الفتيات لم يكن قليلاً. كانت الثورة انثى قلباً وقالباً. كنّ قويات، ملهمات وشجاعات، واستمر اصرارهن على خلق الوطن في الساحة: نسوة تعجن الخبز بقلوبهن، واخريات يغسلن ثياب المرابطين في الساحات الامامية، نسوة يعملن على اسعاف المصابين، وأخريات تصنعن الفلافل والهمبرغر. كانت الساحة أشبه بـ”مطبخ الوطن”. تدار منه كل تدابير “البيت”، بمشاركة بين النساء والرجال، بلا تفريق. ولم اشهد لحظة تحرش واحدة، كما هي الحال في الشوارع عادة. لكن تهماً كثيرة طالت كل امرأة شاركت في الثورة. حرضت الميليشيات وازلام الأحزاب على النساء اللواتي شاركن في “طبخ” التغيير.

اصبحت واصدقائي نتفق على دخول ساحة التحرير سوية لئلا يتعرض احدنا للاختطاف او القتل، ونخرج كذلك، سوية، لكن الموضوع لم يكن لعبة قتال في “البلاي ستايشن” مع مجموعة من المرتزقة والقتلة، وصراع الشوارع اقسى مما وجدناه في العاب الفيديو، تعرض بعض أصدقائنا للاغتيال والاختطاف. عند كل يوم نستفيق على فاجعة طعن احد المتظاهرين. بدأ الحلم بالتحول إلى كابوس. وبدأ الخوف يفتح عينيه علينا. صرنا أكثر حذراً، شباناً وشابات. تحولنا إلى أرقام. مجرد أرقام: نقول مات 40 متظاهراً اليوم. ولا نقول اسماءهم، ولا نحفظ احلامهم، ولا نردد وصاياهم او صورهم، ولا نتذكر امهاتهم أو حبيباتهم ولا نعلق مقتنياتهم في متحف الثورة. هم لم يحلموا باكثر مما يعيشه آخرون في بلاد بعيدة، هم لم يحلموا سوى بوطن يشبه سائر الاوطان “السهلة”، حيث الأحلام البسيطة. هل هذا صعب؟

اريد وطناً سهلاً كإلقاء تحية الصباح: صباح الخير. هكذا ببساطة، أن يكون صباحنا خيراً فعلاً. لا ان نضطر إلى دفع الدماء والأرواح من أجل هذا “الخير”. لا أن تضيع من اجل ذلك ارواح 650 شاب وشابة من حياتنا، برمشة عين. ولتدمع معها آلاف العيون. 

لوهلة سألت نفسي: هل كان صحيحا أن تقوم الثورة؟ حسنا، لم اذن مات نحو 650 شخص وكان يمكن ان اكون انا أو غيري منهم؟ ما الذي أرادوه هؤلاء الشباب وما الذي رددوه ليزهق أرواحهم؟ ومن قال انهم كانوا يريدون الموت؟ هل هنالك متظاهر يصرخ اريد وطناً فيمنحوه قبراً؟ لقد تعبت التظاهرات من كثرة بكاء الامهات الذي لم يهدأ حتى اليوم، تعبت ولم تعد قادرة على الوقوف بسهولة. امنح قلبي كل يوم لتلك الذكرى والايام، لكنني لا أدرك اذ كانت الثورة تود العودة، أم انها تتردد كلما سمعت صرخة أم، لا اعلم، لكن ما اعلمه ان ثورة تشرين تشعر بالانهاك ولكن لا تموت، لقد ترك الشهداء بذوراً من أحلامهم تحت نصب الحرية هناك، وستنمو يوما. 

بعد وباء كورونا، توقفت القلة المتبقية عن التظاهر، ولاكون صريحة من بقي هناك، كان شجاعاً جدا، ذلك أن الساحة تعرضت عشرات المرات، لقمع متعمد، وتهجير وترحيل وتهديد، وكان آخر من بقي فيها، بعد مقتل نحو 650 ثائر، بمثابة انتحاري. الحياة بصورة تدريجية عادت، وطحنت السلطة رماد الثورة بالمراوغة والحيلة، كنست الشوارع من آثار الشهداء، وازالوا صورهم التي كانت تنتظر قدومنا للمطالبة بالوطن، حتى ان الكلمات والعبارات التي لطالما حفظناها، تمت ازالتها، وهكذا، بهدوء غير متوقع، توقف الثورة، مؤقتا. 

بقيت الثورة عالقة في رؤسنا، حتى اني تعلمت عدم السير على جسر الجمهورية المؤدي الى التحرير لانه اسقط الكثير من الشهداء، وفي كل مرة، اقف لدقائق أمام المطعم التركي، اتذكر كل شيء، وقوفنا وضحكاتنا وهتافنا، حتى أيام الهجمات المباغتة من قوات الشغب والتي تجعلنا نركض ونفلت ايادي اصدقائنا، لعلها الامر الحقيقي الوحيد الذي عشته في العراق طوال السنوات الأخيرة، بحسرة ودمعة حبيسة تحاول الخروج، اترك التحرير في كل مرة واواصل طريقي، كرؤيتي لصديق قديم، أشعر بحزن وفرح، غضب وسكينة، احيانا اتذكر رسائل التهديد التي كانت تصلني بعد الثورة مباشرة، اتلفت يمينا ويسارا، استأجر أقرب سيارة واتعوذ من الشيطان، لقد ملأوا اعمارنا خوفاً وشجاعة من دون ان يدركوا، حتى ان سيري في الاماكن المفرغة مرات بثبات، يجعلني اشعر وكأني نادية الجندي في احدى افلامها البوليسية، ثم اتذكر انني اية منصور، المواطنة التي لا سند لها ولا ظهر، ولا وقت لان اكون بطلة، اقله، لاجل عائلتي وامراض والدي المزمنة، حتى ان احاديث اصدقائي بقيت مغمّسة بتأنيب الضمير: هل كان تظاهرنا أمرا صحيحا؟ 

لقد بقينا على قيد الحياة وها نحن نعيش حياتنا البائسة وغيرنا كان معنا وتعرض للقتل ولم يعد موجودا، هذه الفكرة التي كانت وما زالت تطعن حبي للوطن بسكين من الأسئلة، هذه الفكرة تحديدا هي التي تجعلني اليوم لا اريد التظاهر. لقد سقط امامي عشرات الاشخاص، ومزقنا الوجوه على اصدقائنا الذين اختطفوا واختفت اخبارهم، ولم تتزحزح الكراسي. هذه الفكرة توجعني وتبكيني وتجعلني اكره نفسي واكره اليوم الذي ولدت فيه هنا، ان نرى الظلم ولا نستطيع تغييره، لكننا حاولنا، اقسم اننا حاولنا، حاولنا حد اننا اضعنا دماء 650 حلم وفكرة وضحكة ووجه بريء، لكن محاولاتنا لم تكن كافية، ولربما الدم لم يكن كافيا، ولربما العراق لم يشبع من دمائنا، خسرنا ولم تخسر الحكومة شيئا، بل ازداد نفوذها، وطغيانها، هل كانت تشرين بداية لمواجهتنا الحلم بخيبة؟ هل كانت انتفاضة تشرين رفاً نضع عليه احلامنا بصورة مؤقتة حتى عودتنا مجددا من رحلة الثورة المجهدة؟ كانت مجهدة نفسيا ومن يقول عكس هذا، لا يعرف عن ساحة التحرير شيئا، ولا يفهم معنى أن يقف رجل للتظاهر بثياب ابنه الذي قتل في نفس المكان. بعد هذا كله تناديني الساحة لاعادة التجربة؟ 

اتمنى واحلم لكن لا استطيع، تقف بيني وبين الساحة، عيون الشهداء، واخشى ان يتم قتل آخرين. احيانا اشعر ان اي ثورة في العراق لا يمكن لها النجاح بسبب الانقسامات التي نعيشها وقصص التخوين التي تطالنا مثل صفعة مؤلمة، كيف يمكن لنا ان نكون يد واحدة أمام جيش من القتلة؟ كيف لنا ان نعيد الوطن المنهوب منذ 18 سنة وبيننا من يتهمنا بالعمالة لاننا طالبنا بتوفير شوارع جيدة وكهرباء وفرص عمل، وكيف انتظر ان يصبح الوضع افضل فيما يشعر بالشماتة جاري، عند ضرب كل متظاهر، الوجع كبير والشقاق بيننا اكبر. لقد قدمت لنا ثورة تشرين كل شيء، واخذت كل شيء، دفعة واحدة دون رحمة، فانا التي تحلم بوطن وتهتف من اجله، بشجاعة، لا اتردد بالقول، اني اخاف التظاهر مرة ثانية، لا على نفسي فقط، بل اخاف على الجميع. ما من متظاهر أراد التظاهر من اجل الشهادة في سبيل الوطن، هذه مثاليات مملة، من يخرج للتظاهر يريد العيش، لا يريد الموت. 

اكتب الان والقشعريرة تسري بقوة في عروقي، اتذكر كل تفصيل، واسترجع تلك الايام التي لن تتكرر. لم تكن انتفاضة تشرين بالنسبة لي ولجيلي مجرد تظاهرة ضد الظلم، لقد كانت الهواء النقي الذي أردناه طويلا، حتى ان ساحة التحرير أصبحت الوطن الذي لطالما توسلنا، لنحظى به، وطنا بسيطا جدا، يشبه احلامنا الصغيرة، نجتمع فيه كل يوم، نغني ونهتف باعلامنا وحدها باسم البلاد التي سرقوها من قلوبنا كما يسرق الطفل من حضن أمه.

كنتُ بينهن. ركضنا سريعا، تُسابقنا أحلامنا. لا نريد الموت بهذه السرعة، ما زال الطريق طويلا جدا، لكن يسقط امامنا العديد من الشباب بدمائهم.

صرنا أكثر حذراً، شباناً وشابات. تحولنا إلى أرقام. مجرد أرقام: نقول مات 40 متظاهراً اليوم. ولا نقول اسماءهم، ولا نحفظ احلامهم، ولا نردد وصاياهم او صورهم، ولا نتذكر امهاتهم أو حبيباتهم ولا نعلق مقتنياتهم في متحف الثورة. هم لم يحلموا باكثر مما يعيشه آخرون في بلاد بعيدة، هم لم يحلموا سوى بوطن يشبه سائر الاوطان “السهلة”، حيث الأحلام البسيطة. هل هذا صعب؟

هل كانت انتفاضة تشرين رفاً نضع عليه احلامنا بصورة مؤقتة حتى عودتنا مجددا من رحلة الثورة المجهدة؟ كانت مجهدة نفسيا ومن يقول عكس هذا، لا يعرف عن ساحة التحرير شيئا، ولا يفهم معنى أن يقف رجل للتظاهر بثياب ابنه الذي قتل في نفس المكان. بعد هذا كله تناديني الساحة لاعادة التجربة؟ 

 لم تكن انتفاضة تشرين بالنسبة لي ولجيلي مجرد تظاهرة ضد الظلم، لقد كانت الهواء النقي الذي أردناه طويلا، حتى ان ساحة التحرير أصبحت الوطن الذي لطالما توسلنا، لنحظى به، وطنا بسيطا جدا، يشبه احلامنا الصغيرة، نجتمع فيه كل يوم، نغني ونهتف باعلامنا وحدها باسم البلاد التي سرقوها من قلوبنا كما يسرق الطفل من حضن أمه.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
وائل السواح- كاتب سوري
فوجئنا، نحن السوريين، بصدور بيان عن المجلس الإسلامي يعلن عن انتخاب المفتي الجديد، من دون أن ندري كيف أجريت الانتخابات، وكيف تمّت المداولات، وهل كان هنالك مرشحون آخرون للمنصب، وكم عدد الأصوات التي فاز الشيخ الرفاعي بها.
Play Video

1:36

Play Video

42:22

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني